العقل والضمير:

جدلية التطور الأخلاقي في التكوين الإنساني

مركز حوار الثقافات

08-12-2025

يبحث المفكر العراقي سعدون حمادي (1930-2007م)، في كتابه "العقل والضمير: نظرات في الإنسان والتطور"، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1997م، في المفاهيم المحورية التي تتعلق بالإنسان وطبيعته، من خلال وجهة نظر ومنظور تطوري، يركز خلالها على ثنائية العقل والضمير، باعتبارهما عنصرين يتفاعلان معاً حتى يُشكلا جوهر الإنسان وسلوكه. 

ووفق هذا المنظور، يستعرض العلاقة بين التطور البيولوجي والنفسي للإنسان، ويبحث في كيفية تشكل الوعي والضمير الأخلاقي كنتاج تطوري معقد، يسعى من خلاله إلى فهم الإنسان وطبيعته بجوانبها عبر تطوره الذهني والخلقي. وفي سبيل تحقيق ذلك، يلتزم خطاباً علمياً وفلسفياً بين العقل والضمير ويتتبع مسيرتهما المُعقدة، ككيانين متداخلين يشكلان الهوية الإنسانية عبر مراحل التطور.

 قدرات العقل 

يتناول حمادي العقل كمفهوم، ويعرفه بأنه "وظيفة ذهنية تُمكن الإنسان من إدراك الواقع وتفسيره، وتعتبر مركز التفكير، والمعرفة، والحكم النقدي". والعقل، وفقاً له، نتاج تفاعل مستمر وتطور، وليس كياناً ثابتاً؛ فيربط بين العمليات الإدراكية للعقل، وبين العوامل البيولوجية والحيوية التي تطورت لتدعم بقاء النوع الإنساني وتقدمه ومسيرته التطورية؛ مؤكداً على دور العقل في صياغة المعرفة والمنهجية التي يستخدمها الإنسان لفهم العالم. 

ويوضح أن العقل البشري يتسم بالمرونة والقدرة على التطوير المستمر، مضيفاً أن العقل هو سبب التمايز بين الإنسان والكائنات الأخرى، ونقطة التحول الأساسية في الإنسان تكمن في العقل، وملكته الذهنية التي تمكنه من التفكير والتحليل والاستنتاج وتجاوز نطاق الغرائز. وبالرغم من أن الغريزة تمثل قوة بيولوجية دافعة، ومحركاً أساسياً للكائنات الحية، فإنها تظل مقيدة بحدود البقاء والتكاثر، بينما يُمثل العقل أداة التحرر من هذه القيود؛ فالعقل له قدرة على فهم واستيعاب المفاهيم التي لا ترتبط بالواقع المادي بشكل مباشر، مثل القيم والأخلاق. 

 الضمير الإنساني

ينتقل الكاتب إلى تعريف مفهوم الضمير الإنساني، ويرى أنه "الشعور الداخلي الذي يوجه السلوك الأخلاقي، ويقيم الصواب والخطأ من وجهة نظر فردية وجماعية"؛ ويُعرف الضمير بأنه "مقولة أخلاقية" تشكلت عبر مراحل التطور الاجتماعي. وهو يُعطي للضمير وظيفة أساسية هي "تنظيم السلوك داخل المجتمع"؛ ويرفض وجهة النظر التي ترى ثبات الضمير، ويعطي له صفة التغير حسب السياقات التاريخية والثقافية، مؤكداً على أن الضمير هو محرك مركزي لضبط النفس والوفاء بالمسؤوليات الأخلاقية. 

ويربط حمادي الضمير بتطور القدرات العقلية، التي بدورها تؤدي إلى تطور الإدراك الأخلاقي؛ فالعقل البشري بتطوره لم يعد يكتفي بالبقاء، ومع تطوره عمل على صياغة منظومات قيمية وقواعد أخلاقية هدفها تنظيم السلوك الفردي والجماعي، الأمر الذي يُسهم في تكوين مفهوم الضمير، وقدرته على أن يتجاوز مصلحة الإنسان المباشرة من أجل القيم العُليا، أو المصلحة الجماعية؛ خصوصاً أن الضمير يمثل "ذروة التطور الفكري"، من حيث قدرته على الفصل بين المصلحة الشخصية والجماعية والقيم العليا.

 العقل والضمير

يبحث المؤلف في العلاقة التفاعلية والتطورية بين العقل والضمير في تكوين الإنسان المعاصر، ويرى أن تطور العقل ساعد في تطور الضمير البشري؛ إذ لا يمكن فهم العقل والضمير بمعزل عن بعضهما، فـ"العقل هو الإطار الذي ينبثق منه الضمير". 

ويناقش الكاتب مراحل تطور الإنسان، البيولوجية والنفسية، مشدداً على أن الضمير يتفاعل ويمارس النمو والوعي، في ظل بنيات عقلية تسمح بالتأمل والمراجعة الذاتية، الأمر الذي يُميز الإنسان عن باقي الكائنات الأخرى. كما يؤكد على أن التطور يتجاوز كونه عملية بيولوجية عشوائية؛ بل هو مسيرة تقود إلى الارتقاء المعرفي والأخلاقي. فالتطور آلية سمحت بظهور العقل والضمير اللذين يمثلان "الارتقاء"، أو "عملية التقدم المعنوي والفكري والأخلاقي للإنسان والمجتمعات". ويوضح مراحل الارتقاء البشري، منذ "الإنسان البدائي الذي كان يركز على الباعث الغريزي، إلى الإنسان الحديث الذي يسعى إلى تحقيق المُثُل العليا، كالقيم والمبادئ الأخلاقية السامية التي يطمح الإنسان إلى تحقيقها مثل العدل والخير والجمال"، حسب قوله.

ويربط حمادي بين الواقع التطوري والنُّظم الفكرية، ويشدد على أهمية أن يراعي النظام الفكري التطور الأخلاقي للعقل والضمير، لأن أي نظام فكري لا يأخذ بعين الاعتبار الأبعاد التطورية والأخلاقية والقيمية للعقل والضمير، فهو نظام قاصر وغير مكتمل. ويوضح أن المُثل العليا نتاج طبيعي لعملية الارتقاء البشري إذا سعى الإنسان نحو الخير والجمال والعدال، وليست أفكاراً "طوباوية" منفصلة عن الواقع، لأن جوهر الإنسان، حسب تقديره، يُمثل انعكاساً لقدرة العقل على تجاوز الغريزة، وقدرة الضمير على صياغة قيم أخلاقية.

 التطور الأخلاقي

ويفسر المؤلف المثل العليا ضمن إطار منهجي وعلمي مرتبط بالنمو العقلي الأخلاقي للإنسان، ما يجعل المثل العليا عنصراً جوهرياً في فهم تطور الإنسان، وليس مجرد تصورات فلسفية أو مثالية منفصلة. ويشدد على تفاعل العقل والضمير، كوظائف متطورة تمكن الإنسان من تحقيق المثل والأهداف الأخلاقية؛ كما يجتهد في توضيح الجوانب الفلسفية والوجودية المتعلقة بالمثل العليا في إطار تطوري أخلاقي. وفي الوقت نفسه، يرفض وينتقد أي تصور فكري يعزل الإنسان عن هذا السياق التطوري العقلي والأخلاقي، ويشدد على ارتباط الفلسفة بالعقل والضمير والتطور الأخلاقي، لا سيما فلسفة العقل التي تبحث في الضمير والنظام الإنساني والطبيعة.

يؤكد الكاتب على أهمية العقل كأداة تطورية فاعلة تسمح للبشر بالتكيف والابتكار، ويتناول فكرة التطور الأخلاقي، ويتجاوز فكرة التطور البيولوجي، ويُطبق قوانين الارتقاء والتطور على الجانب الأخلاقي والعقلي، ويوضح أن الضمير هو حالة من التطور المستمر المرتبط بالأبعاد الاجتماعية والذهنية، وليس قاعدة أخلاقية جامدة، ويؤكد تداخل العقل والضمير في عملية التطور الإنساني، ويشدد على التكامل بينهما لفهم الإنسان عبر كونه وحدة عضوية ونفسية وأخلاقية متكاملة وشاملة، كما يؤكد أن ربط العقل بالضمير يثبت وحدة الوظائف الذهنية والأخلاقية في الإنسان.

 وختاماً، يجمع المفكر العراقي سعدون حمادي، في كتابه "العقل والضمير: نظرات في الإنسان والتطور"، بين التأملات الفلسفية والوقائع العلمية حول الإنسان وعلاقته بالعقل والضمير، ويؤكد أن فهم الإنسان يتطلب النظر إليه باعتباره كائناً متكاملاً، يتداخل فيه العقل مع الضمير في إطار تطوري مستمر. ويستخدم منهجاً عقلياً تحليلياً، يبرز من خلاله أهمية العقل كوسيلة للتحكم بالنفس وتنظيم الغريزة التي ينطلق منها كثير من دوافع السلوك، ويتجاوز بذلك وجهة النظر التي ترى العقل أداة معرفية تؤهل الإنسان لفهم الواقع، ويصف الضمير بأنه ضرورة وقوة موجهة أخلاقياً تمثل المثل العليا، وأنه -أي الضمير- "نتاج طبيعي للتطور المعرفي والأخلاقي للإنسان" وامتداد للتوازن بين الوظائف العقلية والغريزية، وليس أفكاراً طوباوية أو أماني لا يمكن تحقيقها.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة