المنصف بن عبد الجليل:

تأسيس فقه الواقع وبناء وعي ديني جديد

مركز حوار الثقافات

01-12-2025

يسعى المفكر التونسي المنصف بن عبد الجليل (1953م)، في مشروعه الفكري، إلى التمييز بين جوهر الدين وروح الشريعة، وبين الفقه كجهد بشري ونسبي، وبين النص الديني المؤسس والسياقات التي أحاطت التراث؛ ويؤكد أن أزمة العقل المسلم لا تتمثل في النص الديني، بقدر ما تتضح في طريقة قراءته، ويتبنى منهجاً تاريخانياً واعياً، يُفكك فيه النصوص التراثية التي أحاطت بالنص الديني المؤسس وحصلت على قدسية رغم بشرية إنتاجها.

عبد الجليل، أستاذ الدراسات العربية والحضارة الإسلامية بجامعة سوسة، الحاصل على الدكتوراه من جامعة منوبة عن أطروحته "الفرقة الهامشية في الإسلام"، يرفض الثنائيات القطعية كالنص والعقل والتراث والحداثة، ويقترح مساراً معرفياً يضع من المقاصد الكلية معياراً منهجياً، ويعيد تشكيل علاقة المسلم بتراثه على أساس نقدي تفكيكي، يؤدي إلى تجديد الفقه وتأسيس علم كلام جديد. 

وقد وضع مشروعه الفكري في عديد من المؤلفات والدراسات العلمية، مثل: "من اللحظات التأسيسية في الإسلام"، و"الفرقة الهامشية في الإسلام: بحث في تكون السنية الإسلامية ونشأة الفرقة الهامشية وسياداتها واستمرارها"، و"العقل والدين عند ابن رشد"، وغيرها.

مقاصد الشريعة

يعتمد عبد الجليل على منهج نقدي يرتكز على التاريخانية الواعية، ويسعى من خلاله إلى فهم النصوص والظواهر الدينية في إطار السياقات التاريخية والاجتماعية التي نشأت فيها؛ فعلى سبيل المثال، ينظر إلى الفقه على أنه "اجتهادات بشرية"، حاولت فهم الشريعة في ظل ظروف تاريخية معينة، مثل ثقافة العصر ومستوى المعرفة وطبيعة السلطة والتحديات الاجتماعية. ويفصل بذلك بين الثابت أو أصول الشريعة ومقاصدها الكلية، والمتغير أو الأحكام الاجتهادية والتطبيقات التاريخية، ليخلص الدين من "عبء التاريخ"، حتى يُعاد إلى دائرة التراث.

ويرتكز على النقد الداخلي الجذري للتراث، عبر نقد التراث بمعايير التراث نفسه، لكشف التناقضات الداخلية فيه؛ فمثلاً، بعض الفقهاء نادى بالعدل والإحسان، بينما اشتملت اجتهاداتهم الفقهية على أحكام تعارض ما دعوا إليه من المقاصد الأساسية للشريعة، بذلك يستخدم "مقاصد الشريعة" كمعيار حاكم لفحص التراث الفقهي، ويرفع من شأن المقاصد الرئيسة "حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، ويجعلها إطاراً منهجياً لكل عملية تأويل أو تجديد أو حكم أو فتوى"، لينتقل إلى سؤال هام عن حكمة النص، ومقاصده، وكيفية تحقيقه في الواقع. كما يستخدم "التفكيك البناء، لتفكيك القراءات الأحادية والمطلقة للنص الديني، مثل الخطاب السلفي الذي يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة في فهم النص". وفي المقابل، فإنه يفكك خطاب "الحداثة الراديكالية" التي تفصل النص عن أي بُعد مقدس. 

إشكاليات عقلية

يرى عبد الجليل أن "العقل الإسلامي السائد" يعاني من إشكاليات عدة، منها:

- الجمود النصي.. عبر تحويل النص إلى "صنم" يُعبد من خلال حرفيته، مع إغفال "سياقه التنزيلي وروحه ومقاصده"؛ ما ينتج عنه ما يطلق عليه "مذهب الظاهرية الجديدة" الذي ينتشر في الخطاب السلفي، الذي يختزل الدين في مجموعة من الأوامر والنواهي الخالية من أبعادها الأخلاقية والروحية والاجتماعية.

- تقديس التراث.. حيث يتحول التراث إلى "نص ثان"، مُلزم يغطي على النص المؤسس "القرآن"، ما يحول الفقيه أو المتكلم القديم إلى سلطة مقدسة، فيصبح العقل تابعاً ومقلداً بدلاً من أن يكون ناقداً.

- الازدواجية والانفصام.. وهي نتيجة طبيعية لـ"الفصل الأشعري"، بين "مجال الدين" كمسائل الإيمان، و"مجال العالم" كمسائل السياسة والاقتصاد والعلوم؛ ما أدى إلى عقل منقسم، يتحدث عن العلم ويرفض نظريات علمية لأنه يظنها تُعارض نصاً فهمه فهماً حرفياً.

ويدعو إلى تجاوز "علم الكلام القديم"، لأنه كان "علماً دفاعياً" في جوهره، انشغل بالرد على الخصوم وحماية العقيدة بمنطق الجدل، لذلك يقترح "علم كلام جديد"، ينطلق من هموم الإنسان المعاصر وقلقه الوجودي، وسؤاله عن المعنى والموت والحرية والعدل، بدلاً من الانطلاق من أسئلة "كيفية الصفات"، و"هل القرآن مخلوق"؛ وهو يربط الإيمان بالعمل والعقيدة بالإصلاح، ولا يخشى من الحوار المنفتح مع الفلسفات والديانات الأخرى والعلوم الإنسانية، وإنما يجعل هذا الحوار مصدراً لإثراء فهم الذات والعالم.

فقه الواقع

يسعى عبد الجليل إلى تجديد علم الفقه وأصوله، ونقله من فقه النص إلى فقه الواقع؛ ويُميز بين الشريعة، التي تمثل المبادئ الكلية الثابتة والقيم الأخلاقية العليا والمقاصد العامة التي جاء بها الوحي، التي يعدها روح الدين وحكمته، وبين الفقه أو الجهد البشري الاجتهادي، لفهم هذه المبادئ وتطبيقها في واقع متغير. ويشدد على أن الفقه "إنتاج بشري" نسبي قابل للخطأ والصواب والتطوير.

ويوضح أن الفقه يعاني حالياً من أزمة تتمثل في هيمنة النموذج الحرفي، واختزال الاجتهاد في البحث عن "دليل نصي" لكل مسألة، حتى لو كان ضعيفاً مع إغفال المقاصد والسياق، وانفصاله عن الواقع؛ إذ يُصدر الفقيه أحكاماً في قضايا معقدة كالمصارف الإسلامية والطب والبيئة وغير ذلك، دون فهم دقيق لطبيعة هذه القضايا أو فهم لـ"فقه الواقع". لذلك، يشدد على أهمية جعل مقاصد الشريعة المرجعية العليا، ويطالب بتحقيق فقه المآلات، الذي يُراعي عواقب الأحكام ونتائجها في الواقع، وإلى "فقه الأولويات" الذي يرتب القضايا والأحكام حسب أهميتها.

ويرفض عبد الجليل الثنائيات القطعية التي تعني الرفض الكامل أو القبول التام، فلا يرفض التراث بشكل كامل؛ إذ يرى أن التراث به نزعات عقلانية مثل "المعتزلة وابن رشد"، ونزعات إصلاحية مثل "الشاطبي". فالتراث به قيم يمكن التواصل معها في مشروع الحداثة، للبحث عن قيم الحداثة الإيجابية، مثل العقلانية والنقد والحرية وحقوق الإنسان، ما يؤدي إلى تأصيل هذه القيم الحداثية وإيجاد جذور لها في التراث. 

كما يرى أن ثنائية مثل العقل والنص والصراع بينهما "أمر مفتعل"، فالنص القرآني نفسه "نص عقلي" يخاطب العقل ويحثه على التفكر والتدبر، بينما الأزمة عنده تتمثل في "العقل القارئ" الذي يتخلى عن مهمته النقدية والتأملية أمام النص، عندما يقرؤه بحرفية تقتل روحه، بينما العلاقة الصحيحة بين العقل والنص علاقة "تفاعل وتكامل"، فالعقل ينير النص بواسطة المناهج العقلية والعلمية، والنص يوجه العقل بواسطة القيم والمقاصد.

الفرقة الهامشية

ينتقد عبد الجليل تيارات الإسلام السياسي، ويرفض الدعوة إلى الدولة الدينية "الثيوقراطية"، ويرى في ذلك خلطاً بين الدين والسلطة، يؤدي إلى استغلال الدين وتوظيفه لخدمة أغراض غير دينية أو سياسية أو خاصة، ما يُفقد الدين قدسيته الأخلاقية. وفي المقابل، يرفض العلمانية المتطرفة التي تنبذ الدين وترفضه ولا ترى له دوراً في حياة الفرد أو المجتمع، ويدعو إلى دولة مدنية، لا يحكم فيها رجال الدين، تستلهم فيها القوانين والسياسات العامة من القيم والمقاصد العليا للإسلام، كالعدل والشورى والكرامة والمساواة؛ ويشدد على فصل الدين كمصدر للإلهام الأخلاقي عن الدولة كآلية للممارسة السياسية.

كما يشدد أيضاً على رفضه للاستغلال السياسي للدين، فيعرض لنظرية "الفرقة الهامشية في الإسلام"، التي يفكك بها الأصولية السياسية الدينية التقليدية التي تستند إليها تيارات الإسلام السياسي، فما يبدو تقليدياً أو أصولياً في حقيقته نتاج تاريخي متأخر، بسبب الصراع التاريخي وليس على أساس مطلق لا يقبل التفكيك أو المراجعة، مؤكداً على أهمية التعددية ومفهوم الغيرية، وساعياً إلى تفكيك "التفكير الفرقي" الذي يقود إلى التكفير، ويطالب باستبداله بمفهوم المشاركة في الحياة "الغيرية"، ويرى أن الاختلاف والتنوع ضرورة ولا يجب أن يكون سبباً للصراع.

وختاماً، يهدف المفكر التونسي المنصف بن عبد الجليل من مشروعه الفكري إلى تأكيد أن معركة التجديد ليست ضد الدين أو التراث، بل مع طرق الفهم التي جمدت النصوص وجمدت التاريخ، وحرمت العقل المسلم من بناء وعي ديني متجدد؛ كما يشدد على أهمية تحرير الدين من القراءة الحرفية والتوظيف السياسي، لإعادته إلى فضائه القيمي والأخلاقي، ويسعى إلى تحرير العقل من الثنائيات القطعية، ليصبح قادراً على النقد والمراجعة، لبناء فهم ديني جديد ينطلق من مقاصد الدين وحاجات العصر.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة