يتناول المفكر اللبناني خالد زيادة في كتابه "تطور النظرة الإسلامية إلى أوروبا"، التحولات التي طرأت في نظرة العالم الإسلامي إلى أوروبا عبر مراحل تاريخية متعددة، تميزت في العصور الوسطى بنظرة ازدرائية ولا مبالاة، سببها أن العالم الأوروبي، آنذاك، لم يكن مصدراً للعلم أو الحضارة؛ وهي نظرة شهدت تطوراً حاداً في القرن التاسع عشر، حيث تحولت إلى الانبهار والإعجاب بالحضارة الأوروبية بسبب التقدم الحضاري والمادي، ما تسبب في ظهور الحركات التنويرية والإصلاحية في العالم العربي والإسلامي.
نظرة تقليدية
يوضح زيادة أن الشعوب التي دخلت الإسلام حملت معها علومها وآدابها، ما أسهم في إحداث نهضة ثقافية في الثقافة الإسلامية، بلغت ذروتها في القرن الرابع الهجري؛ وهو الأمر الذي يؤكد انفتاح العالم الإسلامي، آنذاك، على الحضارات الأخرى والاستفادة منها، لا سيما الحضارة اليونانية، إضافة إلى زيادة حركة الترجمة التي أغنت الفكر الإسلامي. ورغم ذلك، فإن نظرة المسلمين إلى العالم الأوروبي "تراجعت وانحصرت في رؤية واحدة، في ظل إطار المؤسسة الكنسية الكاثوليكية، دون معرفة الفروق الواضحة بين الشعوب الأوروبية"، حسب قوله.
ويوضح الكاتب أن النظرة الإسلامية التقليدية إلى أوروبا، في العصور الوسطي، كانت تتسم بالازدراء واللا مبالاة؛ إذ إن أوروبا وقتها لم تكن مصدراً للعلم أو الثقافة. وهي نظرة استمرت حتى بعد مرحلة الحروب الصليبية، التي لم تُثِر فضول المسلمين نحو معرفة الأوروبيين، فاستمر المسلمون في استخدام مصطلح "الفرنجة" للإشارة إلى الشعوب الأوروبية جميعها، وهي نظرة تغيرت بعد ذلك تدريجياً مع توفر المعلومات بعد ذلك عن ممالك أوروبا ومدنها، خصوصاً عبر النشاط التجاري بين المدن الإيطالية والساحل الشرقي للمتوسط.
يقول زيادة إن المعلومات عن أوروبا زادت في دولة المماليك، بسبب التجارة مع المدن الإيطالية، كما توفرت معلومات في الدولة العثمانية عن أوروبا بسبب حركة تبادل السفراء، ما أسفر عن تطور النظرة الإسلامية إلى أوروبا في القرن السابع عشر الميلادي، بسبب المعلومات التاريخية والجغرافية التي توفرت للمسلمين، ما أسهم في تبديل الصورة التقليدية عن بلدان أوروبا، لا سيما أوروبا الغربية.
تحول جذري
ويؤكد المؤلف أن النظرة الإسلامية إلى أوروبا شهدت تحولاً جذرياً في القرن التاسع عشر؛ إذ تحولت النظرة التقليدية إلى أوروبا التي تمتلئ بالازدراء إلى "انبهار وإعجاب"، ظهر في أعمال عديد من رواد النهضة العربية، مثل رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، لا سيما أنهما رأيا في أوروبا نموذجاً للتقدم العلمي والفكر والحرية، ما دفعهما إلى تبني مظاهر الحداثة الأوروبية في العالم الإسلامي والدعوة إليها، هذا "رغم ما شاب هذا الإعجاب من حذر أساسه الدعوة إلى الحفاظ على الهوية الإسلامية، مع الاستفادة من التجربة الأوروبية"، حسب قوله.
ويذهب زيادة إلى أن العالم الإسلامي تأثر بالاتجاهات الليبرالية والإصلاحية في أوروبا، ما أدى إلى ظهور تيار إصلاحي وبوادر تيار ليبرالي، في نهاية القرن التاسع عشر بالعالم العربي، تمثل في ظهور عديد من التيارات الإصلاحية، مثل أفكار جمال الدين الأفغاني، ثم تلميذه محمد عبده، اللذين سعيا إلى التوفيق بين الإسلام والحداثة، رغم ما واجه هذه التيارات الفكرية الإصلاحية وبذورها الليبرالية، لا سيما عند محمد عبده، من تحديات كبيرة في العالم العربي "تمثلت في الاستعمار الذي كان يضرب العالم الإسلامي آنذاك، وتصاعد الحركات الأصولية والدعوات لإحياء الماضي التراثي"، وفقاً لقوله.
تأخُّر وتقدُّم
ثم ينتقل الكاتب إلى الفكر المعاصر، حيث يعرض لعددٍ من المفكرين الذين اهتموا بنظرة العالم الإسلامي إلى أوروبا والعلاقة بين الشرق الغرب، فيرى أن عدداً من المفكرين العرب اهتم بالنظرة المتبادلة والعلاقة بين العالمين، مثل المفكر اللبناني شكيب أرسلان الذي ركز على فهم العلاقة بين الشرق والغرب، وعلى الإجابة عن سؤال رآه رئيساً، وهو: لماذا تأخر المسلمون وتقدمت أوروبا؟ فاجتهد في تقديم إجابة عقلانية عن هذا السؤال، حيث رأى أن الجمود العقلي والتأخر الفكري كانا سببين رئيسين في هذا التراجع بين العالم الإسلامي وأوروبا، فدعا إلى الاستفادة من التقدم الأوروبي مع الحفاظ على القواعد الأخلاقية والتقاليد العامة للعالم الإسلامي والعربي.
ويرى زيادة أن المفكر الجزائري مالك بن نبي، رغم اعترافه بفضل الحضارة الأوروبية، خصوصاً في القرنين السابع عشر والثامن عشر، فإنه يرى أنها تحولت بعد ذلك إلى حضارة استعمارية تجاه العالم الإسلامي، ما دفعه إلى تحديد العلاقة بين الشرق والغرب على أساس أهمية استعادة العالم الإسلامي نهضته وحضارته.
ثم ينتقل إلى المفكر الفلسطيني عبد اللطيف الطيباوي، الذي قدم قراءة نقدية للنظرة الإسلامية تجاه أوروبا؛ إذ ركز على فهم السياقين التاريخي والسياسي اللذين تشكلت فيهما هذه النظرة في الفترات التاريخية المتعددة، كما رأى أن التفاعل بين العالمين الإسلامي والأوروبي كان معقداً ومتشابكاً لا يمكن اختزاله في شكل واحد، فدعا إلى تقييم المواقف الإسلامية التقليدية من أوروبا مع تجاوز الأحكام المسبقة، والانفتاح على فهم أعمق للتجربة الأوروبية، ما يمثل قراءة نقدية للنظرة الإسلامية تجاه أوروبا، سعى من خلالها إلى الدراسة العميقة والبعد عن التعميمات السطحية، الأمر الذي ساعد في تقديم رؤية أكثر توازناً وواقعية للعلاقة بين العالمين الإسلامي والغربي.
مشكلة الاستشراق
ويذهب الكاتب إلى المفكر المغربي عبد الله العروي، الذي يرى أن الاستشراق الأوروبي شكك في التاريخ الإسلامي، مقابل إعلاء التاريخ اليوناني، للإشادة بالحضارة اليونانية القديمة وشأن التفكير فيها، ما يعده "تغافلاً مقصوداً عن فهم التطورات التي حدثت في الشرق"، وهو ما يُوجب إعادة النظر في الاستشراق الأوروبي، والدخول في حوار معه، لتغيير الصورة النمطية بين الطرفين.
ثم ينتقل إلى المفكر التونسي هشام جعيط، الذي يرى أن الصورة التقليدية لدى الغرب عن الإسلام هي صورة غير حقيقية مبنية على العداء والرفض، وهي أفكار انتشرت في الدراسات القروسطية -المتخصصة في العصور الوسطى- التي تبناها المستعمر الأوروبي بعد ذلك، كما يرى أن الاستشراق كان عنصراً هاماً في تكوين الصورة الأوروبية عن الإسلام، لا سيما في فترة الاستعمار، وهي صورة يصفها بأنها غير مطابقة للحقيقة ويجب العمل على تغييرها، حتى يؤثر هذا التغيير في العلاقات الإسلامية الأوروبية والصورة المتبادلة بينهما.
ويقدم زيادة آراء عديد من المفكرين العرب والمسلمين الآخرين، مثل محمد إقبال وزكي نجيب محمود وأحمد لطفي السيد، وغيرهم؛ ويرى أنهم اجتهدوا في تقديم تحليلات عميقة للنظرة الإسلامية إلى أوروبا، وسَعَوا بجدية إلى فهم العلاقة بين الشرق والغرب، وحرصوا من خلال هذا الفهم على تحقيق واقعية أكثر اتزاناً، الأمر الذي أسهم في نضج التصور الإسلامي لأوروبا، وبالتالي نضج العلاقة بين الإسلام والعالم الغربي.
وختاماً، يُلخص المفكر اللبناني خالد زيادة، في كتابه "تطور النظرة الإسلامية إلى أوروبا"، مراحل تطور وجهة النظر الإسلامية تجاه الحضارة الغربية، فيرى أنها انتقلت من الازدراء واللا مبالاة إلى الإعجاب والتأثر، ثم إلى النقد والتحليل؛ موضحاً أن النظرة المتبادلة بين الطرفين -العالم الإسلامي وأوروبا- لم تكن دائماً نظرة ثابتة، بل تأثرت بالتطورات التاريخية والثقافية والسياسية في العالمين؛ وهو الأمر الذي يستلزم البعد عن الأحكام المسبقة والتصورات النمطية لدى الطرفين، خصوصاً في العالم الإسلامي، لبدء دراسة عميقة وجادة للتفاعلات والتجاذُبات بين الحضارات، لا سيما مع الحضارة الغربية.