تجديد الفكر الديني:

دعوة لاستخدام العقل في العصر الحديث

مركز حوار الثقافات

02-12-2024

 يدعو المفكر الكويتي أحمد البغدادي، في كتابه "تجديد الفكر الديني.. دعوة لاستخدام العقل"، الصادرة طبعته الأولى عام 1999م، عن دار المدى للثقافة والنشر بدمشق، إلى العمل على تجديد الفكر الديني للخروج من المأزق التاريخي الذي يمر به العرب والمسلمون، والدخول إلى عصر الحداثة، أو ما سمَّاه "عصر العقل".

 الأحكام الدينية

يقول أحمد البغدادي في مؤلَّفه، إن الحقيقة التي لا بد من الاعتراف بها أن الفكر الديني، أي فكر كان، لا بد وأن يستند إلى النص الديني بشكل أو بآخر، وأنه لا محيص عن الاعتراف أن رجل الدين، بصرف النظر عن كيفية ظهوره، هو المصدر الوحيد لتفسير هذا النص، حسب قوله.

ويضيف بأن الفكر الديني الإسلامي هو ذلك الفكر الديني الموصول بالدين الإسلامي وما يتضمنه من أحكام، دون الغيبيات والعبادات، متضمَّنةً في النص القرآني ونصوص الحديث النبوي، وكذلك ما قرره الأئمة وكبار الفقهاء من أصحاب المذاهب الدينية المقررة، باعتبارهم "حائزين على صفات وشروط المجتهد المطلق"، حسب قوله.

ويشرح لنا البغدادي أن هذا الفكر الديني الإسلامي، بما يتضمنه من أحكام دينية تتعلق بالحياة الإنسانية التي نعيشها اليوم، في حاجة إلى إعادة نظر وبحث جديد، بحيث تمكن إعادة صياغتها أو وقفها عن العمل، آخذين بعين الاعتبار توقف كثير من الأحكام الدينية المنصوص عليها في القرآن الكريم والأحاديث النبوية؛ لأن "مسببات وجودها قد زالت من التعامل الحياتي للناس، مثل أحكام الرقيق وغنائم الحروب والجهاد العسكري لنشر الدعوة الدينية، وقد استعيض عنه بالجهاد بالدعوة الحسنة، على سبيل المثال لا الحصر"، حسب الكاتب.

 الفكر الديني 

يقول البغدادي إن تجديد الفكر الديني الإسلامي الذي ندعو إليه لا يعتمد مرجعية أو منظومة فكرية واحدة: الدين، بل يستمد مصادره المعرفية من منظومات متعددة، مثل العالم، تنوع مصادر البحث العلمي، الأحداث المعاصرة، الظروف الدولية، والواقع الذي يعيشه الناس باختلاف الزمان والمكان.

ويوضح أن الفكر الديني يكون قابلاً للتجديد "بمقدار رغبة الناس في التجديد، وبمقدار توفر الشجاعة والجرأة لدى المثقفين"، ذلك أن استحقاقات التجديد غالباً ما تكون "مؤلمة"؛ إذ إن تجديد الفكر الديني هو "مغامرة العقل في العصر الحديث". والفكر الإسلامي "لا يقوم إلا في ظل الانفتاح الدائم"، حسب البغدادي، ففي عصر النهضة الإسلامي كانت البلاد الإسلامية مفتوحة، فينتقل العالِم أياً كان جنسه أو لونه أو دينه من بلد إلى آخر، ويجد التقدير والود والترحيب، وبذلك يكسب المجتمع علماء جدداً كل يوم.

ويؤكد أن الفكر الإسلامي، الذي يستمد مفاهيمه من الدين، لا يهتم بمسألة الدين في مجال العلم، فالمطلوب من المسلم أن يسعى إلى الحكمة حتى ولو كانت عند غير المسلم، وأن الإنسان هو خليفة الله في الأرض، ولا يمكن أن ينجح في ذلك إلا باستخدام العلم، وهو "السلطان" بالتعبير القرآني.

 الفكر الإسلامي

يقول البغدادي إن "أسوأ ما يمكن أن يحدث للإنسان والدولة هو فقدان الهوية، والمسلمون اليوم يعيشون حالة عدم الاستقرار الفكري بسبب هيمنة الفكر الغربي الشاملة والطاغية من جهة، وحالة الضعف والضياع السائدة في الفكر الإسلامي المعاصر من جهة أخرى"، حسب قوله.

ويوضح أن هذا الموقف قد أدَّى بالمسلمين إلى العيش في الحاضر بشخصيتين، وهو ما يُعرف بحالة "الازدواجية" التي سادت حياتهم وسلوكهم حيال الأفكار والآخرين من الشعوب؛ إذ تتبدَّى ظاهرة القبول بالديمقراطية ممارسةً من خلال الانتخابات والعمل البرلماني، ورفض الديمقراطية فكراً من خلال تكفير الديمقراطية بتصويرها مُنافية لمفهوم "الحاكمية"، وهنا يُصاب أعضاء الحركات الدينية بازدواجية فكرية.

ويتابع بأن الماضي، سواء كان جميلاً أو قبيحاً، فإنه قد أصبح "في ذمة التاريخ"، ويضيف: "ليس بالضرورة أن يكون ذلك الزمن حالة سلبية، بل من الممكن أن يكون إيجابياً إذا دُرس باعتباره تجربة حياة تؤخذ منها العظة والعبرة"، موضحاً أن التخلص من الحنين إلى الماضي أو حالة النوستالجيا الفكرية، هو المخرج الوحيد من المأزق الذي يعيشه العالم الإسلامي اليوم.

ويصف البغدادي المجتمع الإسلامي قديماً بأنه "كان مجتمعاً إنسانياً، ولم يكن دولة إسلامية كما يعتقد البعض"، والمقصود بكونه "مجتمعاً إنسانياً" أنه كان "يتعامل مع حقائق الحياة".

ويشرح أن الفقهاء والنُّسَّاك ورجال العلم والعباد كانوا موجودين في مكة والمدينة، ولكن مع ذلك لم يقوموا بالدعوة إلى ما تدعو إليه الجماعات الدينية، وأن حياتهم كانت طبيعية بكل معنى الكلمة؛ وأن الفقهاء في الدين شرحوا العبادات وأحكام الشريعة، وكتبوا في الحب والمعاشرة الزوجية، واستمعوا إلى الغناء وحضروا حفلات الزواج في العصر الأُموي والعباسي، مضيفاً: "فلا يُعقل أن هؤلاء الفقهاء، على مرِّ العصور، لم يكونوا على علم بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية!".

 التفسير البشري

إن التفسير القرآني، حسب البغدادي، ليس سوى نتيجة الفكر الديني، وهو عملية بشرية لا دخل لها بقدسية النص القرآني، ويضرب هنا مثلاً بمسألة "الاستتابة"؛ إذ قال إنها "من صنع الفقهاء الذين أرادوا أن يكون فقههم شاملاً لا يفلت صغيرة ولا كبيرة"، وذلك للوصول بما أرسوه من أصول ومبادئ إلى غايتها، وتجاهلوا حقيقة أن رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يُكفِّر المنافقين مع علمه بهم، كما أنه لم يُهدر دمهم، ونهى عن تكفيرهم وصلَّى على كبيرهم، عبد الله بن أبيّ بن سلول، واستغفر له وألبسه قميصه، مما يدل على متانة نظرة هذا الدين وواقعيته واحترامه للواقع.

ويوضح البغدادي أننا لو فهمنا الدين الإسلامي على أصوله الحقيقية، وليس من خلال الفكر الديني البشري، فإنه سيغلب كل من يواجهه، وليس من المقبول عقلاً، حسب قوله، أن نخشى على هذا الدين المتمرِّس وعلى ملايين المسلمين من الأفكار التي تُطرح على الساحة أياً كان مصدرها ومحتواها.

ويقول البغدادي إن الحضارة الإسلامية تقف على النقيض من فكرة الجهاد كما وردت في الفكر الإسلامي؛ ففي ظل هذه الحضارة امتزجت الأفكار الدينية والدنيوية، وتفاعلت وتحاورت في ما بينها دون قتال؛ إذ اعتُبر الطرف الآخر نداً وليس عدواً، الأمر الذي أنتج حضارة إنسانية فريدة من نوعها وتنوعها، ويمكن القول إن الجهاد بمعناه القتالي أو الكفاحي "قد توقف في ظل تلك الحضارة"، حسب قوله.

 مدنية الفكرة 

ويشرح البغدادي أن الحضارة الإسلامية التي سادت العالم في القرن الخامس الهجري "مدنية الفكرة والتعامل الإنساني"، ومن ذلك نستنتج استحالة التقاء الجهاد بالسياسة داخل المجتمع الواحد، فالجهاد "دليل على ذهنية العنف"، وهذا ما يفسر عدم الحرج لدى الجماعات الدينية التي تمارس العنف ضد المجتمع.

الجهاد السياسي إذاً، حسب البغدادي، "جهاد داخلي، في المجتمع ذاته، وضد الآخرين الذين يعملون على الساحة السياسية، ويعتنقون مفاهيم سياسية وحضارية متعارضة مع المفاهيم الدينية".

 وختاماً، يوضح البغدادي أن العالم المعاصر يعجّ بعوالم إنسانية متباينة، وفي ظل تقنية الاتصالات الحديثة لم يعد من الممكن ادعاء الجهل بالأطراف الأخرى، وأن الجماعات الدينية لا تملك ما تقدمه على الصعيد الحضاري، ولا يعني ذلك خلو الدين من المفاهيم الحضارية الداعية إلى الحوار مع الآخر، بقدر ما يعني أن الجماعات الدينية "لا ترغب في تبنّي هذه المفاهيم بسبب تأويلاتها الخاصة للنصوص الدينية، وتجاهل النصوص التي تحث على الودّ والمحبة تجاه الآخرين"، منبِّهاً إلى أن الداعي إلى الجهاد السياسي، باعتباره جهاداً سلمياً، لا بد أن يقبل أولاً بالمجتمع المدني، وأن يقبل التعامل مع الآخرين دون اللجوء إلى تكفيرهم.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة