القرآن والمرأة:

الحرية والقوامة المتبادلة ومدنية الزواج

مركز حوار الثقافات

12-01-2025

في كتابه "القرآن والمرأة: حقوقها وواجباتها وآدابها ومركزها في الدولة والأسرة والمجتمع"، يؤكد المفكر الفلسطيني الراحل محمد عزة دروزة (1888-1985) أن القرآن والسُّنَّة هما أصل الشريعة الإسلامية ومرجعها؛ إذ يشتملان على المبادئ والقواعد التي تكفي لسد كل حاجة تتصل بالإنسان، سواء كان فرداً أو جماعة ومن ضمنها المرأة المسلمة وشؤونها؛ والسُّنَّة نفسها لا تخرج في جوهرها عن القرآن الكريم ولا خطوطه العامة والخاصة، وهي بمثابة شرح وتفسير لما جاء في القرآن الكريم، الذي يحتوي آيات وفصولاً كثيرة في المرأة وحقوقها وآدابها وواجباتها، وترسم ما يجب على المسلم فعله فيما يخص المرأة، الأمر الذي يجعل من القرآن مرجعية لما يخص المرأة المسلمة.

ويذهب دروزة في كتابه إلى التأكيد على حقوق المرأة ومدنية الزواج، إضافة إلى توضيحه مسائل ملتبسة مثل تعدد الزوجات؛ إذ يرى أن المسلمين استغلوه بشكل سيئ، دون مراعاة أوامر القرآن ونواهيه وتفضيله بل حظره تعدد الزوجات بشكل صريح؛ كما أن القوامة التي أقرها القرآن هي قوامة متبادلة بين الرجل والمرأة التي أعطى لها القرآن، إضافة إلى حياتها المستقلة، حرية اختيار زيها وفقاً للآداب والقواعد العامة المرتبطة بعصرها ومجتمعها.

 مكانة متردية

يعرض الكاتب لمكانة المرأة قبل الإسلام، ويصفها بـ"الوضع المتدني"، مقابل وضع الرجل ومركزيته في الأسرة والمجتمع، فهو "قوّام الأسرة وربُّها والمسؤول عن حياتها ورزقها وشؤونها وسلامتها، وهو المكلف بالحرب والمطالبة بالثأر، والمخاطب في المسؤوليات الاجتماعية"، بينما المرأة لا تتجاوز كونها تابعاً له منسوبة إليه ومسيّرة بأمره تنفذ مطالبه ورغباته.

ويقول دروزة عن المرأة قبل الإسلام، إن ولادتها مكروهة بدرجة تجعل بعض الآباء يلجؤون إلى وأد بناتهم أحياء للتخلص منهن ومن رزقهن أو متاعبهن، أو لدفع الأمهات إلى قتل بناتهن سواء جبراً، أو تفادياً لغضبة أزواجهن من إنجابهن بنتاً؛ ولم يكن للمرأة حق في الإرث، سواء كنَّ "أمهات أو زوجات أو بنات أو أخوات"، ولم يكن لها حق في الكسب والتصرف بما تملكه، ودائماً ما كانت تُحرم مما تملك.

ويؤكد الكاتب أن المرأة قبل الإسلام لم يكن لها حقوق زوجية، فلا اعتراف بأنها شريكة في شراكة زوجية متبادلة، وكانت موضع اضطهاد وابتزاز، وكان الرجال يحرصون على الاستيلاء على ما لدى المرأة من مال وممتلكات، فإذا عجزوا يستخدمون الطلاق وسيلة ابتزاز لأموالهن، أو استعادة ما أعطوه لهن من مهور، أو افتداء أنفسهن عبر تطليقهن، أو تركها معلقة سواء عبر الظهار بأن يحلف عليها بأنها عليه كظهر أمه، أو يحلف على عدم معاشرته لها، فتتحول المرأة إلى محرمة عليه مع بقائها معلقة في عصمته، لا هي زوجة ولا هي مطلقة، حسب قوله.

ويُضيف دروزة بأنه رغم الوضع المتردي للمرأة قبل الإسلام، فإنها لم تكن فاقدة الأهلية والشخصية بشكل كامل، ولم يخلُ المجتمع العربي قبل الإسلام من وجود نساء لهن مكانة بارزة في المجتمع، ولم يكن بعضهن في عزلة عما يجري في المجتمع العربي من أمور خطيرة يشارك بعضهن فيها.

 الإسلام والمرأة

يوضح الكاتب أن الإسلام في عهده النبوي الأول، وفي إرهاصاته، وقبل انتشاره، أقر أهلية المرأة الكاملة، ونزل بها نص صريح في القرآن الكريم؛ إذ أقر الإسلام لأول مرة في التاريخ بيعة المرأة واعتبرها حقاً من حقوقها. بل إن القرآن يُخبر النبي بقبول بيعة النساء، كما في قوله سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ يُبَايِعۡنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشۡرِكۡنَ بِٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡرِقۡنَ وَلَا يَزۡنِينَ وَلَا يَقۡتُلۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ وَلَا يَأۡتِينَ بِبُهۡتَٰنٖ يَفۡتَرِينَهُۥ بَيۡنَ أَيۡدِيهِنَّ وَأَرۡجُلِهِنَّ وَلَا يَعۡصِينَكَ فِي مَعۡرُوفٖ فَبَايِعۡهُنَّ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُنَّ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [الممتحنة: 12]، الأمر الذي يُعد إقراراً كاملاً بأهلية المرأة وشخصيتها وكيانها المستقل ومساواتها للرجل.

والخطاب القرآني، الذي يتصف بالشمولية، لا يفرق بين الرجل والمرأة في التكليفات والعبادات؛ إذ إن الخطاب القرآني "شمل الرجل والمرأة على السواء دون أي تفريق وتمييز، وهي حقيقة من كبريات الحقائق القرآنية التي لا يشوبها أي شائبة أو غموض"، حسب قول دروزة، الذي يؤكد أن القرآن في عديد من آياته ساوى بشكل واضح في خطابه بين الرجل والمرأة؛ في واجب الإيمان، وفي واجب العمل الصالح، وواجب الاستحقاق، كما في قوله تعالى: ﴿فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ...﴾ [آل عمران: 195]، وقوله سبحانه: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [النحل: 97].

ويرى دروزة أن القرآن الكريم أعطى خصوصية للمرأة واعتنى بها عناية عظيمة، استهدفت حماية المرأة وتنظيم مركزها، في الأسرة وفي حياتها الزوجية وفي المجتمع، تنظيماً اشتمل على عطف ورعاية، ويضمن لها منع ما كان يقع عليها من جور وظلم وانتقاص، مثل تعظيمه الرابطة الزوجية وقدسيتها وتأكيده حسن المعاشرة والمعروف، ومثل عدم التعدي على إرثهن أو بمنعهن من الزواج، مستشهداً بالآية الكريمة: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرۡهٗاۖ وَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ لِتَذۡهَبُواْ بِبَعۡضِ مَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ...﴾ [النساء: 19].

 المدنية والتعدد 

يؤكد دروزة أن الزواج في الإسلام زواج مدني لا علاقة له بمراسم دينية أو كهنوتية، بل هو عقد مدني قائم على الإيجاب والقبول والرضا بين الطرفين، الزوج والزوجة؛ ويخلو القرآن الكريم، كما تخلو السنة، من وجود ما يفيد بأن الزواج في الإسلام يجب أن يتم وفق مراسم دينية وكهنوتية، وكما أن الزواج في الإسلام مدني عند الكاتب، فإن باقي إجراءات الزواج أو الانفصال واستيفاء الحقوق هي إجراءات مدنية، ولا ينفي ذلك ولاية الأب في عقد زواج ابنته البكر، التي يرى أنها "رعاية مرورية"، وهي ولاية لا تُنقص من حق ابنته في الموافقة أو حقها الكامل في قبض مهرها والتصرف فيه وفق ما تشاء.

ويذهب الكاتب إلى القول بالاكتفاء بزوجة واحدة؛ إذ يرى أن القرآن رغم تقييده تعدد الزواج الذي كان دون عدد قبل الإسلام، فقيده بأربع، فإنه أمر بشكل صريح بالاكتفاء بزوجة واحدة، بل كاد أن يحظُر تعدد الزوجات؛ بل هو "يحظره فعلاً في حالة خشية الجور الذي يغلب التعدد"، وربط بين التعدد وبين العدل في قوله تعالى: ﴿فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً...﴾ [النساء: 3]، فحظر التعدد ونهى عنه بنص القرآن الصريح: ﴿وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ...﴾ [النساء: 129]، لافتاً إلى سوء استخدام المسلمين التعدد دون مراعاة أوامر القرآن ونواهيه، حسب قوله.

 قوامة متبادلة

يوضح الكاتب أن القوامة في القرآن هي قوامة متبادلة بين الرجل والمرأة، وأن التفضيل الوارد في القرآن هو تفضيل مرتبط بالإنفاق وبالظروف الاجتماعية التي تُعطي للرجل دون المرأة القدرة على العمل والكسب؛ فالقرآن ربط بين القوامة وبين الإنفاق، وهي قوامة قيدها القرآن بحرصه على رعاية المرأة وحسن معاشرتها وإنصافها، وهي قوامة مرتبطة بمحدودية الحياة الزوجية دون باقي مناحي الحياة الأخرى. كما أن القرآن أقر القوامة المتبادلة بين الرجل والمرأة؛ إذ أقر بواجبات وحقوق كل منهما على الآخر.

وتتمثل القوامة المتبادلة التي أقرها القرآن، في الآية الكريمة: ﴿... وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ...﴾ [البقرة: 228].

 وختاماً، يرى دروزة أن القرآن الكريم لم يفرض زياً بعينه على المرأة المسلمة، بل ربط بين زي الرجل والمرأة بآداب الاحتشام وتفادي الإغراء والفتنة، وهو خطاب قرآني خاص بالرجال والنساء؛ ويرى أن حديث القرآن عن الخمار حديث عن زي سائد في ذلك الوقت، وليس زياً مستحدثاً، كما أن القرآن أعطى للمرأة حرية اختيار زيها "مع مراعاة الاحتشام وعدم التبذل والتبرج"، دون فرض زي بعينه؛ بل الشرط تحقيق الاحتشام ومراعاة الآداب العامة وتجنب الفتنة والإغواء، وهو خطاب قرآني للرجل والمرأة على السواء.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة