الشعر الجاهلي:

دوافع انتحال الشعر ونسبته للجاهلية 

مركز حوار الثقافات

01-01-2025

عبر كتاب "في الشعر الجاهلي"، الصادر عام 1926م، يستدِل مؤلفه الأديب والمفكر المصري طه حسين بتحليل النصوص المنسوبة إلى شعراء الجاهلية، ليثبت نظريته الأدبية والتاريخية أن الشعر المنسوب إلى شعراء الجاهلية "مكذوب ومنحول"، وقد نُسِب إليهم من بعض الشعراء واللغويين والنُّحاة بعد ظهور الإسلام، لإثبات ما أرادوا إثباته بخصوص بعض المسائل في القرآن الكريم، أو في المرويات من الأحاديث.

القرآن والعرب 

يقول طه حسين إن القرآن "لا يمثل الأمة العربية متدينة مستنيرة فحسب، بل هو يعطينا منها صورة أخرى يدهش لها الذين تعودوا أن يعتمدوا هذا الشعر الجاهلي في درس الحياة العربية قبل الإسلام، فهم يعتقدون أن العرب كانوا قبل الإسلام أمة معتزلة تعيش في صحرائها لا تعرف العالم الخارجي ولا يعرفها العالم الخارجي، كلا، القرآن يحدثنا بأن العرب كانوا على اتصال بمن حولهم من الأمم، بل كانوا على اتصال قوي قسّمهم أحزاباً وفرّقهم شيعاً؛ أليس القرآن يحدثنا عن الروم وما كان بينهم وبين الفرس من حرب انقسمت فيها العرب إلى حزبين مختلفين؟ أليس في القرآن سورة تسمّى سورة الروم، وتبتدئ بهذه الآيات: ﴿غُلِبَتِ ٱلرُّومُ ٭ فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ ٭ فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٭ بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الروم: 2-5]".

ويذهب طه حسين في كتابه "في الشعر الجاهلي" إلى أن العرب قبل الإسلام "لم يكونوا معتزلين"، وأن القرآن يصف عنايتهم بحرب الفرس والروم وبسياستهم، ويصف اتصالهم الاقتصادي بغيرهم من الأمم في رحلتَي الشتاء والصيف، ولم يكونوا أمة جاهلة همجية. 

ويرى أن التماس الحياة العربية الجاهلية في القرآن أجدى من التماسها في الشعر العقيم المسمَّى بالشعر الجاهلي.

مستوى اللغة

يرى الدكتور طه حسين أن الشعر الجاهلي على مستوى اللغة "لا يمثل الحياة الدينية والعقلية للعرب الجاهليين؛ لأنه بعيد كل البعد عن أن يمثل اللغة العربية في العصر الذي يزعم الرواة أنه قيل فيه".

ويشرح طه حسين نظريته النقدية فيقول: "البحث الحديث قد أثبت خلافاً جوهرياً بين اللغة التي كان يصطنعها الناس في جنوب البلاد العربية، واللغة التي كانوا يصطنعونها في شمال هذه البلاد".

ويرصد طه حسين في بحثه هذا أن الشعر الذي يسمونه "الجاهلي" لا يمكن أن يكون صحيحاً؛ لأننا نجد بين الشعراء، الذين يضيفون إليهم شيئاً كثيراً من الشعر الجاهلي، قوماً ينتسبون إلى عرب اليمن، القحطانية العاربة التي كانت تتكلم لغة غير لغة القرآن، ولكن حين نقرأ الشعر الذي يضاف إلى شعراء هذه القحطانية في الجاهلية، لا نجد فرقاً قليلاً ولا كثيراً بينه وبين شعر العدنانية في الشمال، بل لا نجد فرقاً بين لغة هذا الشعر ولغة القرآن. 

وتفسير ذلك، عند طه حسين، أن هذا الشعر الذي يضاف إلى القحطانية قبل الإسلام "ليس من القحطانية في شيء، ولم يقله شعراؤها، وإنما حُمل إليهم بعد الإسلام لأسباب دعت إلى انتحال هذا الشعر الجاهلي بعد الإسلام".

دوافع الانتحال 

أولاً، دوافع سياسية قبلية: حيث يرى طه حسين أن العرب قد خضعوا لمثل ما خضعت له الأمم القديمة من المؤثرات، التي دعت إلى انتحال الشعر والأخبار، وهما الدين والسياسة، وأنه لا مجال إلى فهم التاريخ الإسلامي إلا إذا وضحت هذه المسألة، ولأن العرب المسلمين لم يظهروا على العالم إلا بالإسلام، فهم محتاجون إلى أن يعتزوا بهذا الإسلام ويُرضوه، ويجدوا فيه ما يضمن لهم هذا الظهور وهذا السلطان الذي يحرصون عليه، وهم في الوقت نفسه أهل عصبية، وأصحاب مطامع ومنافع، فهم مضطرون إلى أن يرعوا هذه العصبية ويلائموا بينها وبين منافعهم ومطامعهم ودينهم.

وحسب رأي طه حسين، في كتابه "في الشعر الجاهلي"، فإن مؤرخ الآداب مضطر حين يقرأ الشعر الذي يسمى جاهلياً إلى أن يشك في صحته، كلما رأى شيئاً من شأنه تقوية العصبية أو تأييد فريق من العرب على فريق، ويجب أن يشتد هذا الشك كلما كانت القبيلة أو العصبية التي يؤيدها هذا الشعر قبيلة أو عصبية قد لعبت دوراً في الحياة السياسية للمسلمين.

ثانياً، أسباب دينية عاطفية: يقول طه حسين إن العواطف والمنافع الدينية لم تكن أقل أثراً من العواطف والمنافع السياسية في تكلّف الشعر وانتحاله وإضافته إلى الجاهليين، ليس في العصور المتأخرة وحدها، بل وفي العصر الأموي أيضاً، وربما قد ارتقى عصر الانتحال المتأثر بالدين، حسب رأي طه حسين، إلى أيام الخلفاء الراشدين.

ويشرح طه حسين ذلك فيقول: "كان الانتحال في بعض أطواره يُقصد به إلى إثبات صحة النبوة وصدق النبي، وتستطيع أن تحمل على هذا كل ما يُروى من هذا الشعر الذي قيل في الجاهلية ممهّداً لبعثة النبي، وكل ما يتصل به من هذه الأخبار والأساطير التي تُروى لتقنع العامة، بأن علماء العرب وكهّانهم وأحبار اليهود ورهبان النصارى كانوا ينتظرون بعثة نبي عربي، يخرج من قريش أو من مكة".

ويرى طه حسين أن ما يمكن أن يحمل كذلك على أطوار الانتحال، ما شاع بين العرب أن دين إبراهيم كان دين العرب في عصر من العصور، ثم أعرضت عنه لمّا أضلَّها المضلّون وانصرفت إلى عبادة الأوثان، ولم يحتفظ بدين إبراهيم إلا أفراد قليلون يظهرون من حين إلى حين، وحين يتحدث هؤلاء الأفراد نجد في حديثهم ما يشبه الإسلام، فهم أتباع إبراهيم ودين إبراهيم هو الإسلام؛ ويرى طه حسين أن تفسير ذلك أن أحاديث هؤلاء الناس قد وُضعت لهم بعد الإسلام، لإثبات أن للإسلام سابقة وقدماً في بلاد العرب.

ويذهب كذلك إلى أن الانتحال في العصر العباسي متمثلٌ في جُل الاستشهادات والاستدلالات، في الكتب الأدبية واللغوية وكتب التفسير والمقالات، وكلها محملة على الشعر الجاهلي، وكأن كلام العرب قبل الإسلام قد وعى كل شيء وأحصى كل شيء؛ فالمعتزلة يثبتون مذاهبهم بشعر الجاهليين، وغير المعتزلة من أصحاب المقالات ينقضون آراء المعتزلة معتمدين على شعر الجاهليين، ويُرَدّ كل شيء إلى العرب، حتى الأشياء التي استُحدثت أو جاء بها المغلوبون من الفرس والروم.

ويصل طه حسين في نتيجة بحثه المنشور، في كتاب "في الشعر الجاهلي"، إلى أن كل ما يُروى من أيام العرب وحروبهم وخصوماتهم، وما يتصل بذلك من الشعر، خليق أن يكون موضوعاً، والكثرة المطلقة منه موضوعة من غير شك، وكل ما يُروى من الأخبار والأشعار التي تتصل بما كان بين العرب والأمم الأجنبية من العلاقات قبل الإسلام، كعلاقاتهم بالفرس واليهود والحبشة، هو موضوع دون شك، وكل ما يتصل بإثبات فضل العرب على الأمم المغلوبة هو موضوع، ويزداد شدة بمقدار ما يفقده العرب من السلطان السياسي، وبمقدار ما ترفع هذه الأمم المغلوبة رؤوسها.

وختاماً، يرى طه حسين أن كل شيء في حياة المسلمين، في القرون الثلاثة الأولى، كان يدعو إلى انتحال الشعر وتلفيقه، سواء في ذلك الحياة الصالحة، حياة الأنقياء والبَرَرة، والحياة السيئة، حياة الفُسّاق وأصحاب المجون، وأنه إذا لم يكن بُدٌّ من الاستدلال بنص على نص، فيجب الاستدلال بنصوص القرآن على عربية هذا الشعر، لا بهذا الشعر على عربية القرآن.

إن كتاب "في الشعر الجاهلي" واحد من كتب الصدمة في تاريخ الأدب والفكر العربي الحديث؛ إذ رسخ الكتاب للمذهب الديكارتي في البحث القائم على الشك في كل شيء أولاً، حتى يثبت بدليل بيّن عكسه، ما جعل كاتبه، طه حسين، أحد أعلام الفكر العربي الحديث، عُرضة لحملة شعبية ودينية وقانونية أجبرته على التراجع وإصدار نسخة منقحة من كتابه المهم هذا، باسم "في الأدب الجاهلي".

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة