في كتابه "النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهايات القرن العشرين"، يحاول المفكر الفلسطيني الراحل هشام شرابي (1927-2005م)، مواجهة الهيمنة الأبوية على المجالات الفكرية واللغوية والاجتماعية والمعرفية في المجتمعات العربية، وذلك عبر تفعيل النقد الحضاري لما آل إليه الحال في العالم العربي.
يشدد شرابي على أهمية تحقيق المشروع الحداثي عبر تفعيل الخطاب العلماني، الذي من سماته النقد العقلي وتفنيد العقلية العربية والأخذ بالاختلاف والتعدد الفكري، ما يُحقق نقداً حضارياً يستعيد العقلانية الهادفة ويزيد التفاعل الفكري الحر، حتى يُمكن خلق وعي ذاتي بين جميع فئات المجتمع دون استثناء.
النقد الحضاري
يجتهد شرابي في النظر إلى الواقع الحضاري للمجتمعات العربية، مستخدماً أدواته النقدية العقلية ليمارس "النقد الحضاري" على العالم العربي، لا سيما في البُعدين الاجتماعي والتاريخي، ما يمكنه من معالجة ما وصفها بـ"القضايا الكامنة وراء الأزمة الاجتماعية والفكرية والسياسية التي يعانيها المجتمع العربي اليوم"، لا سيما وأن التاريخ يحقق نفسه من خلال الشعوب والجماهير، حسب قوله.
يرى الكاتب أن العالم العربي عانى في الفترة الأخيرة مما وصفه بـ"عقم الأيديولوجيات المتحجرة"، التي عجزت عن إحداث أي تغيير مطلوب في المجتمعات العربية، وأدت إلى "الهروب نحو الماضي" للتخلص من الحاضر، واللجوء إلى ما وصفه بـ"الغيبيات الدينية"، للتحرر من الوضع الراهن ومشكلاته؛ بما أدى إلى حدوث استهزاء بالفكر أدى إلى انحراف، أبعد المجتمعات العربية عن التفكير، فسُجنت في "الوعي المباشر" دون أي مقدرة على النقد أو التوصل إلى "وعي ذاتي" قادر على مواجهة التحديات التي تواجه المجتمعات، على أن يكون "النقد الحضاري" مطبقاً على ثلاث ظواهر اجتماعية، هي: "الحداثة، وقضية المرأة، والقوى أو الحركات الاجتماعية"، حسب قوله.
الهيمنة الأبوية
يرفض المؤلف السلطة الأبوية المنتشرة في البنية المجتمعية، التي تتمثل في النموذج الأبوي المُسيطر على العلاقات المجتمعية وحضارة المجتمع وثقافته بشكل كُلي، وهي سلطة "ظاهرة وخفية" في آنٍ، تحكم العلاقات المباشرة وغير المباشرة في المجتمعات العربية، وتخضع لها الذات الفردية في المجتمعات العربية؛ الأمر الذي يتطلب عملية انتقال من النظام الأبوي وسلطته السائدة في العالم العربي، إلى نظام الحداثة وتطبيقها في مجالات الفكر والاقتصاد والثقافة والمجتمع ككل، حسب قوله.
ينتقد شرابي استعمال لغة فصحى متحجرة في الكتابة والتعبير، لا تمت بصلة إلى لغة الحياة المستخدمة في المجتمعات العربية، لا سيما وأنها تمثل انعكاساً للواقع الثقافي والاجتماعي والنفسي للمجتمع، فتصبح نموذجاً لتطبيق الواقع "الأبوي الخانق" الذي يرفض أي تغيير في اللغة؛ وبالتالي في الفكر، ويستمر فيها "الخضوع إزاء الثقافة الأبوية المهيمنة"، الأمر الذي يجب تجاوزه عبر "نبذ الشمولية والفوقية السلطوية وتحقيق الحرية في الفكر واللغة بالانفتاح والتعددية".
دلائل التخلف
يندد شرابي بالحركات الدينية الداعية إلى حل الأزمة الحالية عبر التراث الديني، من حيث ادعاؤها حق التكلم باسم الحقيقة الدينية، بينما الدين الإسلامي ليس حكراً على فئة دون غيرها من المسلمين، ولا أحد يملك حق التفسير والتأويل دون غيره من المسلمين، فـ"الدين مِلك كل مسلم آمن بالله ورسوله"، لذا فالحركات الدينية الأصولية هي حركات سياسية لا تهتم بالدين، بل تسعى إلى أهداف سياسية مستخدِمة الدين.
ويقول الكاتب إن المواجهة النقدية الصحيحة للحركات الدينية والأصولية، يجب أن تتجنب التعامل مع هذه الحركات على أساس ديني يعتمد على المفاهيم والمقولات الدينية، بل يجب التعامل معها وفق منطق عقلي تحليلي، يضع هذه الحركات في سياقها الفعلي وأهدافها السياسية الحقيقية، دون أي تعامل معها من وجهة نظر دينية أو النظر إليها على أنها حركات دينية.
وفي الإطار نفسه، يوضح شرابي أن المعرفة التي اكتسبها العالم العربي في العصر الحديث، هي نتاج معرفة أوروبية جاءت عن طريق العلوم الاجتماعية والإنسانية الغربية، التي أوجدها "عصر التنوير" الأوروبي؛ لذا فهي معرفة "غير ذاتية" بالمعنى الدقيق للكلمة، وهي معرفة بالذات العربية تعاني أزمة فكرية، الأمر الذي يجب معالجته عبر أطروحة رئيسة لحركة النقد العربية، مفادها أن المعرفة المستوردة لا يمكن أن تحرر الفكر أو أن تطلق قوى الإبداع في الفرد وفي المجتمع، ما يوجب وجود وعي ذاتي قادر على نقد المنهجية والخطاب العربي، لإنشاء خطاب نابع من الفهم الذاتي القائم على تجارب الذات وانهماكاتها الخاصة، حسب قوله.
يؤكد شرابي، إضافة إلى ذلك، كـ"دلائل" على التخلف في الوطن العربي، اقتصار الحركة النسائية على النساء دون الرجال، واعتبار المفكرين والمثقفين الرجال أزمة المرأة العربية أزمة ثانوية، لا سيما وأن المثقفين العرب بعيدون عن تفهم مشكلة المرأة على حقيقتها، ولا يجعلون لقضيتها أولوية عندهم، فلا يستطيع المفكرون العرب التمييز بين مفهومي المساواة والاستقلال الذاتي عند المرأة، ويخلطون بينهما، على عكس مفكرات الحركة النسائية العربية اللاتي يُفرقن بين المساواة التي هي علاقة بين طرفين "الرجل والمرأة" يتساوى فيها الطرفان، وبين الاستقلال الذاتي الذي يتمثل في حق كل طرف من الطرفين في تقرير المقاييس والمعايير التي تتناسب مع طبيعته ونظرته الخاصة، الأمر الذي يُلزم المفكرين والمثقفين العرب بوضع قضية المرأة في أولوياتهم والنظر إليها نظرة أكثر شمولية وتعدد.
الحداثة واللغة
يطالب الكاتب بصياغة خطاب علماني نقدي قادر على مواجهة الخطاب الأبوي المهيمن والمسيطر على العالم العربي ومجتمعاته، على أن تكون من سمات هذا الخطاب العلماني أنه قادر على تفنيد العقلية العربية، إضافة إلى تفكيك اللغة الأبوية المسيطرة على الخطاب الفكري والثقافي الذي يؤصل للهيمنة، إضافة لسمات أخرى مثل أنه خطاب يرحب بالاختلاف والتعدد الفكري، وقادر على إحداث تغيير أساسي في اتجاهات الفكر، ومجابهة الإشكاليات التي يتجاهلها الخطاب الأبوي المهيمن، كإشكاليات المرأة كمثال؛ الأمر الذي يجعل من الممكن فرض أبعاد نقدية وأطر فكرية جديدة، تكون قادرة على إيجاد خطابات مستقلة رافضة لكل أشكال الهيمنة الفكرية والثقافية واللغوية والمجتمعية، حسب قوله.
أيضاً، يربط شرابي بين إمكانية تحقيق الحداثة في العالم العربي وبين اللغة، فيرى أنه لا يمكن الدخول في الحداثة عبر "لغة غير حديثة ما زالت في مرحلة ما قبل الحداثة"، لا سيما وأن اللغة الحداثية تُخضع الأفكار الحديثة إلى نظام معانيها وتراكيبها المهيمنة؛ الأمر الذي يستلزم إتقان لغة أو عدة لغات غربية، يجعل من الباحث والمثقف قادراً على الخروج من الكيان الأبوي في اللغة العربية، لتجديد نسقها الفكري وتحديثه لاستقبال الأفكار الحديثة والقدرة على التعبير عنها.
يفسر المؤلف معنى الحداثة التي يحتاج إليها العالم العربي، التي يجب أن يكون لها اتجاهان مرتبطان، الاتجاه العقلاني المتمثل في عقلنة الحضارة، والاتجاه العلماني المتمثل في علمنة المجتمع، إضافة إلى إجراء عملية تحديث عبر عملية إبداع تحدث في اللحظة الحاضرة، فالتحديث لا يعني الهروب من الحاضر، بل يعني الانطلاق منه؛ لأن "الحاضر قادر على رسم المستقبل".
ويذهب شرابي إلى أن العالم العربي، يمكن أن يتجاوز أزمته ويسترجع قواه، ويعود إلى مجرى التاريخ مرة أخرى ويحقق حداثته الخاصة، إذا قام بعملية نقد حضاري يمكِّن من خلق وعي ذاتي مستقل يستعيد العقلانية الهادفة، وذلك عبر التفاعل الفكري الحر والنقاش المستمر، على أن يكون ذلك التفاعل بين المفكرين والمثقفين، وأيضاً بين الفئات المجتمعية وعلى صعيد المجتمع بكامله دون استثناء؛ ولن يكون ذلك إلا عبر استخدام النقد الحضاري، الذي من أهم سماته نقد النظام الأبوي وتعريته أيديولوجياً ولغوياً وثقافياً وفكرياً ومجتمعياً.
وختاماً، فإن المشروع النقدي الحضاري وخطابه العلماني، كما يؤكد هشام شرابي، يُمكن من إعادة النظر في معنى الفرد والإنسان، لا كمفردات نوعية تعني "الرجل" أو "الذكر" أو "المرأة" أو "الأنثى"، بل كمفاهيم إنسانية تدل على طبيعة كل من الرجل والمرأة وعلى عقل الرجل وعقل المرأة وعلى مكانة كل منهما، بحيث لا يحدث انفصام معنوي وحياتي ومجتمعي وفكري يتسبب في إشكاليات بالعالم العربي، تقف حائلاً أمام المشروع الحضاري.