لا يعاني العالم العربي من أزمات مادية في الموارد أو الإمكانات البشرية، بل يعاني أزمة في العقل وبنية فكرية وأطر عقلية، وفقاً للباحث السعودي عبد الرحمن الطريري، في كتابه "العقل العربي وإعادة التشكيل"؛ إذ يرى أن العالم العربي يحتاج إلى إعادة تشكيل البنى الفكرية والأُطر العقلية، حتى تتجاوز الجمود والتقليد والعيوب الموروثة. ودون إعادة تشكيل العقل العربي نقدياً وإبداعياً ومعرفياً، ودون تجاوز الأزمة المعرفية التي يعيشها العقل العربي، فلن تنجح جهود النهضة والتحديث، ويبقى أي مشروع نهضوي عبارة عن جهود سطحية محدودة وغير فاعلة.
العقل والثقافة
يوضح الطريري أن العقل أداة محايدة، وهو نتاج سياقات اجتماعية وثقافية وحضارية، الأمر الذي يدفعه إلى تبني النقد، حتى يمكن إعادة تأسيس وبناء العقل العربي دون هدم، لأن أهم الإشكاليات الكبرى التي تواجه العقل العربي تتمثل في سيطرة النقل والتقليد على أنماط التفكير وغياب العقل النقدي؛ لذلك يسعى إلى إعادة تعريف العقل العربي ليصبح قادراً على استيعاب تحديات العصر، وتقديم مسارات عملية لإعادة تشكيل العقل بواسطة التعليم والثقافة والإصلاح الاجتماعي.
ويتناول الكاتب "مفهوم العقل" من زوايا متعددة، فيشير إلى التعريفات الفلسفية التقليدية التي ترى العقل أداة "إدراك ومعرفة"، وينتقل إلى التعريفات الدينية التي تنظر إلى العقل باعتباره وسيلة قادرة على التمييز بين الخير والشر والتكليف الشرعي، ويعرض التعريف الأنثروبولوجي المعرفي للعقل الذي يعتبره "نتاجاً للتجربة الاجتماعية والتاريخية". ثم يتناول مفهوم العقل العربي من ناحية خصوصيته، التي تتجلى في ارتباطه بالحكمة والخبرة أكثر من ارتباطه بالتحليل العلمي والتجربة، بينما في الثقافة الغربية ارتبط العقل بالتحليل والتجريد والقدرة على إنتاج المعرفة العلمية.
يرصد المؤلف العلاقة الجدلية بين "العقل والثقافة"؛ إذ يرى أن الثقافة تمثل الوسط الحاضن الذي يتشكل فيه العقل، كما أنها تحدد الأُطر المرجعية والقيم التي يعمل ضمنها العقل. ويعرف الثقافة بأنها "نُسق من القيم والتصورات والعادات التي تحدد أنماط التفكير والسلوك"، وينتقل إلى أثر اللغة العربية في تشكيل العقل؛ فاللغة العربية، بوصفها لغة بلاغية وشعرية، جعلت الذهن العربي ميالاً للتصوير والرمزية أكثر من الميل إلى التحليل العقلي الصارم. كما أن التقاليد القبلية، وفقاً له، أثرت بشكل كبير في اللغة العربية، لتركيز القيم القبلية على قيم الانتماء والعاطفة، على حساب العقل النقدي، مؤكداً أن الثقافة ليست قدراً ثابتاً لا يمكن تغييره، بل يُمكن نقدها من الداخل وإعادة توجيهها لتصبح داعمة للعقل النقدي بدلاً من أن تكون مقيدة له.
الإسلام والعقل
ويميز الطريري بين العقل العربي والعقل الإسلامي، فثمة تداخلات كبيرة بينهما لكنه من الضروري التمييز بينهما لفهم السياق العربي؛ فالعقل العربي قبل الإسلام غلب عليه الطابع الأسطوري في تفسير الظواهر ومرجعية القبيلة والعرف، كإطار حاكم للفكر والشعر باعتباره أداة الحفظ والتعبير عن الوعي أو "ديوان العرب". ومن سمات العقل العربي، أيضاً، غياب العقل النقدي بشكل كامل قبل الإسلام.
بينما اختلف العقل العربي بعد الإسلام، الذي جاء ليُعيد توجيه العقل وإضافة قيم مركزية إليه، مثل التوحيد والشورى والعقلانية الشرعية؛ فالعقل الإسلامي مؤسس على التوحيد، ومرجعيته الكبرى وحدانية الله، ولم يلغِ العقل الإسلامي العقل العربي السابق عليه قبل نزول رسالة الإسلام؛ بل وسع أفقه عبر عديد من القيم العقلية والأخلاقية والروحية، مثل المسؤولية الفردية والمحاسبة أمام الله، والمشاركة في القرار عبر الشورى، ووضع للعقل بُعداً أخلاقياً يتمثل في ربطه بالشريعة، فتجاوز الإسلام العقل القبلي وأعطاه أبعاداً تتجاوز الحدود القبلية.
إضافة إلى ما أدى إليه الإسلام من ظهور العقل الجدلي، المتمثل في حالة الجدل التي حدثت بين الفرق الإسلامية مثل المعتزلة والأشاعرة، التي أدت إلى إثراء التفكير، رغم أنها أحياناً أدت إلى الانغلاق، حسب قوله.
يقول المؤلف إن العقل العربي قبل الإسلام كان "عقلاً غير منظم"، كان خاضعاً لسلطة وسطوة سلطة كبيرة تؤمن بالأسطورة، ورغم ما في هذه المرحلة من مثالب فإنه يشدد على أهمية قراءتها بوعي تاريخي، دون إسقاط المفاهيم المُعاصرة عليها، وذلك حتى نفهمها كما هي لاستيعاب التحول الذي أحدثه الإسلام في العقل العربي القبلي.
تشكيل العقل
يرى الكاتب أن العقل له قنوات تشكله، مثل التربية والتعليم، لا سيما التعليم المدرسي الذي يمثل القناة الأهم في تشكيل العقل؛ لكن المدرسة في صورتها التقليدية تعتمد على الحفظ والتلقين أكثر من النقد والتحليل، والبيئة الاجتماعية والقيم الأسرية والعُرف الاجتماعي تمارس دوراً مهماً في إنتاج أنماط التفكير العقلي، سواء كانت إيجابية كالترابط الأسري، أو سلبية كتكريس الانغلاق. والإعلام المعاصر، وفقاً له، أداة قوية لتشكيل العقول، لكنها في العالم العربي تُعزز الانقياد والتقليد بدلاً من الوعي النقدي، لذلك يطالب بإصلاح التعليم عبر إدخال مهارات التفكير النقدي، وإعادة النظر في دور العائلة والمجتمع كحاضنة للعقل النقدي المستنير، وضبط دور الإعلام ليكون أداة تثقيف.
ويوضح الطريري أن العقل العربي يعيش حالة تأخر معرفي، مقارنة بالعقل الغربي والآسيوي؛ إذ تراجعت قدرة العقل العربي على الإبداع والابتكار، وأظهرت العولمة وتحدياتها "ضعف البنية العقلية العربية" في التعامل مع الإنتاج المعرفي العالمي. فالإنتاج المعرفي لعقول حضارات أخرى، مثل الحضارات الغربية والصينية واليابانية، تزيد قدرتها على الإنتاج المعرفي والنقدي للعقل العربي؛ ويرجع ذلك إلى مظاهر القصور التي يعاني منها العالم العربي، التي تتمثل في عديد من الإشكاليات العقلية، مثل التبعية الفكرية وغياب البحث العلمي وضعف الترجمة، ما صنع فجوة يمكن تجاوزها عبر استيعاب المُنجز الحضاري العالمي دون فقدان الهوية، وذلك بإعادة هيكلة المؤسسات التعليمية والبحثية، لتصبح قادرة على إنتاج المعرفة.
ويقول الكاتب، إن العقل العربي يعاني من أزمات داخلية، تتمثل في مشكلات التعليم التقليدي، وضعف البحث، والبنية الاجتماعية التقليدية التي تكرس لأنماط التفكير غير النقدي، وضعف المؤسسات العلمية والتربوية في إنتاج عقل ناقد، الأمر الذي يجب معه إعادة تأسيس العقل داخل البيئة المحلية قبل التفكير في العالمية.
ويؤكد الطريري حاجة العقل العربي إلى أُسس جديدة، لإعادة تشكيل العقل ذاته، تتمثل في إصلاح التعليم لأنه المدخل الرئيس لإعادة بناء العقل وتربيته بشكل نقدي، حتى يصبح العقل العربي قادراً على التساؤل ولا يكتفي بالتلقي. ويطالب، أيضاً، بإعادة قراءة التراث نقدياً، وتجاوز القراءات التكرارية والتقليدية حتى يمكن استخلاص القيم التراثية التي يمكن أن تخدم الحاضر. ويشدد على أهمية الانفتاح على العلوم الحديثة، والانخراط في العلوم المعاصرة، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية؛ مؤكداً أن آخر الأسس العقلية التي يحتاج إليها العقل العربي، هي الانتقال من العقل المقلد إلى العقل المبدع، فإعادة تشكيل العقل مدخل رئيس وبداية لأي مشروع نهضوي شامل.
وختاماً، يؤكد الباحث السعودي عبد الرحمن الطريري، في كتابه "العقل العربي وإعادة التشكيل"، أن الحاجة إلى تشكيل العقل العربي يجب أن تبدأ من التعليم والثقافة، وتمتد إلى المجال الاجتماعي؛ فالنهضة العربية في حاجة ماسة إلى عقل نقدي مبدع، حتى تتحقق. كما يشخص واقع العقل العربي، منذ جذوره الأولى قبل الإسلام وتطوراته التي أحدثها الإسلام فيه، وصولاً للتحديات التي تواجه العقل العربي على المستويين المحلي والعالمي، ويبرز الفجوة المعرفية بينه وبين العقول في الحضارات الأخرى، ويؤكد إمكانية تجاوز هذه الفجوة عبر إعادة تشكيل العقل العربي، والجمع بين الانفتاح والهوية، واستلهام المعرفة العلمية مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية.