اللسان العربي:

المعنى التقليدي.. وملامح الرؤية المعاصرة

مركز حوار الثقافات

10-04-2025

ربما من الأهمية بمكان أن يبقى الجدل مفتوحاً حول ما إذا كان مفهوم "اللسان العربي المبين" يقتصر على الدلالة على اللغة العربية، بمستوياتها البيانية والبلاغية، أم إنّه يمثل نظاماً بيانياً أوسع، وليس مجرد وسيلة للتواصل.

وردت عبارة "لِسَان عَرَبِيّ مُّبِين"، في سورة الشعراء، في قوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ﴾ [الشعراء: 195]؛ وفي سورة النحل في قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٞۗ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ﴾ [النحل: 103]. وخلص جمهور الفقهاء إلى أنّ مصطلح "اللسان العربي المبين"، يشير إلى اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وهي كذلك لسان الوحي الإلهي. وتناول الفقهاء هذا الطرح في سياقات مختلفة، بداعي أنّ وصف اللغة العربية بالـلسان المبين، يشير إلى وضوحها وفصاحتها، وقدرتها على التعبير عن المعاني بدقة، لما تحمله في طياتها من إعجاز للبشر.

وفي أسباب النزول، قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: "كان رسول الله كثيراً ما يجلس عند المروة إلى مبيعة غلام نصراني -يقال له جبر- عبدٌ لبعض بني الحضرمي، فكانوا يقولون: والله ما يعلم محمد كثيراً ممّا يأتي به إلّا جبر النصراني غلام بني الحضرمي. فأنزل الله: ولقد نعلم أنهم يقولون إنّما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين".

المعنى التقليدي

في مساءلة المعنى، يطرح الاشتباك مع المفهوم تساؤلاً يبدو مشروعاً، حول معنى المفهوم لدى غير الناطقين بالعربية؛ إذ إنّهم بالضرورة لا يدركون هذا الإعجاز اللغوي والبياني بشكل مباشر. وعليه، يرى البعض أنّ هذا المصطلح لا يشير ببساطة إلى اللغة العربية كما نعرفها اليوم، بل يحمل دلالات أعمق تتعلق بالبيان والإيضاح، وتتصل بالنظام الكوني. 

ويمكن هنا التفريق بين "اللسان العربي المبين" واللغة العربية، بداعي أنّ كلمة "لسان" في الآيات القرآنية لا تشير إلى اللغة كوعاء حامل للألفاظ والقواعد، بل تشير إلى القدرة على البيان والإيضاح. وفقاً لهذا الرأي، فإنّ "اللسان العربي المبين" هو نظام بياني فريد، يتميز بالوضوح والقدرة على إيصال المعاني، وهو في بنيته يتجاوز حدود العربية، بوصفه نظاماً صوتياً يحمل الكلمات القرآنية على قلب النبي، وليس بخط مكتوب.

ولا يتعارض مفهوم "اللسان العربي المبين"، بالضرورة، مع وجود عناصر لغوية من لغات أخرى في القرآن الكريم، وهو ما يميل إليه المفكر التونسي يوسف الصديق في كتابه: "هل قرأنا القرآن أم على قلوب أقفالها؟"؛ إذ يرى أنّ القرآن استخدم بعض الألفاظ والمعاني من لغات أخرى، ضمن نظام بياني متفرد.

وحول استخدام القرآن مصطلح "لسان"، وليس "لغة"، فقد يشير ذلك إلى مفهوم أوسع من مجرد اللغة. ففي العربية، يُستخدم "اللسان" للدلالة على الطريقة التي يُعبَّر بها عن المعاني، وليس مجرد اللغة المنطوقة. وبالتالي، يمكن القول إنّ "اللسان العربي المبين"، هو أسلوب تعبير عالمي وليس لغة قوم معينين. ذلك أنّ كلمة "عربي" مشتقة من الجذر "ع ، ر ، ب"، الذي يدل على الوضوح والبيان، وليس بالضرورة على القومية أو العرق.

من هذا المعنى، انطلقت عدة طروحات، ترى أنّ اللسان العربي ليس محصوراً في لغة قريش أو لغة العرب في زمن النبي؛ بل هو منهج بياني استخدمه الله تعالى لبيان الحقائق الإلهية بوضوح، وأنّه طريقة تفكير ومنهج فهم للوجود. وبعبارة أدق فإنّ "اللسان العربي المبين"، هو منظومة فكرية وعقلية لفهم الواقع والتواصل مع الحقائق، وليس مجرد لغة بالمعنى التقليدي. وما يدعم القرآن نفسه تلك الرؤية لأنّه ليس مقتصراً على الألفاظ اللغوية، بل يشمل أيضاً طريقة تفسير الظواهر والسنن الكونية، ما يجعل "اللسان العربي المبين" أوسع من اللغة العربية المتعارف عليها.

الرؤية المعاصرة 

في رؤيته المعاصرة، التي أوردها في كتابه "الكتاب والقرآن"، يرى محمد شحرور أنّ "اللسان العربي المبين" لا يعني اللغة العربية بمفهومها التقليدي، ويعلل رأيه بأنّ لغة الشعر الجاهلي تبقى عاجزة عن استكناه دلالات مفردات وتراكيب نصوص التنزيل؛ وبالتالي، فإنّ اعتماد الفقهاء على الشعر الجاهلي في تفسير القرآن، أدى إلى فهم خاطئ للنصوص. ويرى شحرور أنّ القرآن هو كتاب خطاب، وليس كتاب لغة، وأنّ "اللسان العربي المبين" هو لغة الخطاب التي استخدمها القرآن لإيصال رسالته. ووفقاً لهذا الرأي، فإن فهم "اللسان العربي المبين" يتطلب تحليلاً للخطاب القرآني، وليس مجرد دراسة للغة العربية.

ويرى شحرور أنّ "اللسان العربي المبين" يتعلق بنظام الأصوات الذي نزل به القرآن الكريم، وأنّ هذا النظام الصوتي هو الذي يحمل الكلمات القرآنية. وبالتالي، فإنّ القرآن لم ينزل بلغة قوم، بل نزل بما يناسب الجهاز الصوتي والفطرة الإنسانية؛ وأنّه استعان باللسان العربي، وأخذ منه جذوراً وكلمات، ولكنّه استخدمها بشكل مختلف.

ويوضح شحرور أنّ التنزيل الحكيم جاء ليطور اللغة العربية، بحيث ألغى الترادف في الألفاظ والتركيب، وهو ما لم يعرفه الجاهليون في لسانهم. ومن ثم، فإنّ الإمساك بالخيط اللغوي الذي يربط الشكل بالمضمون عند تأويل آيات التنزيل الحكيم، هو وحده القادر على الوصول إلى المعنى الحقيقي للنص.

وعليه، فإنّ عبارة "اللسان العربي المبين" لا تُشير ببساطة إلى لغة العرب، كمجموعة من المفردات والقواعد النحوية الثابتة، بل تتعلق بنظام بياني دلالي يتجاوز المظاهر الشكلية، حسب شحرور. ففي هذا التأويل يكون اللسان بمثابة الوسيلة التي تُعبّر عن المعاني والحقائق الإلهية، بصورة مفتوحة ومتجددة، تتفاعل مع متغيرات الفكر والثقافة. وبذلك نكون بصدد كيان حي يتشكل من خلال التجربة الإنسانية والتاريخ الثقافي؛ إذ إن اللسان العربي المبين يمثل حالة من الوضوح والبيان تنبثق من عمق التجربة الإنسانية والتواصل مع المقدس.

ويرفض شحرور المقاربة الحصرية التي تربط اللسان العربي بالمحددات التاريخية أو العرقية، فيؤكد أنّ مفهوم "العربي" هنا يمتد ليشمل أسلوباً فكرياً، يتجاوز حدود اللغة الدارجة لدى العرب، فيصبح بذلك مرجعاً عالمياً يمكن للإنسان من مختلف الثقافات أن يستلهم منه معاني وجودية وفلسفية.

ويرى شحرور كذلك أنّ الإعجاز في اللسان العربي يكمن في مرونته وقدرته على التجدد؛ إذ يمكن للنصوص القرآنية أن تحمل معاني متعددة تتفاعل مع سياقات ثقافية وفكرية مختلفة، ممّا يبرز جانب الإبداع اللغوي والرمزي الذي يجعل منها مصدر إلهام للتفكير النقدي. كما أنّ فهم "اللسان العربي المبين" لا يكتمل إلا بوجود قارئ أو متأمل، قادر على الدخول في حوار مع النص، الأمر الذي يجعل العملية التأويلية تجربة تفاعلية تجمع بين الإرث الثقافي والخبرة الشخصية. وهذا التأويل التفاعلي يُعيد تعريف العلاقة بين المتلقي والنص، بحيث يصبح كلاهما مشاركين في بناء معاني جديدة تتناسب مع متطلبات العصر.

مفهوم اللسان

من جهته، يكشف المفكر السوري سامر إسلامبولي عن مساحات جديدة للمعنى، ليكشف أنّ مفهوم اللسان العربي المبين لا يُختزل ببساطة في اللغة العربية المعاصرة أو لهجة قريش، بل هو نظام بياني أصيل نشأ مع الإنسان منذ بداياته، فهو النظام الصوتي الذي انبثق استجابةً لتفاعل الإنسان مع بيئته، فكان التعبير الصوتي للفطرة الإنسانية. 

ومن هذا المنطلق، يقوم بضبط بعض المفاهيم كالتالي: 

- اللسان الطبيعي: هو مجموعة الأصوات والأنماط البيانية، التي تميز الإنسان في تفاعله مع الواقع.

- التحول والتطور: مع انتقال الإنسان إلى مناطق مختلفة، وتعرضه لتأثيرات ثقافية ولغوية متنوعة، بدأت تظهر لهجات وألسنة تختلف عن الأصل، ممّا جعل اللسان اليوم الذي يستخدمه الناس، يتباعد عن اللسان الذي نزل به القرآن.

ويرى سامر إسلامبولي أنّ التنزيل الحكيم نزل "بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ"، بمعنى أنّ الله اختار هذا النظام البياني الذي يتصف بدقة علمية ومتانة دلالية، ليكون وسيلة إيصال الرسالة الإلهية إلى الإنسان، وفق عدة آليات أبرزها التفرد في الصياغة؛ فالنص القرآني لم يستخدم لغةً عادية أو لهجة قومية، بل صاغ معانيه بأسلوب علمي كوني يخلو من التباس المجاز والترادف. 

ويلفت إسلامبولي إلى أنّ اللسان العربي المبين، هو نظام صوتي فطري، له جذور كونية وترتبط بنشأة الإنسان وتفاعله مع الطبيعة. هذا اللسان يمثل الحالة المثالية للبيان، أي التعبير الدقيق عن الحقائق الوجودية؛ بينما اللغة العربية المعاصرة أو لغة الأقوام، هي نتيجة تطور تاريخي وثقافي معقد، تأثرت بعوامل جغرافية وثقافية ونمط حياة معين، وقد شهدت اختلافات، تسببت في ظهور ما يسمى بالألسنة الأعجمية.

وختاماً، في هذا الإطار تبدو الحاجة ماسة إلى إعادة قراءة النص القرآني بمعاييره الأصلية؛ أي النظر في أنّ "اللسان" الذي نزل به القرآن هو لسان علمي كوني فطري، يتميز بدقة في إسقاط معانيه على الواقع، وهذا التوجه يُسهم في فهم أعمق للقرآن باعتباره منظومة لغوية، غير قابلة للتحريف عبر الزمن، ويؤكد أنّ الصفات اللغوية في النص الإلهي لا تتأثر بعوامل التغيير الاجتماعي والثقافي.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة