تاريخية النص:

التبعية المنهجية في الأطروحات الحداثية

مركز حوار الثقافات

15-09-2025

يهدف الكاتب الجزائري مرزوق العمري، أستاذ الفلسفة بجامعة باتنة الجزائرية، من كتابه "إشكالية تاريخية النص الديني في الخطاب الحداثي العربي المعاصر"، إلى دراسة قضية تاريخية النص الديني وأثرها في الوعي الثقافي الإسلامي، وما يترتب عليها؛ ويعرض لانتقال مفهوم التاريخية من الفلسفة الغربية الحديثة إلى العالم العربي، وتعامل بعض المفكرين العرب مع مفهوم تاريخية النصوص الدينية، ويقدم قراءة بديلة تسعى للتوفيق بين ثوابت النص وقدسيته والانفتاح على العلوم والمناهج الإنسانية الحديثة. 

مفهوم التاريخية

يوضح العمري أن التاريخية مفهوم المقصود منه النظر إلى النصوص الدينية باعتبارها وليدة ظروف اجتماعية وتاريخية محددة؛ وبالتالي، فهي مرتبطة بسياقها الزمني وليست مطلقة الصلاحية أو الدلالة، وهو طرح رغم أنه يمثل العمود الفقري للخطاب الحداثي العربي، منذ سبعينيات القرن الماضي، فإنه يرفضه إجمالاً، ويخضع أطروحات فكرية عربية مرتبطة بتاريخية النصوص الدينية لنقد منهجي، يهدف من خلاله توضيح حقيقة هذه الأطروحات الفكرية ومآلاتها وحدودها وأهدافها، وبالتالي تأثيرها على الوعي والثقافة الإسلامية.

يذهب الكاتب إلى أن مفهوم التاريخية نشأ في الفلسفة الأوروبية الحديثة، وارتبط بفكرة مفادها أن الفكر والدين والأخلاق نتاج تطور تاريخي نسبي وليست حقائق ثابتة، وانتقل المفهوم إلى الدراسات الدينية في أوروبا "التوراتية والإنجيلية"؛ إذ أُخضعت النصوص الدينية المقدسة لقراءة نقدية تاريخية، وانتشرت التاريخية في العالم الغربي مع عدد من الفلاسفة الأوروبيين، مثل: هيجل (1770 - 1831م)، وكارل ماركس (1818 - 1883م)، ولودفيج وفيورباخ (1804 - 1872)، وفيلهلم دلتاي (1833 - 1911م)، ثم استلهم بعض المفكرين العرب مفهوم التاريخية ليطبقوه على النصوص الدينية الإسلامية.

يرى العمري أن الفكر العربي المعاصر تأثر بمفهوم التاريخية بعد أن انتقل إليه، ولذلك أسباب منها: الصدمة الحضارية، التي تعرض لها العالم العربي بسبب احتكاكه مع العالم الغربي. ومنها، أيضاً: ترجمة العلوم والمناهج الحديثة، ومنها علوم اللسانيات والأنثروبولوجيا أو علم الإنسان والنقد التاريخي.

يقول المؤلف إن العديد من المفكرين العرب تأثروا بمفهوم التاريخية، ومنهم المفكر الجزائري محمد أركون (1928 - 2010م)، الذي دعا إلى نقد العقل الإسلامي باستخدام الأنثروبولوجيا التاريخية؛ والمفكر المصري نصر حامد أبو زيد (1943 - 2010م)، الذي تعامل مع النصوص الدينية على أنها نصوص لغوية أنتجتها بيئتها التاريخية؛ والمفكر المغربي محمد عابد الجابري (1935 - 2010م)، الذي ركز في أطروحته الفكرية على العقل العربي وتكوينه التاريخي؛ والمفكر المصري حسن حنفي (1935 - 2021م)، الذي سعى إلى إعادة قراءة التراث الإسلامي والعربي من منظور "الإنسان المحوري" لا من منظور "النص المحوري".

تصورات فكرية

ويعرض العمري باستفاضة لتصورات أركون وموقفه من التاريخية، فيوضح أنه تعامل مع النص الديني على أنه نص ثقافي يخضع للبحث الأنثروبولوجي التاريخي والنقد الفيلولوجي (دراسات اللغة التاريخية). والنص الديني بالنسبة لأركون وليد بيئته، ويجب تحريره من "القداسة المغلقة". ويأخذ العمري على أركون أنه "أسقط المناهج الغربية على النص على دون مراعاة خصوصيته"، ووصف فكره بأنه يقود إلى العلمنة الشاملة للخطاب القرآني. 

بينما يرى أن نصر حامد أبو زيد، تعامل مع النص المقدس على أنه نص لغوي بشري في التعبير، مرتبط بلغة وسياق الماضي، وأنه نص تاريخي في دلالاته، واستخدم في ذلك مناهج اللسانيات والسيميائيات (دراسة الرموز والعلامات)، وتحليل الخطاب والهرمنيوطيقيا (علم التأويل)، فتعامل مع المعنى على أنه يتغير بتغير القراءة والزمان؛ ومن ثم، يوجه له الكاتب نقداً، إذ يرى أن أطروحته الفكرية تفقد النص الديني صفته المتعالية، وتحوله إلى نص أدبي خاضع للتأويل اللانهائي.

ويذهب الكاتب إلى أن الجابري يختزل النص الديني في ظاهرة عقلية ثقافية، ويجعل من العقل التاريخي حكماً على النص، ويُركز على "العقل العربي" كبنية تاريخية أثرت في فهم النصوص، والنص الديني يجب أن يُقرأ من منظور عقلاني تاريخي، ويعتمد في ذلك على التحليل البنيوي التاريخي والإبتسمولوجي المعرفي والنقد الداخلي للعقل، ويؤكد أن النص الديني يتفاعل مع بنية العقل العربي لذلك لا بد من قراءته تاريخياً. 

ويرى الكاتب أن أطروحة حنفي الفكرية "تذيب النص في التجربة الإنسانية، وتُلغي قدسيته وخصوصيته"، لأنه ينادي بـ"الإنسان المحوري" بدل "النص المحوري"؛ أي إن الإنسان هو مركز الدلالة، والنص ليس إلا تعبير تاريخي عن حاجاته، ويصف النص بأنه "مُنتج بشري اجتماعي بالدرجة الأولى يجب إعادة قراءاته".

تبعية منهجية

يتناول العمري مقولات المفكرين العرب الحداثيين عن التاريخية وتعاملها مع النص الديني، ويذهب إلى أنهم اتفقوا على أفكار، منها أن النص وليد عصره لا يمكن فصله عن الشروط الاجتماعية التي أنتجته، وأن النص له دلالة متحولة المعنى تستخلص من قراءة النص وسياقه وليس من النص ذاته؛ وأنهم مارسوا قطيعة مع التفسيرات التقليدية لأنها "قراءات سلطوية مشروطة". ويوضح أن هذه الأفكار تؤدي إلى "فقدان قدسية النص الديني المطلقة، وتحوله إلى مادة معرفية ثقافية قابلة للتفكيك وإعادة البناء"، حسب قوله.

ويعترض على هذه الأفكار لأنها تلغي عمومية ودوام النص الديني، فالقول بتاريخية النص الديني تجعل منه خطاباً ماضوياً، وتحتوي على تناقض منهجي؛ إذ الحداثيون التاريخيون يرفضون سلطة النص باسم العقل، لكنهم يقعون في سلطة مناهج غربية أقل صرامة، ويقعون في فخ "الإسقاط غير المنضبط"، فأدوات النقد التي استخدمها الغرب في النقد الديني هناك، والفيلولوجيا الغربية لا تتلاءم مع النصوص الدينية التي لها طبيعة مختلفة عن النصوص الدينية في الغرب، كما أنها تؤدي إلى تجاهل وإقصاء الجانب الغيبي للنصوص الدينية، لأنها تختزل النص إلى ظاهرة اجتماعية.

ويسعى الكاتب إلى تقديم قراءة بديلة للقراءة التاريخية، فلا يرفض الأدوات والمناهج الحداثية، ويدعو إلى تجديد المنهج الإسلامي في التعامل مع النصوص الدينية، عبر استخدام علوم اللسانيات والهرمنيوطيقيا (التأويل)، دون إلغاء قداسة النص الديني، مع ضرورة الانفتاح على المقاصد وفقه الواقع واعتبارها آليات لفهم النصوص الدينية وفق السياق المعاصر، مع أهمية التمييز بين الثابت والمتغير في النصوص الدينية بدل تعميم التاريخية على جميع النصوص الدينية.

تهديد الهوية

يحاول العمري توضيح نقاط هامة خاصة بالتعامل التاريخي مع النصوص الدينية، منها أن النص القرآني ليس نصاً بشرياً، بل هو وحي يتجاوز التاريخ وإن نزل في سياق تاريخي محدد ومعين. ويرى أن التاريخية الحداثية تهدد الهوية الإسلامية، لأنها تنزع عن النص الديني، خصوصاً القرآن الكريم، صفة الإطلاق وتحوّله إلى وثيقة تاريخية. ورغم ذلك يؤكد على أن التجديد الديني أمر هام ومطلوب يحدث من داخل العقلية الإسلامية، وبأدوات متوازنة تراعي الخصوصية الإسلامية ولا تستنسخ أدوات ومناهج غربية لا تراعي الخصوصية الإسلامية، وينتقد وقوع بعض المفكرين الحداثيين العرب، في "فخ التبعية المنهجية للفكر الغربي" دون أن يحاولوا إنتاج أدوات نقدية أصيلة نابعة من العقلية والثقافة الإسلامية.

وختاماً، يسعى المفكر الجزائري مرزوق العمري، في كتابه "إشكالية تاريخية النص الديني في الخطاب الحداثي العربي المعاصر"، إلى دراسة ونقد أطروحات فكرية عربية تعتنق مفهوم تاريخية النص الديني، ويطالب بالموازنة بين قدسية النص والانفتاح على الأدوات والمنهجيات الحديثة الغربية؛ ويؤكد تمايز النص القرآني واختلافه عن النصوص الدينية، لأنه نصٌّ خالد يتجاوز زمان نزوله، ولا يجوز إخضاعه لأدوات النقد التاريخية المستوردة؛ وفي المقابل، يطالب بتجديد أدوات الفهم من داخل المنظومة الفكرية والثقافية والعقلية الإسلامية، لضمان التواصل بين النص ومتطلبات العصر.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة