الناطقون بلسان السماء:

خطوة للتحرر من احتكار اليقين الديني

مركز حوار الثقافات

17-11-2024

"لا يزال محتكرو اليقين الديني يقدمون تفسيرات حرفية للخطاب الإلهي، تحصر معانيه في إطار ضيق ومحدود ومنفعي، والغرض من ذلك تأبيد رواية واحدة تؤمّن تحقيق أهداف مصلحية سياسية".. هكذا افتتح الكاتب الدكتور موسى برهومة مؤلَّفه "الناطقون بلسان السماء"، الصادرة طبعته الأولى عام 2013، عن المركز الثقافي العربي؛ لافتاً فيه إلى تعميم أمثال هؤلاء خطاب هيمنة فكرية ودينية، وتنميط متلقي الخطاب على نحو ذهني لا يؤمن بالتعددية والطيفية وتباين الأنساق، حسب قوله.

ويؤكد برهومة أن من شأن تبلور فهم عصري جديد للإسلام أن يجدد حضوره وحضور المسلمين في دائرة التواصل الكوني، وتكريس مبدأ تعايش الأديان، باعتبار ذلك خطوة أساسية لتحرير الإنسانية من تغول التزمُّت، وإرهاب الاستبداد والنزعة الأصولية، وزعم احتكارها الحقيقة واليقين.

مفهوم التأويل

يقول موسى برهومة في مؤلَّفه "الناطقون بلسان السماء"، إن مفهوم التأويل في التراث الإسلامي ظل مقتصراً على أنه مرادف للشرح والإيضاح والبيان وإماطة الغموض عن المعاني، فيما يشترك التأويل والتفسير –كمصطلحَين- في أنهما يحيلان إلى معانٍ لغوية متقاربة، بيد أن ذلك لا يعني أن التفسير هو التأويل بعينه، فقد قيل إن التفسير هو بيان لفظ لا يحتمل إلا وجهاً واحداً، أما التأويل فتوجيه لفظ متوجه إلى معانٍ مختلفة نحو معنى واحد منها.

والتأويل والتفسير، بحسب الكاتب، قد اختلف الفقهاء في أمرهما؛ فالتأويل والتفسير عند ما يُعرف بـ"السلف الصالح"، يختلف عنه عند ما يُعرف بـ"المتأخرين من الأصوليين والكلاميين والمحدثة والمتصوفة"؛ فالفريق الأول يعُد التأويل والتفسير مترادفَين، لكن التأويل يبدو مختلف المعنى عند الفريق الثاني؛ إذ يعني صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به.

ابن تيمية والتأويل

يقول الكاتب إن الفقيه ابن تيمية يخصص حيزاً واسعاً في كتاباته، لدرء أي تعارض بين العقل والنقل، باعتباره داعياً إلى العودة إلى السلف، وذلك للحث على وجوب الأخذ بظاهر النص دون استعمال آلة التأويل؛ لأنه "ليس في ظاهر النص ما يخالف الأدلة العقلية"، بحسب ابن تيمية، الذي يسعى إلى إبطال المقدمات العقلية للمتكلمين؛ إذ رأى أن "ظاهر النص هو النص نفسه"، وبالتالي فإن الحرب على التأويل تجلت في كتابات المتأخرين في ميدان القرآن الكريم.

ويعبّر مصرع الخليفة عثمان بن عفان، ومن قبله الخليفة عمر بن الخطاب، ومن بعدهما الخليفة الرابع علي بن أبي طالب، بحسب الكاتب، عن الاضطراب العنيف الذي عصف بالمسلمين، فيما كانت أسطع الحوادث على استخدام القرآن في الحسابات السياسية ما جرى في المواجهة العسكرية الدامية بين جيشَي علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، في معركة صفّين (سنة 39 هـ)؛ إذ يُروى عن الإمام علي، حين رفع الأمويّون المصاحف على أسنّة الرماح بنصيحة من عمرو بن العاص، طالبين الاحتكام إلى القرآن، أنه قال: "بالأمس حاربناهم على تنزيله، واليوم نحاربهم على تأويله".

المعتزلة والمجاز

يقول الكاتب إن العقل أضحى على يد المعتزلة مصدراً للمعارف الدينية، ومعياراً توزن به الحقيقة الدينية، فهو مبدأ أساسي أدخله المعتزلة لأول مرة في النظر الديني الإسلامي؛ لافتاً إلى أنه كان لإعلاء المعتزلة من قيمة العقل أثر في ربط الأساليب البلاغية، وفي مقدمتها المجاز، بحركة اللغة والمعرفة؛ وبالتالي ربطها بأفق الخطاب القرآني ككل، الذي يجيب -بحسب أدونيس الشاعر والمفكر السوري- "عن أسئلة الوجود والأخلاق والضمير، وهو يجيب عن ذلك بشكل جمالي/فني، لهذا يمكن وصف القرآن بأنه نص لغوي، أي لا بد لفهمه من فهم لغته أولاً".

مغامرة "أبو زيد"

يلفت الكاتب إلى مبحث للمفكر المصري نصر حامد أبو زيد، الذي جاء تحت عنوان "القرآن: العالم بوصفه علامة"، وقد وصفه بـ"مغامرة" الكشف عن وظيفة اللغة الدينية، التي يعتبرها نسقاً من النظام اللغوي، لكنه نسق يضمر رغبة في الاستحواذ على العالم الذي تنظمه اللغة؛ إذ يستعين أبو زيد، بحسب المؤلف، في تحليله الخطاب القرآني بآليات التحليل النصي، وهذا هو جانب المغامرة المشار إليه؛ إذ صار النص القرآني في الوعي الإسلامي نصاً ثابتاً جمّدته الشروح والتفسيرات، التي تراكمت عليه منذ القرن الهجري الأول حتى نهاية القرن الخامس الهجري.

ويؤكد الكاتب أن المفكر نصر حامد أبو زيد استفاد من منهجيات تحليل النصوص، في سياق تطور الفكر الديني في أوروبا والغرب، كما استفاد من الصراع مع الكنيسة، وهو صراع يضاهي الصراع مع مَن يزعمون احتكار اليقين الديني في الإسلام؛ وبالتالي يمنحون صكوك الغفران في إطار ما يسميه المفكر الجزائري محمد أركون بـ"الأرثوذكسية الإسلامية".

ويركز الكاتب على وصف نصر حامد أبو زيد للحضارة الإسلامية باعتبارها "حضارة نص"؛ وقد أطل أبو زيد، بحسب الكاتب، على مأزق التأويل الذي وقع فيه المفسرون الأوائل للقرآن الكريم؛ إذ هو مأزق ارتدى زي الكلام على لسان المعتزلة لاحقاً، وهم الذين خاضوا مواجهة مع التيار الحَرْفي في التأويل، وذلك من أجل الحفاظ على الطابع الإيماني للقرآن. 

وقد أفضت هذه المواجهة إلى بروز ثنائية الظاهر والباطن عند النظر إلى الخطاب القرآني؛ وكما قدم المفسرون الأوائل نظرتهم البعيدة عن النزعة التركيبية للخطاب القرآني، فعل المعتزلة الأمر ذاته على مستوى تأويلي متقدم، شاركهم فيه الأشاعرة، ثم جاء المتصوفة واقترحوا تأويلاً للخطاب يقوم على "رمْزنة" الوجود، تحقيقاً للمعنى الإيماني الأقصى في النص الديني، واستنباط الأبعاد الإشارية والدلالات الكامنة فيه.

كما يشير الكاتب إلى دعوة نصر حامد أبو زيد إلى ما أسماه "أنسنة الخطاب الديني"، واصفاً دعوته تلك بـ"الخطوة نحو تحرير الخطاب من التفسيرات التعسفية والرؤى الأسطورية، مما أدى إلى نشوء الممارسات الغيبية والتأويلات التي تخدم السلطات السياسية، وتقدم للاستبداد والجهل مبررات بقائهما واستمراريتهما وتغولهما"، لافتاً إلى أن التناول العلمي للقرآن لا يهدد عقيدتنا بقدر ما يمنح هذه العقيدة صلابة اليقين راسخ الأسس، ومؤكداً أن الذي يهدد عقيدتنا فعلاً هو هذا الجنوح المُزري إلى التقليد، وتصور أن الإسلام من الضعف والهُزال، وأن إيمان الناس على درجة من الإعياء والتهافت، بحيث لا يصمدان أمام إجراءات البحث العلمي ولا يستقيمان على هدى العقل وبصيرته.

خطاب المرأة 

يقول الكاتب إن الخطاب الديني الرشيد يضع نصب عينيه الإنسان؛ فمن غير المعقول أن تتصادم روح الشريعة مع عقل الإنسان ومصالحه، لأنها إن تصادمت مع عقول المكلّفين بتطبيق الشريعة ستغدو التكاليف بمقتضاها أمراً لا يُطاق.

ولعل أكثر القضايا التي تصطدم مع التأويل الفقهي غير المستنير هي قضية المرأة، لا بوصفها أنثى، بل بوصفها إنساناً جاءت الشريعة من أجل عدله وإنصافه وتكريمه، بحسب الكاتب؛ ومن هنا، تكتسب مقولة "تغير الأحكام بتغير الأمكنة والأزمنة وأوضاع البشر والمجتمعات" أهمية قصوى.

ويأتي تأويل خطاب المرأة، بحسب الكاتب، ليس فقط من أجل استعادة حقوقها، بل إعادة النظر في معنى الفرد والإنسان، لا كمفردات تعني رجلاً أو امرأة، بل كمفاهيم إنسانية تدل على طبيعة الرجل وعلى طبيعة المرأة، على عقل الرجل وعلى عقل المرأة، بحيث يجري تجاوز الانفصام المعنوي والفكري والحياتي، وما يلحق به من انفصامات سياسية واجتماعية وقانونية في قلب المجتمع، كخطوة أساسية تمكّن المجتمع من استرداد ذاته، وقدرته على الانتقال من مجتمع أبوي عاجز إلى مجتمع حر حديث.

وختاماً، يؤكد الكاتب أنه حتى يمكن تأويل خطاب المرأة، لا بد من وضعه في سياق الخطاب الكلي للنصوص الدينية تجاه الإنسان بصفة عامة، بغض النظر عن جنسه؛ إذ إن الخطاب الإلهي يتوجه إلى الإنسان على نحو تتكثف فيه معاني التكريم والتفضيل على خلق الله جميعاً، مستدلاً بالآية رقم "70" من سورة الإسراء: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا﴾ [الإسراء: 70]، مضيفاً أن إهدار روح النصوص والخطابات الدينية يُسفر عن وجهه الحقيقي عندما يغدو "الآخر"، الذي يتوجه إليه طلب الخضوع والطاعة، هو الأنثى. 

إذ يصبح التطبيق أشد قسوة، لأن عاملين أساسيين يسهمان في تبلور صورة ذلك التطبيق: الأول، متصل بالتأويل المتعسف، وأحياناً الحَرْفي، للنصوص الدينية؛ والثاني، يمكن وضعه في إطار التفكير الذكوري الذي سيطر على العقل الإنساني، ولا يزال.

 

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة