يقدم المفكر السوري سمير عبده (1940م)، في كتابه "المرأة العربية بين التحرر والتخلف"، رؤية جديدة لقضية تحرر المرأة العربية وإمكانية إحداث تغيير جذري في الأطر الفكرية والثقافية والاجتماعية في العالم العربي، بما يمكن من تمكين المرأة وممارستها عملية تحررها بنفسها وتحقيق المساواة الحقيقية والكاملة، التي تضمن للمرأة دوراً فاعلاً في بناء مجتمع عربي متكامل ومتقدم؛ ويدعو إلى مواجهة التحديات التي تواجه المرأة العربية مثل التبعية والسيطرة الذكورية، ويضع إطاراً فكرياً يساهم في نهضتها، وبالتالي حداثة ونهضة العالم العربي.
تراكمات تاريخية
يرى عبده أنه على الرغم من كثرة المؤلفات والدراسات والأبحاث حول المرأة العربية وقضيتها، فإن هناك ندرة في "الدراسات الجادة حول المرأة العربية"؛ ورغم الدور الحيوي الذي تمارسه المرأة العربية في المجتمع، وفي التنمية العربية والتنمية الاجتماعية والفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية، ورغم الأهمية المركزية لقضية المرأة في بناء المجتمع وتقدمه، فإن وضع المرأة في الوطن العربي يعكس تراكمات تاريخية وثقافية واجتماعية، تجعل من مسألة تحرر المرأة العربية تحدياً معقداً، لا سيما أن دراسة المرأة العربية وقضيتها لا يصح أن تنفصل عن دراسة الثقافة والوعي الاجتماعي السائد في المجتمعات العربية، ولا بعيداً عن باقي مناحي الحياة العربية بشكل عام.
يصف الكاتب المرأة العربية بأنها عالم قائم بذاته يجمع العديد من الثنائيات، مثل الجهل والعبودية، والتأثير والتأثر، والعادات والتشريعات، والأمية والتخلف، وهي قضايا تؤثر سلباً على المجتمعات العربية بشكل عام، وعلى قضايا المرأة وتحررها بشكل خاص؛ فتحرر المرأة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتحرر المجتمع ككل، ولا يمكن أن يتحقق إعادة الاعتبار إلى المرأة التي تمثل "نصف المجتمع المهمش" إلا بمواجهة الأطر والعادات المتخلفة، ومواجهة المفهوم الشكلي للحرية، والوصول إلى مفهوم فكري وثقافي حقيقي عن الحرية؛ خصوصاً وأن المرأة لا تُمكن المرأة بالقدر الكافي في المجتمعات العربية.
ورغم مؤشرات التحول والتحرر التي تظهر بسبب زيادة الوعي والتعليم والعمل، فإن الوضع الاجتماعي الحالي معقد بسبب ثنائية التشبث بالتقاليد والعادات ومحاولات الإصلاح والتغيير، ما يمثل صراعاً تواجهه المرأة العربية كل يوم، خصوصاً وأن "دورها التقليدي السائد يتقاطع مع متطلبات العصر"، وفقاً لقوله.
استقلال اقتصادي
يوضح عبده أن الثقافة العربية السائدة في المجتمعات العربية تُكون صورة المرأة العربية، ويرى أن هذه الثقافة ما زالت متأثرة بالتقاليد والعادات التي ما زالت تحدد وتضبط أدوار المرأة وتقيد حريتها؛ فالثقافة العربية الحالية تُكرس لدونية المرأة، وتُخضعها لسلطة الرجل عبر العائلة أو المؤسسات الاجتماعية، ما يجعل المرأة العربية تعاني من حالة اغتراب مزدوج "اغتراب عن ذاتها واغتراب عن مجتمعها".
ويرفض الكاتب بشدة النظرة التقليدية التي ترى في المرأة "كائناً بيولوجياً سواء من ناحية التكوين أو من ناحية الوظيفة"، ويؤكد أن مكانة المرأة لا يمكن أن تحددها الخصائص البيولوجية، بل تحددها البنية الاجتماعية والثقافية، الأمر الذي يستلزم معه تطوير الوعي الثقافي والاجتماعي عبر التربية والتعليم ووسائل الإعلام، لتغيير هذه النظرة التقليدية التي تحد من تطلعات المرأة.
يضع الكاتب الاستقلال الاقتصادي للمرأة كشرط رئيس وأساس لتحررها، ويشير إلى أن المرأة العاملة ما زالت تواجه تمييزاً في الأجور في معظم مجالات العمل، ومنها "القطاع الزراعي"؛ ويرصد معوقات كثيرة أمام المرأة العربية في سوق العمل، تحول دون شمولها الكامل في أنشطة الإنتاج والعمل الرسمي.
من هذه المعوقات النظرة الدونية تجاه عمل المرأة، وتعرض المرأة لبيئات غير مناسبة في العمل، مثل الاكتظاظ المزدوج في أماكن العمل وأعباء المرأة بين الأسرة والعمل؛ وينتقد النظرة الاجتماعية التي تُقيد عمل المرأة وتحد من فرصها في سوق العمل، ويطالب بإزالة هذه العوائق لتوسيع مشاركة المرأة في سوق العمل، وذلك عبر تحقيق المساواة في الأجور وتوفير بيئة عمل مناسبة، كتوفير دور حضانة للأمهات العاملات المعيلات، وتمكين المرأة من المشاركة عبر لجان وضع التشريعات الخاصة بالعمل لإيجاد بيئات مناسبة لعمل المرأة.
أهمية التعليم
يربط المؤلف بين قضية التنمية الشاملة في العالم العربي وبين تمكين المرأة، ويرى أن تنمية أي مجتمع لا تتحق إلا بإشراك المرأة في جميع مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية؛ فلا يمكن اعتبار أي تنمية مكتملة دون "خطة واضحة لرفع وضع المرأة وتحقيق مشاركتها المتكافئة".
وينتقل إلى المرأة الريفية التي تُعاني من تهميش أكبر مقارنة بالمرأة في المدينة والمجتمعات الحضرية، فالمرأة الريفية تُعيقها إشكاليات في بيئة العمل والتنمية أكثر بكثير مما يُعيق المرأة في المدينة أو الحضر، ويرجع ذلك للأمية والضغوط الثقافية وندرة فرص العمل وعدم توفرها، ويصف المجتمع الريفي بأنه "نموذج اقتصادي تقليدي يعيق المرأة بشكل عام، والمرأة الريفية بشكل خاص، ويقف ضد تحررها ويحصرها في داخل الإطار المنزلي"، على حد قوله.
ويتناول عبده مسألة الوعي السياسي لدى المرأة العربية ومشاركتها في الحياة السياسية، سواء عبر الانخراط في الأحزاب السياسية أو المشاركة في الانتخابات أو التعبير عن آرائها، ويرى أن الوعي السياسي جزء من التحرر؛ إلا أن الوعي السياسي للمرأة العربية ما زال "ضيقاً ومحدوداً"، بسبب العوائق الاجتماعية والثقافية، رغم أن العديد من الدول العربية منحت المرأة حقوقاً سياسية قبل دول غربية كثيرة. ويؤكد أن الوعي السياسي للمرأة يتنامى تدريجياً، إلا أنه يحتاج إلى دعم أكبر ليصبح قوة فاعلة في الحياة السياسية، ويربط بين وعي المرأة السياسي ووعيها بذاتها وقدرتها على التنظيم والعمل والمنافسة.
ويشدد الكاتب على أهمية التعليم كركيزة أساسية وأداة لتحرير المرأة، ويرصد ما يصفه بـ"فجوة التعليم بين الرجل والمرأة في العالم العربي"، ويوضح أن هناك تحديات تواجه المرأة العربية في ملف التعليم مثل العادات الاجتماعية والقيود الاقتصادية، مؤكداً أن ارتفاع مستوى التعليم لدى المرأة يؤدي إلى زيادة مشاركتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية.
ويُطالب بتحسين مستوى تعليم المرأة، وتوفير فرص التعليم العالي لها، الأمر الذي يؤدي إلى رفع وعيها بذاتها ويُحسن من فرص العمل أمامها، ويحذر من وجود بعض التحديات أمام المرأة العربية في ملف التعليم، مثل ارتفاع نسبة التسرب المبكرة من التعليم لدى المرأة، ووجود بعض التمييز ضد المرأة في المجالات الدراسية والفرص المتاحة أمامها، ويدعو الأسرة والمجتمع إلى دعم تعليم المرأة العربية في جميع المراحل.
وعي تربوي
يشدد عبده على أهمية الوعي التربوي للمرأة العربية، ويرى أن التربية والنشأة الأسرية والاجتماعية تشكل وعي المرأة ونظرتها إلى نفسها والعالم، سواء كانت نظرة إيجابية أو سلبية؛ فالعائلة والمدرسة في المجتمعات العربية الحالية يُكرسان لتبعية وخضوع المرأة، ما يعيق تطور شخصيتها واستقلالها، وهي تبعية تدعمها النظرة الذكورية في المجتمع، التي تقلل من شأن المرأة أمام الرجل.
ويرى أن الزواج مسألة اجتماعية تتضمن العديد من المفاهيم الحالية التي تكرس تبعية المرأة، مثل تعدد الزوجات والطلاق والمهر؛ وكذلك العادات والأعراف الاجتماعية السائدة في مجتمعات عربية، التي تجعل الزواج صفقة اقتصادية أو اجتماعية وليس قائماً على الحب والتفاهم والمساواة، ويرفض النظر إلى المرأة على أنها أداة بيولوجية للمُتعة والإنجاب والحياة الأسرية فقط.
وختاماً، يهدف المفكر السوري سمير عبده، في كتابه "المرأة العربية بين التحرر والتخلف"، إلى إحداث تغيير جذري في البُنى الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، حتى تتمكن المرأة العربية من تحرير نفسها من التبعية والهيمنة الذكورية، لتحقيق مساواة حقيقية بين المرأة والرجل، ويدعو إلى إيجاد وعي جماعي بأهمية دور المرأة ومشاركتها الكاملة في بناء المجتمع الذي لن يتقدم إلا عبر مشاركتها وتحررها.