يتناول المفكر الليبي خالد إبراهيم المحجوبي، في كتابه "الفكر الديني بين تحديات التجديد وآثار الحداثة"، إشكالية التجديد الديني وعلاقته بالحداثة، ويرى أنها إشكالية مركبة تحتاج إلى النقد العلمي والتفكيك المنهجي والتحليل الدقيق، ويؤكد أن التجديد الديني ليس خياراً ثقافياً طارئاً، بل ضرورة دينية ومعرفية ومطلب شرعي يجب أن يراعي التطورات التاريخية والواقع المُتغير، ويوضح طبيعة الفهم البشري للوحي، وخضوعه للظروف التاريخية والسياقات الاجتماعية، وجاهزيته وقبوله للتغير والاجتهاد.
إشكاليات معقدة
يصف المحجوبي التجديد الديني بالإشكاليات المعقدة، التي تتضمن العديد من المحاور مثل طبيعة الدين والتجديد، واحتياج الدين للتجديد وحدود هذا التجديد، ومن الذي يقع على عاتقه مُمارسة التجديد؛ ويرى أنه رغم حضور التجديد الديني في "المشهد الثقافي" فإنه حضور لا يخلو من التشويش والغموض. ويذهب إلى أن "التجديد المطلوب" لا يجب أن يكون هدماً للدين، بل استعادة لفاعليته.
ويرى الكاتب أن هناك سوء فهم عميق لتاريخ الفكر الديني وعلاقته بالحداثة، ما يوجد حاجة إلى فهم عميق لتجذر الدين في الاجتماع العربي الإسلامي، وموقعه من قلب الحداثة لا على هامشها؛ رافضاً ما يصفه بـ"الانزلاق إلى إعادة إنتاج الخطاب القديم بشكل حديث المظهر، دون تغيّر جوهري".
ويستخدم المؤلف التحليل النقدي لماهية الفكر الديني وتحولاته، إضافة لمفاهيم التجديد الديني والحداثة وآثارهما المتبادلة، ويميز بين ما هو أصيل وما هو موروث، وبين ما هو طارئ وما هو عابر.
ويُفرق الكاتب بين "الدين" و"الفكر الديني"، فالدين هو "الوحي أو النص المؤسس"، بينما الفكر الديني هو "تمثل بشري لهذا النص وتاريخ تأويله"؛ لذا، فإن الفكر الديني خاضع للتغير، والاجتهاد، والتأثر بالسياقات التاريخية، ولا يمكن إعادة النظر في الفكر الديني إلا "ضمن إطار شامل يعترف بتعدد الدلالات والسياقات".
ويقسم المحجوبي "الفكر الديني" إلى مراحل تاريخية أربعة:
- المرحلة التأسيسية في صدر الإسلام: التي كان فيها الفكر الديني امتداداً مباشراً للوحي.
- مرحلة التدوين: وهي المرحلة التي ظهر فيها علم الكلام والفقه وأسس التفسير.
- مرحلة التقليد: وهي الفترة التي أصيب فيها الفكر بالجمود.
- مرحلة الاستئناف الحديث: وهي المرحلة التي بدأت فيها الدعوات إلى التجديد الديني.
يقول المؤلف إن الفقهاء والمفسرين لم يكونوا مجرد نقلة لما سبقهم، بل كانوا مؤولين ومجتهدين، الأمر الذي يؤكد "تاريخية الفكر الديني"؛ ويرى أن الفكر الديني وقع في العديد من المآزق التاريخية، مثل التنازع الطائفي والمذهبي، والجمود الفقهي وتضخم الفروع الفقهية على حساب المقاصد الكلية؛ وهذه العيوب في الفكر الديني لم يكن سببها النصوص، بل بسبب التأويل الخاطئ والاستخدام التاريخي لها.
التجديد العقلاني
يؤكد الكاتب أن التجديد مطلب ديني شرعي في حد ذاته، والتجديد لا يعني المساس بالعقيدة الثابتة والصحيحة؛ بل هو "مراجعة بشرية للفهم البشري وليس للوحي ذاته"، والتجديد لا يهدف نسف التراث، ولكن يسعى إلى استنطاقه وتفعيل إمكاناته الكامنة في السياقات الراهنة. ومن ثَم، يضع للتجديد واستنطاق التراث معايير منها: الوعي بمقاصد الشريعة، وإدراك المتغيرات الزمنية والتاريخية والطارئة، والانفتاح على العلوم الاجتماعية الحديثة.
ويضع المحجوبي للتجديد مستويات ثلاثة:
- التجديد المنضبط: الذي يرتكز على النصوص المقدسة والمقاصد الكلية، ويستفيد من الموروث، ويرى أنه هو "التجديد المطلوب".
- التجديد المنفلت: الذي يُخضع النصوص المقدسة والدينية للفكر الغربي الحداثي دون ضوابط أو نقد أو فهم.
- التجديد الوهمي: الذي هو تكرار القديم في قوالب جديدة، دون مضمون تجديد حقيقي أو جوهري.
يقول الكاتب إن للتجديد سياجات لا يجب تجاهلها أو تجاوزها، مثل: المقاصد الكبرى للشريعة، والنصوص القطعية في العقيدة والعبادات، ووحدة الأمة الإسلامية. واستخدام العقلانية والمنهجية الرصينة يمكن من تحقيق التجديد المطلوب، وتجاوز عوائق التجديد كالجمود وغلبة الحرفية، والتخوف من التجديد، ومواجهة الاستعمار الثقافي، وتغلغل الفكر التجريبي وضغط العولمة.
تأثيرات إيجابية
يُطالب المحجوبي بتحليل الحداثة باعتبارها "مشروعاً تاريخياً ومعرفياً له منجزاته وأخطاؤه"؛ والحداثة بوصفها بنية ثقافية لم تعد تقتصر على الغرب فقط، بل أصبحت "عابرة للثقافات"، والتعامل معها أصبح "ضرورة حضارية لا ترفاً فكرياً"، والتفاعل بينها وبين الفكر الديني ليس تفاعلاً سلبياً بشكل دائم، بل تفاعل يتضمن التأثير والتأثر، لا سيما أن الحداثة ليست التغيرات المظهرية؛ بل هي مشروع فكري واجتماعي وسياسي تأسس على محاور كبرى، هي:
- العقلانية بدلاً من المرجعيات الميتافيزيقية.
- الفردانية، أو "الفردية"، بوصفها مركز الكينونة الاجتماعية والوجود الاجتماعي ومحوره.
- العلمانية التي فصلت الدين عن السياسة والمجال العام.
- العلم والتقنية الحديثة كوسائل للسيطرة على الطبيعة وتيسير حياة الإنسان.
ويؤكد أن الحداثة "خطاب قابل للتفكيك والمساءلة"، يمكن من خلال نقده تجاوز الاستقطاب الحاد بين من يقدسون الحداثة ومن يرفضونها بالكامل.
يوضح الكاتب أن الحداثة لها تأثيرات ملحوظة وقوية وإيجابية على الفكر الديني، مثل:
- تحرير الوعي من التقديس الأعمى للتراث: بتفكيك حالة الانغلاق الفكري الذي أحاط بالتراث، ما أدى إلى إعادة النظر فيه عبر أدوات نقدية حديثة.
- إعادة الاعتبار إلى مفهوم الاجتهاد: إذ دفعت الحداثة إلى تجديد أدوات الفهم والتحليل والبحث، ما أدى إلى فهم جديد للنصوص الدينية، ارتكز على المقاصد العامة والسياقات التاريخية، مع رفض التكرار الحرفي للموروث، فعاد للاجتهاد مكانته بعض فترات الجمود.
- الانفتاح على العلوم الإنسانية: التفاعل مع الحداثة مكَّن الفكر الإسلامي من الاستفادة من العلوم الإنسانية الحديثة، مثل السوسيولوجيا والإبستمولوجيا والنقد التاريخي والعلمي، ما أحدث نقلة نوعية في طُرق وأساليب البحث الديني.
- ظهور تيارات إصلاحية جديدة: التعاطي مع الحداثة تسبب في ظهور العديد من المفكرين الحداثيين الإسلاميين، مثل مالك بن نبي (1905 - 1975م)، ومحمد أركون (1928 - 2010م)، وحسن حنفي (1935 - 2021م)، وغيرهم من الذين أسسوا لخطاب ديني جديد يربط بين العقل والوحي، دون الوقوع في دائرة التقليد أو الاستلاب المعرفي.
الحداثة والتجديد
رغم تأكيد المحجوبي على العلاقة الإيجابية بين الحداثة والتجديد الديني، يُحذر من الاستخدام المفرط لأدوات الحداثة، حتى لا يؤدي إلى "تقويض المرجعية الدينية وسحب الثقة منها دون بدائل واضحة"، الأمر الذي يتسبب في "فوضى تأويلية" مرفوضة، ويرفض إخضاع النصوص المقدسة ذاتها للنقد التاريخي، دون مراعاة لخصوصيتها الدينية؛ بينما يسمح بالنقد التاريخي لتأويلات النصوص الدينية المقدسة، كما يرفض حالة الانبهار الأعمى بالغرب ما يؤدي إلى حالة من "استلاب ثقافي وحضاري".
ويضع شروطاً هامة للتجديد الديني، مثل الوعي النقدي والتمسك بالهوية و"رغبة صادقة في المساهمة وليس التلقي السلبي"، لا سيما أن الفكر الديني لا يمكن أن يبقى ساكناً دون حراك؛ فـ"قوافل العالم تتقدم من حوله"، والإسلام يحمل في داخله طاقات متجددة، لكنه بحاجة إلى فكر يقظ ونقدي لا يخلط بين قداسة الدين وتاريخية الفكر الديني.
وختاماً، يؤكد المفكر الليبي خالد إبراهيم المحجوبي، في كتابه "الفكر الديني بين تحديات التجديد وآثار الحداثة"، على قابلية الفكر الديني للتجدد، ويربط بينه وبين الحداثة النقدية، ويدعو إلى مراعاة المقاصد الكلية والسياقات التاريخية في فهم النصوص، ويصف التجديد بأنه مشروع عقلاني، ويحذر من عوائق التجديد الديني مثل الجهل والخوف من التغيير والاستلاب الحضاري، ويدعو إلى التجديد الديني باستخدام الحداثة وأدواتها، وعلى رأسها النقد العقلي والعلوم الإنسانية الحديثة، ما يؤدي إلى تجديد ديني منفتح يُعيد للفكر الديني وللإسلام قدرته على التفاعل النقدي مع متغيرات العالم.