الدين والسياسة:

العقد الاجتماعي ومبدأ طاعة الدولة

مركز حوار الثقافات

18-11-2024

"لا تزال فلسفة الدين أقل جوانب الفلسفة حضوراً في الفكر العربي، رغم أهميتها الاستثنائية في السياق الغربي... لذا جاء هذا الكتاب".

هكذا يمهِّد الدكتور السيد ولد أباه، الكاتب والباحث والأكاديمي الموريتاني، لكتابه المعنوَن بـ"الدين والسياسة والأخلاق.. مباحث فلسفية في السياقين الإسلامي والغربي"، الصادرة طبعته الأولى في يناير من عام 2014، عن دار "جداول" للنشر والتوزيع. 

ويتوقف الكاتب في مؤلَّفه عند شرح فلسفة الدين عبر مقولات ثلاث، يُسميها محطات شديدة الأهمية في مسار الفكر الفلسفي الغربي الحديث، وهي: "الإله الضامن" لدى ديكارت، و"موت الإله" لدى نيتشه، و"الإله المنتظَر" لدى هايدجر؛ فيما يركز على نموذج فلسفة الدين الإيرانية لدى مفكرَيْن بارزَيْن، هما علي شريعتي وعبد الكريم سروش.

وتعني عبارة "التراث"، بحسب الكاتب، بالمفهوم الجديد، أمرين أساسيَّين:

أولاً، تأكيد البُعد التاريخي الفاصل بين الثقافة الموروثة والفكر المعاصر؛ فالتراث، هنا، نمط من التركة التي نمتلكها، والسؤال المطروح هو: كيف يتعين علينا التصرف فيها، علماً بأنها تحفة من الماضي الغابر؟

ثانياً، إن المدخل المنهجي لمقاربة التراث هو إبرازه في سياقاته الخاصة المتميزة، سواء تعلق الأمر بالسياق اللغوي الدلالي، أو الاجتماعي الاقتصادي، أو الرمزي الأنثروبولوجي.

المسلمون والحداثة

ويقول الكاتب إن اعتبار مسلمي اليوم "كائنات تراثية" مجرد وهم زائف؛ فالمسافة الإبداعية في تمثلات الجمهور وممارساته العينية متقدمة على وعي المثقفين المهووسين بإشكالية الأصالة والمعاصرة، فحركية الفقه تبدو عاجزة عن التأقلم مع صيغة جديدة للتديُّن، فيما عموم المسلمين لا يعيشون أي تأزُّمٍ في الوعي بين اندماجهم النشط في ديناميكية الحداثة قيماً ومعرفةً ومنتجاً استهلاكياً، مع تجذُّر حقيقي في التقليد الديني إيماناً وشعائر؛ مضيفاً أن حال المجتمعات الإسلامية اليوم قد يكون أقرب إلى الحداثة الأمريكية التي لم تجتث فيها الحالة العلمانية الحيوية الاجتماعية للدين.

ويشير الكاتب إلى مقولة "الإصلاح الديني" معتبراً إياها "مقولة ملتبَسَة" تحجب رهانات واستراتيجيات متضاربة ومتنوعة، لافتاً إلى إشكال مطروح على الجهات الرسمية المعنية بتدبير الشأن الديني: ما مرجعية وسقف الإصلاح الديني المنشود؟ وهل يتعين إحياء مؤسسات الإسلام التقليدي، في مكوناته المذهبية فقهاً والطرق تصوُّفاً، وشبكاته الأهلية من قضاء وأوقاف، أم يتعين السعي إلى تحديث المؤسسات الدينية وتجديد مسالك اشتغالها وطرق عملها؟

ومن الواضح، بحسب الكاتب، أن الحكومات العربية تتأرجح إجمالاً بين الخِيارين دون حسم جذري في الغالب، فتميل أحياناً إلى بعث الإسلام التقليدي وإحياء مؤسساته، ملتمسة قيم الطاعة لولي الأمر؛ لكن محاولات إحياء الإسلام التقليدي، اصطدمت بعوائق ناتجة عن انهيار قاعدته المؤسسية وبنياته الاجتماعية والثقافية، بحيث لم يعد بإمكانه احتكار الشرعية والمرجعية في سياقات تعددية واختلافية.

علم الكلام

يقول الكاتب إنه على الرغم مما ظهر من بعض المشتغلين العرب المعاصرين بالفلسفة، من إعادة اعتبار لعلم الكلام، كعلي سامي النشار سابقاً، وطه عبد الرحمن في أيامنا، فإن الصورة السلبية عن المباحث الكلامية لم تتغير نوعياً؛ أما المختصون في الدراسات الشرعية فقد سيطرت عليهم في السنوات الأخيرة النظرة السلفية الموروثة عن قدماء الحنابلة المعروفين برفضهم الشديد للمباحث الكلامية وما تقوم عليه من تأويل في أمور العقيدة. 

فالدراسات الكلامية، بحسب الكاتب، انهارت في أغلب الجامعات الإسلامية، وبعضها يحجم عن تدريسها، تعللاً بما تُحدثه من "تشويش" على عقائد الناس، فيما تيارات الإسلام السياسي تُعادي المباحث الكلامية وترى فيها ترفاً فكرياً متأثراً بالنظريات المستوردة، كمسلك سيد قطب في كتابه "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته".

أما الخطاب الإسلامي المعاصر، بحسب الكاتب، فقد استبدل أدبيات الإعجاز العلمي، بمباحث الكلام، معتبراً إياها أقدر على الدفاع عن الدين والعقيدة.

ويلفت الكاتب إلى دعوة المفكر الجزائري محمد أركون منذ عقود إلى منهج جديد أطلق عليه "الإسلاميات المطبقة" بدلاً من "الإسلاميات الأرثوذوكسية" سلفية البنية.

المعيارية الشرعية

يتساءل الكاتب عن إمكانية استنتاج تصور ما للعدالة الطبيعية، كأساس عام للقانون في المدونة الأصولية والفقهية الإسلامية، وتوقف عند بعض نصوص العز بن عبد السلام والطوفي والشوكاني، التي تسمح بتأكيد اقتراب بعض علماء الإسلام من فكرة "الحق الطبيعي"، بمعنى اعتبار الطبيعة والعقل أساساً للمعيارية الشرعية. 

ويلفت الكاتب، هنا، إلى مدرسة المعتزلة في التحسين العقلي، التي تعتبر العقل قادراً بنفسه على إدراك القيمة المعيارية للأحكام، لكن هذه المدرسة لم تستنتج من ذلك أن مصدر القيم هو الطبيعة وليس الله؛ فالتصور الاعتزالي للطبيعة، الذي يتمحور حول المذهب الذري الذي صاغه العلّاف، يقتضي فكرة الخالق المدبر للكون الحافظ وحده لانتظام الطبيعة التي ليس لها ضابط ذاتي.

ويؤكد الكاتب أن التحولات التي عرفها الفكر الإسلامي المعاصر واكبت "محاولات لصياغة بدائل إسلامية للقوانين الحديثة"، التي أطلق عليها "القوانين الوضعية".

وأشار إلى بداية هذه المحاولات مع عبد القادر عودة في كتبه التي انتشرت على نطاق واسع وأثرت أقوى تأثير في تيارات الإسلام السياسي.

وانقسمت الكتابات القانونية، بحسب الكاتب، إلى اتجاهين كبيرين:

- اتجاه انطلق من مبدأ الشرعية الداخلية للنسق الإسلامي في مرجعيته المنزلة، وأفضى في الغالب إلى مقاربة سلفية تسعى إلى الرجوع إلى الأصول المؤسسة، ولو بالقطيعة مع التقليد التراثي الوسيط. والقانون بهذا المعنى من مقومات العقيدة والهوية، ومعياره هو النص المقدس، ويندرج هذا الاتجاه في المقاربة الوضعية بمفهومها الديني (أي وضع الشارع لمعايير الحكم).

- واتجاه انطلق من منظومة مقاصد الشريعة، تلمُّساً لأرضية مشتركة مع القوانين الحديثة، مما اقتضى تضييق جوانب الخصوصية التعبُّدية في الشريعة وتوسيع أبعادها الكونية الإنسانية؛ ولا شك أن الخلفية المرجعية لهذا الاتجاه هي فلسفة الحق الطبيعي.

ويلفت الكاتب إلى أن هذا التأرجح بين التصورين الوضعي والقانوني-الطبيعي يظل بمنأى عن النقاش الفلسفي الحيوي حول المرجعية المعيارية للنظم القانونية.

الإشكالية الأخلاقية 

يقول الكاتب إنه نادراً ما يجري التمييز داخل الفكر العربي بين مستويات ومكونات المسألة المعيارية، التي تدخل إجمالاً في الإشكالية الأخلاقية دون تدقيق؛ فالأخلاق من هذا المنظور تشمل القيم العامة وتصورات الخير الجماعي وأحكام الواجب ومعايير العدالة، على الرغم من الاختلاف الواسع في الخلفية والمحددات بين هذه المفاهيم.

فالأخلاق، بحسب الكاتب، هي مجال الواجبات وتتسم بسمتَي الإلزامية والشمولية، بحيث يخضع السلوك لمعايير العقل العملي (بالمفهوم الكانطي)، التي تضمن قابلية الفعل الأخلاقي للتعميم، فيما الحكمة العملية هي مجال التعامل مع الحالات الإنسانية المأساوية والقصوى.

وهكذا، يميز الكاتب بين مجال "الفضيلة" أو القيم الضابطة للمدونة الأخلاقية في مقاصدها وغاياتها الجوهرية، ومجال "الأحكام" الأخلاقية في مضامينها المجردة والكونية (أخلاق الواجب)، وأخلاقيات "الاهتمام بالذات" وجماليات السلوك الأخلاقي (الحكمة).

ويلفت الكاتب إلى وجهة نظر باروخ سبينوزا، الفيلسوف الهولندي وأحد أهم فلاسفة القرن السابع عشر، في العقد الاجتماعي؛ إذ يتأرجح بين مقاربة إجرائية أدواتية (تحويل القوة من الفرد إلى الجماعة)، ومقاربة أخلاقية (العقد بصفته تحقيقاً للخير الأسمى)، ولكنه في الحالتين يصوره تصويراً كلياً إطلاقياً؛ أي السيادة الشاملة للدولة وواجب طاعتها التامة.

وختاماً، يقول الكاتب إنه بما أن البشر في مجملهم ضحايا الوهم، يعيشون في سجن الخيال وتحكمهم العواطف والانفعالات، فإن الالتزامات الأخلاقية ليست دوماً متاحة لهم، لذا يتعين عليهم الخضوع للدولة بصفتها الشرط الضروري لتحقيق إنسانيتهم، والقنطرة التي تسمح لهم بتنمية قدراتهم العقلية. 

فالسيادة، كما يراها، مطلقة وإلا فلا معنى لها، ومن ثم كان تحكم الدولة غير مقيد في شؤون الأفراد ضماناً للاستقرار، الذي هو مبدأ "العقد الاجتماعي"، مختتماً بإشارة إلى أن "طاعة الدولة" ليست عبودية، بل هي امتثال لمنطق الطبيعة الذي هو منطق العقل؛ فالاستقرار يقتضي مشاركة أكبر قدر ممكن من الأفراد في ممارسة السُّلطة، حسب قوله.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة