الفكر العربي:

أزمة الانتماء وصراع الوافد والموروث

مركز حوار الثقافات

22-06-2025

في كتابه "أزمة الفكر العربي"، يواجه المفكر الفلسطيني إسحاق موسى الحسيني (1904-1990م)، الجمود والتناقض في البنية العقلية والثقافية العربية، راصداً أزمة الانتماءات في العالم العربي، ورابطاً بين الهوية والعروبة التي يرى أنها "ليست انتماءً بيولوجياً أو عرقياً، بل هي انتماء ثقافي وحضاري".

تأرجح الانتماء

يوضح الحسيني أن هدفه الرئيس هو "الرغبة في التنبيه على مظاهر الخلل والانغلاق التي تعانيها أوجه عديدة بالثقافة العربية المعاصرة"، ويستخدم منهجية التحليل العقلي والتاريخي لرصد هذه المظاهر؛ موضحاً وجود رابطة عضوية بين "اللغة العربية والهوية الفكرية"، ويذهب إلى وجود أزمة تضرب الفكر العربي المعاصر، تتمثل في الجمع بين "التقاليد والمستجدات"، أو على حد وصفه "الصراع بين القديم الموروث والجديد الوافد"، ما يُمزق العالم العربي بين عالم الثقافة التقليدية، وعالم جديد مفروض عليه بسبب وسائل الاتصال والتأثير الثقافي الحديث.

ويرى الكاتب أن من بين الأزمات التي يُعانيها الفكر العربي المعاصر، عدم مواكبة العصر من الداخل وعدم تطوير أدوات فكرية لاستيعاب العصر؛ ويفكك هذه الأزمة ويردها لسببين رئيسيين هما:

- الافتقار إلى وضوح الهوية الفكرية: فالعالم العربي لا يعرف ماذا يريد بدقة، فهو يتأرجح بين الانتماء الكامل للحداثة الغربية وبين البقاء في الماضي، وأحياناً يسعى إلى الجمع بين النقيضين، ما يتسبب في وجود تيارات غير منسجمة ومتصارعة داخل الثقافة العربية.

- أزمة تقليدية اللغة العربية: تحولت اللغة العربية، بما تحمله من تراث، إلى أداة فكرية تقليدية، لا تُسهم في التعبير عن المفاهيم الحديثة، وهي في حاجة ماسة إلى إحداث تغييرات وتحديثات في بنيتها.

ويرفض الحسيني الأنظمة التعليمية العربية التي تُكرس التلقين بدلاً من النقد، وتُخرج أجيالاً تحفظ أكثر مما تفكّر، ما يعمّق الفجوة بين العقل العربي والعصر الحديث، إضافة لـ"الخوف من الحرية الفكرية"، الذي يتسم به الفكر العربي المعاصر بسبب تراكم موروث اجتماعي وديني لا يتيح للمثقف العربي أن يتحدث أو يفكر بحرية، فيؤثر سلباً في تطور الفكر النقدي والإبداعي، حسب قوله.

رابطة حضارية

ويفسر الكاتب مسألة العروبة، فلا يكتفي بتعريفها اللغوي أو التاريخي، لكن يبحث في الأصول الثقافية واللغوية والاجتماعية، للوصول إلى معرفة حقيقة مفهوم "العروبة" وعلاقته بالهوية؛ حيث يرى أن الهوية العربية لا تقتصر على الدم والنسب، بل هي ثقافة وانتماء حضاري. فالعروبة تتجاوز الانتماء الجغرافي أو العرقي، وهي رابطة ثقافية وإنسانية وحضارية، كما أن العروبة "مشروع فكري جامع، لا يمكن أن يُختزل في اللغة أو في العِرق"، خصوصاً أن العالم العربي ضم عرقيات غير عربية دخلت في الفضاء الثقافي العربي، فصارت جزءاً من "العروبة الحضارية" عبر الثقافة واللغة، وفق قوله.

ويوضح أن اللغة العربية لم تكن محصورة ومقيدة، بل كانت منفتحة ودائمة التوسع والاقتراض والتأثر؛ وبالتالي، فالعروبة ليست جداراً صُلباً، بل هي كيان ديناميكي متحرك وحي. ويؤكد الكاتب أن العروبة هوية ثقافية، لا علاقة لها بالعِرق، فالعروبة "ليست عرقاً بيولوجياً"، بل هي هوية مكتسبة مؤسَّسة على اللغة والثقافة والانتماء الحضاري، لا سيما وأن "العرب الحديثين نتاج تلاقُح شعوب مختلفة تعرّبت عبر القرون". 

ورغم أنهم لم يفقدوا أصولهم العرقية أصبحوا "عرباً بالهوية والتعبير الحضاري"، وينتقد ما وصفه بـ"عبادة الأنساب" أو ما يقصد به "الهوس بانتساب العائلة أو القبيلة إلى أصول عربية صافية"، ويرى أنه أمر "يتسبب في إقصاء كثير من العرب الحقيقيين بالثقافة، ويُسهم في ترسيخ مفاهيم عنصرية موروثة لا علاقة لها بالمواطنة أو الإنتاج الثقافي".

أسلمة العروبة

يُفرق المؤلف في كتابه بين الإسلام والعروبة، فهما دائرتان غير متطابقتين، فليس كل مسلم عربياً، وليس كل عربي مسلماً، فالعروبة شيء والإسلام شيء آخر، وإن اجتمع الإسلام والعروبة تاريخياً في أحيان كثيرة، لا سيما أن الإسلام كان قوة توحيد ثقافي ضمن إطار العروبة، ما يجعله يرى وجود علاقة بين الإسلام والعروبة يصنعها ذلك الإطار التوحيدي. إلا أنه، في الوقت نفسه، يُحذر من استغلال الدين في المشروعات القومية عبر تعريب الإسلام أو أسلمة العروبة، ما يُهمش غير العرب في الثقافة والحضارة العربية رغم دورهم المحوري.

يقول الكاتب، إن سؤال العروبة ما زال مطروحاً في ظل التحديات المعاصرة، فالعرب في حاجة مُلحَّة إلى تعريف جديد لهويتهم، لا يعتمد على الماضي فقط، بل يتعامل مع الحاضر والمستقبل على أساس المواطنة والمشاركة والانفتاح الثقافي.

معيار الانتماء

يرى الحسيني أن اللغة ليست معياراً للانتماء القومي والفكري، رغم أنها وسيلة لنقل الهوية العربية، ما يجعله يسعى لـ"مراجعة العلاقة بين اللسان والهوية"، لا سيما وأن اللغة لم تعد الأداة الوحيدة للتعبير عن الانتماء، فاللسان وحده غير كافٍ لتمثيل العروبة الثقافية، بل يجب تبني القيم والمفاهيم الحضارية للعروبة؛ كما يرفض ما وصفه بـ"التقديس المفرط للغة العربية"، ويدعو إلى تطوير اللغة العربية حتى تتمكن من التعبير عن المفاهيم العلمية الحديثة والفكر الفلسفي المعاصر، خصوصاً أن اللغة العربية كانت في الماضي لغة حضارة وتطور، بينما تعاني حالياً من الجمود، رافضاً المزاوجة بين الفصحى والعامية، ويرى أنها تسبب التباعد بين الطبقة المثقفة والعامة، وهو تباعد يتسبب في مزيد من ضعف التواصل الفكري الثقافي.

ويُندد الكاتب ببعض الدعوات إلى استخدام الحروف اللاتينية بدلاً من العربية؛ إذ الحروف العربية ترتبط عنده بالهوية والتاريخ والانتماء الحضاري، ويعتبرها رمزاً حضارياً وثقافياً، فبها كُتب القرآن الكريم، وبها دُوّنت العلوم والفلسفة والشعر طوال التاريخ، وتغيير الحروف العربية هو تنازل عن مكون رئيس من الذاكرة الجمعية العربية وتقليد للغرب في الشكل دون الجوهر، ومظهر من مظاهر التبعية الثقافية، يؤدي إلى فقدان التوازن والانفصال عن الجذور، لذا يدعو إلى تطوير اللغة العربية من داخلها لا من الخارج.

العقل العربي

ينتقل الحسيني إلى العقل العربي، الذي يرى أنه يُعاني أزمة أسبابها تكمن في طريقة عمله؛ فالعقل العربي المعاصر لديه بعض الخصائص التي تسهم في ركوده الفكري والثقافي والحضاري، مثل الركون إلى التقليد والنقل، وهو الأمر الذي تسبب في تلاشي القدرة على النقد والابتكار، إضافة إلى سمة سلبية أخرى من سماته هي "الافتتان بالماضي"، الذي أصبح عبئاً نفسياً يُقيد الحاضر. كما أن من أسباب أزمة العقل العربي ميله إلى الجدل اللفظي، دون النقد والتحليل والفعل العملي، إضافة إلى همينة العاطفة على التفكير العقلي دون التحليل المنطقي، حسب قوله.

وختاماً، فإن أزمة الفكر العربي، حسب المفكر الفلسطيني إسحاق موسى الحسيني عبر مؤلفه "أزمة الفكر العربي"، تتعلق بإدراك الذات وصياغة مفاهيم الانتماء والتجديد والعروبة، لافتاً إلى أن العروبة كيان حضاري قابل للتجديد، عبر إعادة تأهيل ثقافي يحرر الفكر العربي من الجمود والتقليد، ويوجهه إلى الإبداع والانفتاح، ما يُعيد الفاعلية الحضارية للعالم العربي بعيداً عن التبعية والانغلاق.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة