العقل الفقهي:

تجاوز عوامل الجمود في الفقه الإسلامي

مركز حوار الثقافات

24-06-2025

في كتابه "مضمرات العقل الفقهي"، يعيد المفكر العراقي ماجد الغرباوي النظر في ما وصفه بأنه مضمرات عقائدية عقلية في الفقه الإسلامي، يجري التعامل معها على أنها "مسلّمات" لا يمكن التشكيك فيها، ينحاز إليها كل من الفقيه ومتلقي الفقه، لا سيما بشكل لا شعوري في الفتاوى والمواقف الدينية. كما يهدف الكاتب إلى إبراز أهمية مقاصد الشريعة، والوضع في الاعتبار ما يمكنها أن تسهم فيه في تحقيق مصالح الإنسان والمجتمع، وإرساء القيم الإنسانية التي تُعد أعلى مقاصد للتشريع الإسلامي، لا سيما بعد أن مضى كثير من الوقت، توقف فيه علم مقاصد الشريعة، وبالتالي الاجتهاد والتأويل بما يتناسب مع العصر الراهن.

العقل الفقهي

يحاول الكاتب نقد بنية العقل الفقهي الإسلامي، عبر مراحل التراث المختلفة وفي العصر الحالي، ويرصد التأثيرات السلبية للنسق الفقهي والفتوى التي تتمثل في الاتجاه الأيديولوجي والمذهبي للفقيه والموقف السياسي له؛ إضافة إلى ما وصفه الغرباوي بـ"قيم العبودية والانقياد"، وما تسببه من انحياز أو جمود أو تعنت في الفتوى بشكل مباشر وفي النسق الفقهي عموماً.

يقول الغرباوي بوجود مضمرات في العقل الفقهي الإسلامي، لا يبدو أنها واضحة، وتتوارى حينما يحاول الفقهاء الاجتهاد عبر منهج علمي يهدف إلى استنباط الأحكام الشرعية، لكنها تؤثر في اليقينيات والمسلّمات التي يعتمد عليها الفقهاء في الاجتهاد، ما يظهر في التناول الفقهي، سواء في بداياته وتعامله مع بداهات لا تتفق مع مدلولها، أو الوصول إلى نهايات تُفرض فرضاً على واقع الاجتهاد الفقهي، حسب قوله.

يؤكد الغرباوي أنه بوفاة النبي اكتمل الدين الإسلامي وانتهى عصر التشريع، وأصبح القرآن الكريم والحديث "الصحيح" مرجعية لإصدار الأحكام الشرعية، وبدأ الاجتهاد بشكل تدريجي مع تطور المجتمع الإسلامي عقب وفاة النبي، الذي أصبح حاجة ملحة بسبب الحاجة إلى الفتوى وتطور المجتمع وظهور حاجيات جديدة، ساعدت في ذلك المرونة التي تتسم بها الشريعة وقدرتها على تلبية احتياجات الفرد والمجتمع الفردية والجماعية، مما أدى إلى تدشين مرحلة الاجتهاد واستنباط الأحكام الفقهية بشكل فعلي.

ويوضح الكاتب أن فتاوى الفقهاء في ذلك الوقت كانت "وجهات نظر اجتهادية غير ملزمة إلا لمن ألزم نفسه إياها من المقلدين". مؤكداً على أن دور الفقيه هو تبيلغ الرسالة السماوية وبيان أحكامها للناس وتوضيح حكمتها، بينما مجال التشريع واستنباط أحكام جديدة، يراه الغرباوي متجدداً ومتغيراً تحكمه ظروف المجتمع وتطوراته والاحتياجات الطارئة والحادثة، وذلك وفقاً لمقاصد الشريعة التي تهدف في المقام الأول إلى تلبية احتياجات الناس.

الخطاب الديني

يدعو الكاتب إلى تفكيك الخطاب الديني القديم والسائد تفكيكاً علمياً، بعدما أوصل الأمة الإسلامية إلى وضعها الحالي، نتيجة لما به من خلل وتقصير في التصورات والرؤية الحاكمة للوجود وللعالم، وللواقع المعيش وحركة التاريخ ومنطق التقدم؛ الأمر الذي تسبب في المحنة الكبيرة التي تعيشها المجتمعات العربية والإسلامية، بسبب نمط التفكير الديني السائد والمورث.

يقول الغرباوي إن تفكيك الخطاب الديني، الذي يحتاج إليه العالم الإسلامي، هو منهج علمي يهدف إلى العودة إلى الأصول الأولى للدين والعلم والفكر، الأمر الذي يجعله يلتقي بشكل مباشر الدين الإسلامي الخالص في بدايته ونقائه وخصوبته الأولى في العهد النبوي وما تلاه مباشرة، وهي أصول تتوافق وتتماهى مع مقاصد الشريعة، وتتضمن إمكانية التجديد في الأحكام الفقهية والفتوى بما يتناسب مع التطورات المستمرة، حسب قوله.

ويُطالب الغرباوي بالعودة إلى المصادر الأولى للدين الإسلامي النقية، وهي القرآن الكريم ومحاولة فهمه وفقاً لمعناه الأصلي دون الرجوع إلى التفسيرات البشرية وما بها من إشكاليات، أو ما وصفه بـ"التأويلات المغرضة والجاهلة لطبيعة النص"، التي حولت القرآن من معناه العام والشامل إلى أداة لأغراض اجتماعية أو مروية خرافية تتضمن أساطير، وهي -وفقاً له- تأويلات اعتمدت على أحاديث ومرويات ضعيفة أو موضوعة وإسرائيليات.

ويقول الكاتب إن معظم الفقهاء يضفون على النص القرآني، في تعاملهم معه، معاني لا تتفق ومقاصده، وتناقض مقاصد القرآن وتتجاهل سياق الآيات، ولا تفسر القرآن بالقرآن، وتتجاهل عن عمد أو جهل قواعد اللغة العربية، وهي لغة القرآن وبه نزل، ولا تُعير أياً من الأساليب العقلية أو المنطقية أو العلمية اهتماماً، ما يجعلهم يختزلون النص القرآني في مجموعة آيات يتعاملون معها بحرفية، دون اعتبار السياق التاريخي أو المقاصد العامة للقرآن أي اعتبار، ومتجاهلين صلاحية القرآن لكل زمان ومكان وفقاً لمقاصده العامة.

الجمود الفقهي

ويُشدد الغرباوي على أهمية التخلص وإعادة النظر في مضمرات العقل الفقهي، التي تؤثر سلباً في كل محاولات الاجتهاد الفقهي، وتضعه في دائرة مغلقة مثل قدسية الفقيه، التي انتشرت بين الفقهاء أنفسهم وفي المجتمعات؛ وهي قدسية تعطي لأي إنتاج فقهي قدسية تتجاوز النقد ويجب التسليم بها على غير الحقيقة، بينما في النهاية العمل الفقهي اجتهاد بشري.

ويوضح الغرباوي أن من مضمرات العقل الفقهي تفاقم الفتوى وبلوغها حداً تراكمياً كبيراً، بما يمثل عائقاً أمام الاجتهاد العقلي الديني، ويقف سداً أمام الاستقاء من المصادر الدينية الأولى النقية، ويضع إطاراً أمام الفقيه لا يمكنه تجاوزه في إصدار فتوى جديدة وفقاً لاجتهاده.

ويذهب الكاتب إلى خطورة التسليم بوجود تعارض بين العقل والنقل؛ لأن ذلك يُعد من مضمرات العقل الفقهي التي تحول دون أي اجتهاد عقلي، وهو تسليم خاطئ؛ إذ إنه لا يوجد تعارض بين العقل والنقل الذي يتمثل في المصادر الرئيسة للدين مثل القرآن، بل إن التعارض الحادث إنما يكون بين فهم النقل الذي هو مصادر الدين الرئيسة وبين العقل، أو هو تعارض بين الخلط بين فهم القرآن أو "فهم النقل"، وبين القرآن نفسه، باعتبار ذلك الفهم البشري فهماً مقدساً، فلا تعارض بين الإسلام وبين العقل ولا تعارض بين القرآن والعقل، حسب قوله.

يقول الغرباوي إن من آفات العقل الفقهي، التي تُعد من مضمراته، الفعل الدائم والمستمر من معظم الفقهاء المتمثل في دعوى امتلاك الحقيقة، واحتكار التفسير دون غيرهم، واضعين سداً أمام غيرهم في محاولة إيجاد تفسير جديد، وكذلك أمام أنفسهم في إعادة النظر لما بين أيديهم من تفسيرات أو لما أنتجوه من تفسيرات، وهو أمر متصل بفكرة تقديس الفقيه التي ليست من الدين في شيء.

يحاول الكاتب تحصين العقل الإسلامي بشكل عام، والعقل الفقهي بشكل خاص، عبر التخلص من المضمرات العقلية الفقهية، إضافة إلى دعوته المستمرة إلى استمرار نقد العقل الفقهي نقداً ذاتياً وموضوعياً ومستمراً؛ إذ يرى أن في نقد العقل بشكل عام، ونقد العقل الفقهي بشكل خاص، تصويباً له وتحصيناً دائماً ضد المضمرات العقلية الحالية أو التي من الممكن أن تظهر لاحقاً.

ويرى "الغرباوي" وجود كثير من المبالغات و"الخرافات" الدينية التي ظهرت تدريجياً بسبب الفهم الخاطئ والتأويل المُغرض للنص الديني، حتى ترسبت في العقل الإسلامي ووعيه الباطن وهو الأمر الذي ساعدت فيه أيديولوجيات الفقهاء التي أخرجت تلك المبالغات والخرافات الدينية من محلها التاريخي وأعطت لها قدرة على الاستمرار وتجاوز التطور التاريخي، التي بدأت مع إرهاصات عصور الجمود الفقهي والديني، فكبلت العقل الفقهي والمجتمعات الإسلامية، وأثقلت الوعي الإنساني وأبعدته عن مقاصد الشريعة التي تراعي العقل والتطور المستمر، حسب قوله.

وختاماً، وكما يقول الكاتب، يجب تجاوز "عصر الجمود الديني" الذي بلغ أمداً كبيراً في التاريخ الإسلامي، وما زال مستمراً بسبب جمود الفكر الفقهي، الذي تسببت فيه مُضمرات عقلية وفقهية، وذلك لتأسيس خطاب ديني جديد يطرح المضمرات الفقهية، أو المسلمات العقلية التي لا أساس ولا أصل لها في المصادر الدينية الإسلامية النقية، ورغم ذلك ما زالت تحكم العقل الفقهي، وتحول دون أي محاولة تجديد، وتؤدي بأي اجتهاد إلى السقوط في بئر التقليد.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة