بسام طيبي:

أطروحة الإسلام المدني ومواجهة التطرف

مركز حوار الثقافات

14-10-2025

يُعيد المفكر الألماني السوري بسام طيبي (1944م)، صياغة الإسلام بشكل حداثي، ويميز عبر مشروعه الفكري بين الإسلاموية كأيديولوجية تستخدم الشريعة لأهداف سياسية، وبين الإسلام كدين حضاري يتوافق مع قيم الحداثة كالعدل والحرية والمساواة والمواطنة.

طيبي، الحاصل على الدكتوراه من جامعة غوته فرانكفورت، عن رسالته "القومية في العالم الثالث على المثال العربي"، وعمل أستاذاً للعلاقات الدولية بجامعة غوتنغن الألمانية، وعديد من الجامعات العالمية الأخرى، مثل هارفارد الأمريكية، كان من أوائل من دشنوا مفهوم "الإسلام الأوروبي" في تسعينيات القرن الماضي، ونادى بالإسلام المدني القادر على المشاركة والتفاعل مع قيم الحداثة والحضارة. 

وقد وضع طيبي مشروعه الفكري في عديد من أعماله الفكرية التي كتبها بالألمانية والإنجليزية، وبعضها باللغة العربية، مثل: "الأصولية والتحدي الجديد"، و"الإسلام بين الثقافة والسياسة"، و"الإسلام السياسي، السياسة العالمية وأوروبا"، و"القومية العربية بين الإسلام والدولة والأمة"، و"حرب الحضارات: السياسة والدين بين العقلانية والأصولية"، و"الإسلاموية والإسلام".. وغيرها.

نقد الإسلاموية

يجمع طيبي في مشروعه الفكري بين التكوين الأكاديمي الغربي والتجربة الثقافية الإسلامية؛ متأثراً بالفكر النقدي والفلسفة العلمانية، إضافة إلى إيمانه بقيم التنوير والعقلانية، إلى جانب إلمامه العميق بالتراث الإسلامي. لذلك يسعى دائماً إلى إحداث حوار بين قيم التنوير والعقلانية الغربية وبين التراث الإسلامي، ويقدم في ذلك نقداً مزدوجاً، فيرفض وينتقد جوانب التخلف والجمود والتقليد في التراث والمجتمعات الإسلامية، من جهة؛ ومن جهة أخرى، ينتقد مظاهر التعصب والعنصرية والاستعلاء في المجتمعات الغربية، كما يرفض التيارات الأصولية والحركات المتشددة التي ينتقدها ويرفضها بشكل دائم، ويدافع عن مفهوم الإسلام المدني في مواجهة الأصولية، ويرى إمكانية التوفيق بين الإيمان الإسلامي والقيم المدنية الحديثة.

ويلتزم طيبي المنهج التاريخي والتتبّع الجذري للأفكار وأصولها التاريخية والمعرفية، ويعتمد أسلوب النقد الداخلي، أي نقد الفكر الديني الإسلامي ومساراته من داخل الحضارة الإسلامية نفسها، حتى يمكن إصلاحها من الداخل بالتنوير والعقلانية، ثم بناء جسور معرفية مع الفكر الغربي.

وينتقد طيبي "الإسلاموية"، ويصفها بالأيديولوجيا السياسية المتطرفة، ويهاجم تمثلات الإسلاموية الحركية، كتيارات الإسلام السياسي، التي يرى أنها اختطفت الدين وحوّلته إلى "أداة أيديولوجية ضد قيم الحداثة"؛ ويميز بين الإسلام كدين حضاري، يمكن أن يكون مدنياً ومنفتحاً؛ وبين "الإسلاموية"، كأيديولوجيا ترفض المدنية والانفتاح والحداثة الديمقراطية. 

ويدعو إلى إصلاح الفكر الإسلامي المُعاصر حتى يتصالح مع القيم الحداثية والتعددية وحقوق الإنسان، ويرفض المفاهيم الإسلامية التقليدية المتناقضة مع روح العصر، مثل عدم التسامح مع حرية المعتقد، أو رفض المساواة بين المسلمين وغير المسلمين. ويشير إلى أنه تاريخياً لم يعرف التراث الإسلامي مفهوم المواطنة المتساوية بالمعنى الحديث، إذ اقتصر "التسامح التراثي" على السماح لأهل الكتاب بالعيش تحت كنف الدولة الإسلامية دون مساواتهم بالمسلمين، حسب قوله.

الإسلام الأوروبي

يُطالب طيبي بإعادة قراءة وتفسير الشريعة لمواجهة المفاهيم التقليدية السابقة، ويُعد من أوائل المفكرين الذين طرحوا مصطلح "الإسلام الأوروبي" في أوائل تسعينيات القرن الماضي، ويقصد به: تشكيل نموذج إسلامي مختلف عن الممارسات الإسلامية التقليدية السائدة في العالم العربي والإسلامي، حتى يمكن للمسلمين في أوروبا أن يعيشوا دينهم بطريقة متصالحة مع قيم الحداثة ومبادئ المجتمع الأوروبي، التي يطلق عليها مصطلح "الثقافة القائدة"، أو الثقافة السائدة والموجهة للمجتمعات، وتحديداً "القيم التي تشكل أوروبا الحديثة، مثل التنوير والعقلانية والتعددية، وحقوق الإنسان والعلمانية والدستور المدني". 

ويدعو طيبي المسلمين إلى احترام هذه القيم الحداثية، كشرط للاندماج في المجتمعات الأوروبية؛ وفي المقابل، يطالب المجتمعات الأوروبية بنبذ العنصرية، و"الغطرسة الأوروبية"، والتخلي عن الرهاب والخوف من الآخر، إذا أرادوا حقاً إدماج المسلمين في نسيج مجتمعاتهم، وفقاً له.

الإسلام المدني

يدعو طيبي إلى "الإسلام المدني"، الذي يوضحه بأنه "فهم ديني غير سياسي للإسلام"، يفصل بواسطته الإيمان "كدين وثقافة"، عن الأيديولوجيا الإسلاموية التي "تُسيس الشريعة سعياً للسلطة"؛ فالإسلام "دين حضارة"، والإسلاموية "أيديولوجيا سياسية تُخترع فيها الشريعة". ووفق مفهوم "الإسلام المدني"، فإن المسلمين يمكنهم ممارسة دينهم وشعائرهم والاندماج، في الوقت نفسه، في دولة مدنية حديثة تحكمها المواطنة والحقوق المتساوية، دون تحويل الدين إلى مشروع حكم أو أسلمة الدولة. 

كما يربط بين "الإسلام المدني" كمفهوم، وبين مفهوم "الإسلام الأوروبي"، ويؤكد إمكانية تحقيق مفهوم الإسلامي المدني في الواقع وتطبيقه عبر خطوات، تتمثل في: إصلاح الخطاب الديني، وتجديد القراءات الفقهية حتى تقر وتؤكد حرية الضمير في إطار المواطنة الكاملة، وإصلاح التعليم عبر اعتماد تعليم مدني يُرسخ لقيم التنوير وحقوق الإنسان، التي يرى أنها قيم إسلامية أصيلة من داخل الإسلام نفسه.

وحتى يمكن تحقيق الإسلام المدني يضع إطاراً له، يتمثل في: فصل الديني عن سلطة الدولة بما يضمن حماية القانون، وحرية المعتقد والمساواة بين المواطنين، ويؤكد منطق المواطنة والحقوق، ورفض الهويات المنفصلة، والاعتماد على قواعد مشتركة تساعد على التعايش بما يحفظ التنوع، بشرط التزام الجميع بعقد مدني واحد. ويشدد على أن الإسلام المدني مفهوم قادر على القضاء على "الجيتوهات الثقافية"، التي يعيش بداخلها المسلمون في أوروبا، ليخرجهم منها ليصبحوا مواطنين كاملي الحقوق والواجبات.

النموذج القومي

يتناول طيبي مفهوم القومية العربية بالدراسة، ويذهب إلى أن الفكر القومي العربي لم يكُن نتاج تطور ذاتي من داخل المجتمعات العربية الخاضعة للحكم العُثماني، آنذاك، بل جاء وافداً من أوروبا إلى العالم العربي. فالفكر القومي ظهر في أوروبا عقب الثورة الفرنسية، 1789م، فنشأ نموذج القومية الفرنسية الليبرالية القائم على مبادئ الحرية الفردية والعقلانية والمواطنة وحقوق الإنسان، وهي مبادئ انتشرت مع المد النابليوني؛ ونتج عنها ردود فعل محلية في أوروبا، مثل ظهور القومية الألمانية الرومانسية، التي ركزت على إعلاء قيمة الثقافة والشعب والأرض الموروثة والولاء، واعتبار ذلك رابطة عضوية مقدسة. 

وهو الفكر الذي انتقل إلى المشرق العربي مع نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وتأثر به رواد الفكر القومي العربي، مثل ساطع الحصري (1879-1968م)، إذ استلهم أفكار وهان غوتليب فيخته (1762-1814م)، ووهان غوتفريد هيردر (1744-1803م)، عن اللغة والثقافة كمقومات للأمة. 

كما يرى طيبي أن الفكر القومي العربي، بشكل عام، مر بمرحلتين أساسيتين:

- المرحلة الأولى: بدأت بالحملة الفرنسية، وامتدت حتى نهاية الحكم العثماني والانتداب الأوروبي، وتميزت بالتأثر بالنموذج القومي الفرنسي الليبرالي.

- المرحلة الثانية: من نهاية الحرب العالمية الأولى وطوال القرن العشرين، وشهدت قيام الدول العربية المستقلة، وتأثر الفكر العربي القومي بالنموذج الألماني الرومانسي، وحمل قيم الوحدة والهوية المشتركة واللغة الواحدة.

يقول الطيبي، إن التيارات الإسلاموية رفضت فكرة الدولة الوطنية والقومية، وانتقدتها بحجة الولاء للأمة الإسلامية دون الدولة القُطرية، واستغلوا ذلك في الدعوة إلى مشروعهم السياسي وإضعاف الدولة الوطنية العربية.

وختاماً، يشدد المفكر الألماني السوري بسام طيبي على أهمية الإسلام المدني كبديل عن الاتجاهات الأصولية والتقليدية الإسلامية السائدة، ويسعى إلى ربط المسلمين في العالم الغربي بدولهم، عبر مفهوم الإسلام الأوروبي والموازنة بين الهوية الدينية والقيم المدنية؛ مؤكداً على أهمية تحديث العلاقة بين الإسلام والحداثة. كما يكشف عن الجذور الفكرية للقومية العربية الممتدة من رافدين في الحضارة الأوروبية، هما: النموذج الفرنسي الليبرالي، والنموذج الألماني الرومانسي، ويوضح أن هجوم التيارات الأصولية على القومية العربية سببه إضعاف الدولة الوطنية العربية وتحقيق مشروعها السياسي.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة