"الارتقاء بالذات الإنسانية".. هذه الفكرة، بكل ما تحمل من معنى، هي العمود الفقري وعصب كتاب "تجديد الفكر الديني في الإسلام"، للمفكر والفيلسوف والشاعر محمد إقبال، الصادرة طبعته الأولى عام 2011.
وهو من أهم الكتب التي تهتم بإيقاظ المسلمين من غفوتهم، وتنبيههم إلى عمق دينهم وعظمة حضارتهم. هذا الارتقاء بالذات، من وجهة نظر إقبال، والعمل على وصلها بالمعرفة الحق، هدف أسمى لهذا المؤلَّف الهام؛ إذ يطرح إقبال الثوابت الإسلامية مقارنة بمتغيرات العصر من فلسفات غربية ونظريات شرقية، ويؤكد على مفهوم "الأمة" ونقد "العصبية القومية"، وينزع بين طيات كتابه إلى نقد الغرب المادي الخالي من الروح، وإظهار عظمة الإسلام الداعي إلى سمو النفس وإعلاء شأن الذات الإنسانية فيه.
المعرفة والدين
يتساءل محمد إقبال في مؤلَّفه عن طبيعة هذا الكون الذي نعيش فيه وبنيته العامة: هل في قوام هذا الكون عنصر دائم؟، كيف ننتمي إلى هذا الكون؟، وأي موقع نحتله فيه؟، وأي نوع من العلوم يتلاءم مع هذا الموقع الذي نشغله؟.
هذه أسئلة مشتركة بين الدين والفلسفة والشعر الرفيع، إلا أن المعرفة التي يستدعيها الخيال الشعري هي معرفة فردية في خصائصها، مجازية غامضة وغير محددة؛ أما الدين في أشكاله الأكثر تقدمًا فإنه، حسب إقبال، "يسمو فوق الشعر، إنه يتجاوز الفرد إلى المجتمع، وفي موقفه من الحقيقة المطلقة هو على النقيض من محدودية الإنسان، يطرح دعوى عريضة بإمكانية الرؤية المباشرة للحقيقة".
ويوضح إقبال أن جوهر الدين هو "الإيمان"، والإيمان "كالطير يعرف طريقه الذي لم يسلكه كائن قبله"؛ ومع هذا لا يمكن إنكار حقيقة أن الإيمان أكثر من مجرد شعور، فبه شيء كالمضمون الإدراكي، وتاريخ الدين يبين لنا أن الفكر عنصر حيوي فيه، وما دام تشكيل حياة الإنسان الداخلية والخارجية وهدايتها هدفًا أساسيًا للدين، فمن الواضح أن الحقائق العامة التي ينطوي عليها الدين "لا يصح أن تبقى متأرجحة غير مستقرة"، فلا أحد يخاطر بالعمل على أساس من مبدأ سلوكي مشكوك فيه.
يقول إقبال، متفلسفًا صوفيًا، إن الدليل الكوني ينظر إلى العالم باعتباره معلولًا متناهيًا، وإن هذا العالم يمر في سلسلة من أحداث متعاقبة، يرتبط بعضها ببعض ارتباط العِلَل بمعلولاتها، حتى تتوقف عند العلة الأولى، التي لا عِلَّة لها.
ويشرح أن طموح الدين يسمو فوق طموح الفلسفة؛ فالفلسفة نظرة عقلية إلى الأشياء، وبهذا الاعتبار لا تعبأ بالذهاب إلى ما هو أبعد من فكرة، يمكن أن تختزل كل ما في التجربة إلى منظومة، وأن الفلسفة ترى الحقيقة على ما تظهر عليه من بعيد، أما الدين فيهدف إلى توثيق صلته بالحقيقة عن قرب، الفلسفة نظرية، أما الدين فتجربة حية، إنها مصاحَبة واتصالٌ حميمي.
مفهوم الألوهية
يحلل إقبال مفهوم الألوهية ومعنى الصلاة فيقول إن لا نهائية الذات العليا تتألّف مما فيها من إمكانات جوّانية لا نهائية، تتمثل في فاعليتها الخلاقة، وما الكون الذي نعرفه سوى تعبير جزئي عن هذه الفاعلية.
ويوضح أن لا نهائية الذات الإلهية لا يجب النظر إليها نظرة كمّية من حيث الامتداد، وإنما يجب النظر إليها نظرة كيفية، من حيث الشدة والقوة، وهي تشتمل على سلسلة غير متناهية، ولكنها ليست هي السلسلة. ويتابع أن العناصر الهامة الأخرى في التصور القرآني للذات الإلهية، من وجهة النظر العقلية البحتة، هي: الخلق والعلم والقدرة الكُلية والأبدية (أي القِدَم والخلود).
أما عن الصلاة، فيقول إقبال عنها، سواء كانت فردية أو جماعية، إنها "تعبيرٌ عن شوق الإنسان لسماع استجابة في سكون هذا العالم"، وهي عملية فريدة للاستكشاف تؤكد فيها الذات الباحثة وجودها في نفس اللحظة التي تنكر فيها هذه الذات، وبهذا تكتشف قدرها ومبرر وجودها، باعتبارها عنصرًا محركًا في حياة الكون.
الحياة والزمن
يقول إقبال إن القرآن الكريم بأسلوبه البسيط والقوي يؤكد شخصية الإنسان وتفرُّده، وإن للقرآن رأيًا محددًا في مصير الإنسان، حسب قوله، باعتباره وحدة من وحدات الحياة، ونتيجة رأي القرآن في الإنسان باعتباره شخصية متفردة فإنه من المستحيل على الفرد أن يتحمل وزر الآخر، بل إنه مسؤول فقط عمّا هو ناتج عن جهده الشخصي.
ويؤكد إقبال ثلاثة أشياء:
- أن الإنسان هو المختار الذي اصطفاه الله..
- وأن الإنسان رغم كل أخطائه أُريدَ له أن يكون خليفة الله في الأرض..
- وأن الإنسان مُستأمَن على شخصية حُرة تقبَّلها وحُمِّل مسؤوليتها...
وعن النبي محمد وشخصيته، يقول إقبال إنه في شخصيته ميزة خاصة به؛ فهو الكائن المتناهي الذي يغوص إلى أعماق حياته الروحية اللا نهائية، إذ يتلقَّى من فَيْض الوحي الإلهي، لا ليبقى هناك متأملًا، وإنما ليطفو مرة أخرى إلى أعلى بقوة دافعة جديدة، فيحطم القديم ويكشف عن توجهات جديدة للحياة.
ويشرح وجود فكرتين أساسيتين تتعلقان بطبيعة الحياة والزمن، تُشكلان معا الأساس الذي تقوم عليه تعاليم القرآن:
- الفكرة الأولى، هي وحدة الأصل البشري، النفس الواحدة؛ ولكن إدراك الحياة باعتبارها وحدة عضوية هو إنجاز بطيء، وقد سنحت هذه الفرصة للإسلام عن طريق النمو السريع لإمبراطورية إسلامية عظيمة الاتساع.
- الفكرة الثانية، هي الإدراك العميق لحقيقة الزمن، وتصور الحياة باعتبارها حركة مستمرة في الزمان؛ وإذا أخذنا في موضع الاعتبار الاتجاه الذي تكشفت عنه الثقافة الإسلامية، حسب إقبال، فإن المسلم وحده هو الذي كان يمكنه النظر إلى التاريخ حركةً جماعيةً متواصلة، وتطورًا حتميًا حقيقيًا في الزمان.
الحياة الدينية
يقول إقبال إن الإسلام، باعتباره حركة ثقافية، يرفض النظرة الاستاتيكية القديمة للكون، ويتبنَّى نظرة ديناميكية، يتسم فيها الكون بالحركة والتغير.
ويؤكد إقبال في كتابه على إمكانية تقسيم الحياة الدينية إلى ثلاث مراحل:
مرحلة الإيمان، ومرحلة الفكر، ومرحلة الكشف، مبينًا أن "مرحلة الإيمان" هي شكل من أشكال النظام الذي ينبغي على الفرد والأمة بأكملها أن تقبله أمرًا غير مشروط، ودون التكلف بإعمال العقل في فهم معنى هذا الأمر أو غايته القصوى.
وفي المرحلة الثانية، نجد أن الخضوع الكامل لنظام ما يتبعه تفهم عقلاني لهذا النظام وللمصدر الأعلى لمرجعيته، ففي هذه المرحلة تبحث الحياة الدينية عن أسسها، بنظرة متسقة منطقيًا في رؤيتها للكون مع الله سبحانه وتعالى جزءًا من هذه النظرة.
أما في المرحلة الثالثة، فيحل علم النفس محل الميتافيزيقا، وتنمي الحياة الدينية في الإنسان طموحه إلى الاتصال المباشر بالحقيقة المطلقة، وهنا يصبح الدين مسألة قوامها التمثل الشخصي للحياة والقوة، ويكتسب الفرد شخصية حرة، لا بالتحلل من قيود الشريعة، ولكن باكتشاف المصدر المطلق لهذه الشريعة في أعماق وعيه.
وختامًا، يوضح إقبال أن الإسلام نظام وجداني لتوحيد البشرية، لذا فهو يرفع قيمة الإنسان الفرد من حيث هو فرد، ويرفض قرابة الدم أساسًا لوحدة البشرية، فقرابة الدم مادية وجذورها في الأرض، ولا يمكن البحث عن أساس لوحدة البشرية إلا بإدراك أن الحياة الإنسانية روحانية في أصلها ونشأتها، ومثل هذا الإدراك يخلق انتماءات جديدة بلا شعائر تحافظ على بقائها، كما أنه يجعل في إمكان الإنسان أن يحرر نفسه من مادية الأرض.
ويعتبر أن الإسلام بطبيعته "غير إقليمي"، وهدفه إقامة نموذج للوحدة النهائية للبشرية باجتذاب معتنقيه من الأجناس المختلفة، ثم تحويل هذا الجمع إلى أمة واحدة لها وعي ذاتي بكيانها الخاص، وخلق ما يشبه إرادة جماعية وضميرًا عامًا في هذه الكتل البشرية غير المتجانسة.