الهوية والحرية:

أتونوميا الحواس وعدالة "ما بعد الهوية"

مركز حوار الثقافات

03-08-2025

يقدم المفكر والفيلسوف التونسي فتحي المسكيني، في كتابه "الهوية والحرية: نحو أنوار جديدة"، نقداً عميقاً لمفهوم الهوية في معناه التقليدي، وللحداثة ومفاهيمها المتمركزة على العقلانية المطلقة؛ إذ يدعو إلى أهمية تحرير الإنسان من عبودية "الانتماءات الجاهزة"، ويرفض النظر إلى الهوية على أنها مفهوم ثابت موروث، فيدعو إلى الهوية كمفهوم متغير وتجربة مستمرة، ما يضع الهوية في دائرة الفاعلية الإنسانية والاكتساب المنفتح على الآخرين.

ويقترح "أنواراً حداثية جديدة" تتجاوز مركزية العقلانية المطلقة في الحداثة التقليدية، وتراعي الحواس والجسد والمشترك الإنساني، لا سيما وأن الحداثة الغربية التقليدية جعلت من مفاهيمها أداة إقصاء وهيمنة على الآخر، فيطالب بما يسميه "عدالة ما بعد الهوية"، التي تحترم كرامة الآخر ورموزه. 

تفكيك الهوية

ينادي المسكيني بتفكيك مفهوم "الهوية"، لأنها أصبحت قالباً مُغلقاً يُفرض على الإنسان بالوراثة أو بـ"العنف الرمزي"، وهو ما ينافي الحرية والفردية؛ لذا يطالب المسكيني بتحرير الإنسان من "عبودية الانتماءات الجاهزة"، وكما فُرضت الهوية على الإنسان العربي، فإن الحداثة لم تُعرف بالنسبة إليه من الداخل، بل عرفها الإنسان العربي عبر مواجهة قاسية مع العالم الغربي بسبب صدمة الاستعمار الحضارية، فظل العالم العربي متردداً بين التقليد المقدس للماضي، وبين محاولات اللحاق بالعالم الحديث والسير في ركبه.

ويشدد الكاتب على أهمية تجاوز الحداثة الغربية التقليدية، لمركزيتها العقلانية التي لم تتناسب مع "الأنوار الجديدة" التي تُراعي -إلى جانب العقل- الجوانب الإنسانية الأخرى، مثل الحواس والجسد، والتكوين النفسي للإنسان، أو ما وصفه بـ"الهشاشة البشرية".

مشروع حديث

يتخذ المسكيني العالم المسلم عبد الرحمن بن خلدون (1332-1406م)، نموذجاً للعالم المسلم الذي تحرر من "الانتماءات الجاهزة"، فقدم مشروعاً فكرياً لم يخضع فيه للمنظومة المغلقة التي تتكون من الدين والدولة والهوية آنذاك، فسعى إلى فهم الواقع العربي الإسلامي فهماً واقعياً فلسفياً عقلياً، ما يُمثل أول تجاوز لـ"الفكر اللاهوتي" في العالم الإسلامي؛ فدشن مشروعاً اجتماعياً تاريخياً قدم فيه فهماً اجتماعياً للعالم الإسلامي والعربي ومجتمعاته آنذاك، حرص فيه على تقديم رؤية مستقبلية، ما جعل مشروعه الفكري مشروعاً عقلياً حديثاً بالنسبة إلى عصره آنذاك.

ووفقاً للمسكيني فإن ابن خلدون تجاوز النظر إلى الدولة على أنها مقدسة، ورأى في نظام الخلافة نظاماً بشرياً غير مقدس، من الممكن أن يتحول ويتغير إلى نظام آخر.

أتونوميا الحواس

يرى المسكيني أن مفهوم "أتونوميا الحواس"، ويعنى استقلال الحواس وتحررها عن سلطة العقل، أسهم في فتح أفق جديد للحداثة، وأتاح للحداثة وجود مشتركات أخرى، في ما وصفه بـ"حداثة الحواس" المتمثلة في تحرر الذوق والحواس من السلطة المطلقة للحقائق.

وينتقل الكاتب إلى الفيلسوف الألماني هيجل (1770-1831م)، الذي أعاد بناء فكرة العقل في الحداثة؛ حيث نظر إليه ليس على أساس أنه جوهر ثابت، بل على أساس أن العقل يعيش داخل الزمان وليس متجاوزاً له، وظيفته ليس تبرير الأفكار، بل خلقها داخل الزمن، لا سيما أنه يرى أن كل "فلسفة تنويرية تنتهي إلى سرد عقلاني"، كما يوضح أن هيجل ربط الهوية في المشروع الحداثي بالآخر المتمثل في الشعوب غير الأوروبية، وهي علاقة بالنسبة له مهمة في وجود المشروع الحداثي الغربي رغم عدم اعترافه بها.

وينتقد المسكيني الحداثة الغربية التي صاغت مفاهيم كونية واعتبرتها سلطة معيارية، فتحولت إلى أداة للإقصاء لتبرير التفوق على الآخرين، ويطرح رؤية بديلة لكونية المفاهيم الحداثية الغربية، ويرى أنها لا يجب أن تُبنى على القوة والنموذج الواحد المسيطر، بل يجب أن تؤسس على التفاهم في المشترك الإنساني، أو ما وصفه بـ"الهشاشة المشتركة" للبشر، تلك المتمثلة في التفاهم الاخلاقي والمعرفي والسياسي، ويرفض ادعاء الحداثة الغربية بامتلاك الحقيقة النهائية، أو ما وصفه بـ"المفهوم الكلي للحداثة"، ما يفرض الهيمنة ويؤدي إلى الإقصاء، حسب قوله.

أوهام العقلانية

وفي انتقاده للحداثة الغربية، يستعين المسكيني بالفيلسوف الألماني نيتشه (1844-1900م)، الذي سعى إلى التحرر من أوهام العقلانية الغربية والمعنى الثابت، ورفض الخضوع والامتثال النقدي، وبشر بـ"الإنسان الأعلى" القادر على النقد وإعادة تقييم القيم، ما أسهم في تحقيق الأنوار الجديدة للحداثة التي لا تقف ضد العقل، بل تواجه أيديولوجيا العقل، حسب قوله.

ويرى الكاتب أن العالم المعاصر لديه سوء فهم عميق لمعنى الحرية وحدودها، فالعدالة كمفهوم لم تعد مرجعية كونية مشتركة، بل أصبحت رهينة الانتماءات الثقافية والقيم؛ فالعالم الغربي فهم الحرية على أساس أنها تحرر من كل قيد بما في ذلك القيود الأخلاقية والدينية، لكنه فهم غير صالح لأنه يتجاهل كرامة الآخر ورمزيته. ومن ثَم، يدعو إلى مفهوم العدالة الرمزية التي تضع في اعتبارها كرامة الآخر ورموزه الدينية والثقافية قيد الاعتبار، ويطالب بما وصفه بـ"عدالة ما بعد الهوية" التي تنطلق من احترام الإنسان واحترام اختلاف رموزه وقيمه، ويؤسس لميثاق جديد للحرية مبنيّ على حق الآخر في الكرامة قبل الحق المطلق في التعبير، حسب قوله.

يدعو المسكيني إلى تجاوز مفهوم الحداثة التقليدية المستندة إلى "العقلانية التقليدية والعلمنة العنيفة"، لأنها لم تعد قادرة على الاستجابة لمطالب الإنسان المعاصر، ما يلزم تقديم "أنوار جديدة"، تراعي هويات الإنسان المختلفة، ويوضح الحاجة إلى ظهور "فلاسفة جدد" قادرين على إعادة تأويل العالم المعاصر وطرح أسئلة جديدة تتجاوز عقلانية الحداثة التقليدية، لا سيما أن الفيلسوف التقليدي، الذي لا يستند إلى مبادئ ما قبل العصر الرقمي وما بعد الحداثة، لم يعد كافياً للإجابة عن الأسئلة الإنسانية الجديدة.

يُقدم الكاتب طرحاً فريداً لمفهوم الهوية؛ إذ يرفض النظر إليها على أنها جوهر ثابت، ويرى أنها "تجربة مستمرة تؤسَّس على النسيان المبدع وليس فقط على استحضار الماضي"، فالمفهوم الحديث للهوية لا يرى أنها جوهر ثابت، بل يرى إمكانية التغير بسبب النسيان المبدع الذي يعرفه بأنه نسيان يحرر الهوية من "فخ الأصول"، ورهانات "الطهارة والنقاء التاريخي"، ما يجعل الهوية فعلاً اختيارياً يمكن للإنسان عبره أن يعيش تجارب انتمائه بوعيه الناقد، فيتحول "الانتماء الهوياتي" إلى مسؤولية وليس جبراً حتمياً على الإنسان، ويدعو إلى ممارسة "النسيان المبدع الإيجابي"، الذي يُمكن الإنسان من التحرر من التاريخ دون التبرؤ منه، ما يحول الهوية من كونها مفهوماً موروثاً إلى كونها "هوية مكتسبة قابلة للانفتاح على الآخرين دون قطيعة مع الذات"، حسب قوله.

وختاماً، يجتهد المفكر والفيلسوف التونسي فتحي المسكيني في إعادة ترتيب العلاقة بين الهوية وبين الحياة الإنسانية، لا سيما وأن التفكير في الهوية لم يعد كما كان باعتبارها هوية ثابتة موروثة، بل تحولت إلى هوية حيوية وكينونة متغيرة وفق الظروف الحياتية المتدفقة في الزمن، لا سيما أن مفهوم الهوية التقليدي أصبح عبئاً على الإنسان المعاصر، الأمر الذي يجب تفكيكه والانطلاق نحو نمط جديد هو "ما بعد الهوية"، ويدشن لتجاوز الحداثة التقليدية ويصل بالإنسان المعاصر إلى الأنوار الجديدة، التي تؤدي إلى حداثة مبدعة تتجاوز المفاهيم الحداثية التقليدية ومركزيتها، وتراعي الجانب الإنساني الوجودي. 

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة