"عصرنا اليوم له حاجات وشواغل خاصة به، تختلف عن تلك التي أملت على الفقهاء والأصوليين القدامى قواعدهم ومناهجهم".. هكذا يبتدئ المفكر والباحث المغربي، محمد عابد الجابري، كتابه "الدين والدولة وتطبيق الشريعة"، الصادرة طبعته الأولى عام 1996م، عن مركز دراسات الوحدة العربية.
ويناقش عابد الجابري أمور الدين والدولة كما بحثتها المرجعية التراثية في الماضي، وكما تبحثها المرجعية النهضوية في عصرنا الحاضر، فيستعرض مسألة الخلافة وميزان القوى، ومسألة الطائفية والديمقراطية والعقلانية، ومسألة علاقة الدين بالسياسة.
القيود المنهجية
يقول المفكر محمد عابد الجابري إن القواعد والأصول التي وضعها المجتهدون لتنظيم الاجتهاد في عصورهم، كانت وسيلة مفيدة، وربما ضرورية، أولاً لإنتاج المعرفة الفقهية (فقه الدين وفقه السياسة)، وثانياً لجعل هذه المعرفة مسيَّجة بضوابط تقي من الفوضى وتكبح الهوى، حسب قوله.
ويتساءل: هل يجب الأخذ بتلك القواعد والأصول على أنها ضرورية دوماً ومفيدة دوماً؟
وبالتالي، يوضح أن عصرنا اليوم له حاجات وشواغل خاصة به، تختلف عن تلك التي أملت على الفقهاء والأصوليين القدامى قواعدهم ومناهجهم؛ وأن معالجة شواغل عصرنا ومشكلاته، تتطلَّب تجاوز القيود المنهجية التي قيدت بها المعرفة الدينية في الماضي، والتعامل معها بمرونة، والنظر إليها من زاوية النسبية ومن منظور تاريخي.
ويشرح الجابري، عبر مؤلَّفه، كيف تطورت الأحوال الاجتماعية والاقتصادية تطوراً هائلاً، جعل من الحياة المعاصرة واقعاً يختلف نوعياً عن الحياة الماضية؛ لذا، فإن تطبيق الشريعة يتطلب اليوم إعادة تأصيل الأصول على أساس اعتبار المصلحة الكلية كما كان يفعل الصحابة، وإن تطبيق الشريعة تطبيقاً يناسب العصر وتحولاته وتطوراته، يتطلب إعادة بناء مرجعية للتطبيق، وإن المرجعية الوحيدة التي يجب أن تعلو على جميع المرجعيات الأخرى هي عمل الصحابة؛ لأنها سابقة على إنشاء المذاهب وظهور الخلاف، وهي أيضاً الصالحة لكل زمان ومكان لأنها مبنية على اعتبار المصالح الكلية.
الاجتهاد والنص
يقول الجابري إن العلاقة بين الدين والدولة تتحدد في المرجعية التراثية في إطار الحقيقة التاريخية التالية، وهي: إن الإسلام قد ظهر في مجتمع لم تكن فيه دولة، وإن الدولة العربية الإسلامية نشأت بصورة تدريجية، ولكن بوتيرة سريعة من خلال انتشار الدعوة الإسلامية وانتصار النبي في غزواته، خصوصاً فتح مكة، ثم ثانياً من خلال انتشار الفتوحات ونجاح العرب في الظهور باعتبارهم قوة عالمية، والدخول بالتالي في علاقات دولية واسعة.
ويوضح لنا الجابري أنه لمّا كان النبي قد ترك الأمر لصحابته ليفصلوا فيه من بعده، فإن ما أقرّه الصحابة وما صنعه الخلفاء من بعدهم، وما قاله الفقهاء في الخلافة، كل ذلك يؤول أمره إلى الاجتهاد، والاجتهاد سيختلف حتماً باختلاف العصور وتغير الظروف، ولا يوجد نصٌّ يُلزم المسلمين نوعاً معيَّناً من الحكم، أو ينهاهم عن نوع آخر من الحكم.
ويشرح الجابري أن الاجتهاد في الإسلام "لا ينطلق من فراغ، وإنما يكون في المسائل التي يمكن أن تُدرج تحت حكم شرعي فيه نص"؛ وإما أن يكون في مسائل لا نص فيها، وفي هذه الحالة تكون المصلحة العامة -التي تقتضيها ظروف العصر- هي المرجع، والخلفية الإسلامية هي الموجِّه، والتجربة التاريخية للأمة هي موضع الاعتبار، ولا يوجد ما يبرر تحفُّظ بعض الحركات السياسية الإسلامية على الديمقراطية الحديثة.
السياسة والدين
يقول عابد الجابري إن اختزال الإسلام كله في الحجاب وقطع يد السارق وما شابه ذلك، هو هروب أو عجز عن طرح القضايا السياسية الحقيقية، وبداية انطلاق نحو وضعية الطائفية والحروب الأهلية، وحذار إذاً من أن تحوّل السياسة الدين إلى عامل تفريق، بدلاً من أن يكون كما هو في جوهره "عنصر جمع وتوحيد"، حسب قوله.
ويوضح أن جوهر الدين وروحه أنه يوحد ولا يفرّق، والدين الإسلامي هو دين التوحيد بإطلاق، على مستوى العقيدة (إله واحد أحد)، وعلى مستوى المجتمع (أمَّة واحدة)، أما السياسة فجوهرها وروحها أنها تفرّق؛ فالسياسة تقوم حيث يوجد الاختلاف، وبالتالي فهي أقرب إلى أن تكون فن إدارة الاختلاف.
ويتابع بأن توظيف الدين في السياسة إنما يلجأ إليه العقل السياسي للجماعة، عندما لا يكون من مصلحتها التعبير عن قضيتها الاجتماعية أو الاقتصادية تعبيراً سياسياً صريحاً ومطابقاً؛ لأن ذلك يفضح الطابع المادي الاستغلالي لتلك القضية؛ أو عندما لا تستطيع تلك الجماعة ذلك، بسبب ضعف وعيها؛ أو نتيجة عدم بلوغها مستوى من التطور يجعلها قادرة على طرح قضيتها الاجتماعية أو الاقتصادية طرحاً مكشوفاً. وفي كلتا الحالتين، حسب قوله، يكتسي توظيف الدين في السياسة طابعاً طائفياً أو مذهبياً، قوامه استعادة نزاع قديم وبعث الحياة في رموزه.
الصحوة والتجديد
يقول الجابري إنه قد شاعت في السنوات الأخيرة، على ساحة الخطاب العربي الإسلامي المعاصر، عبارة "الصحوة الإسلامية"، وهي عبارة توحي بأن الإسلام "كان قبل ذلك نائماً أو غائباً"؛ في حين أن الإسلام، سواء عقيدة أو شريعة، أو مثلاً أعلى للحياة، لم ينم يوماً ولم يغِب، لا عن وجدان المسلمين ولا عن سلوك كثير منهم.
ويشرح الجابري أن كلمة "صحوة" لا تفي، في نظره، بما هو مطلوب من المسلمين في هذه الظروف، التي تتحداهم فيها الحياة المعاصرة بمختلف مظاهرها وتعقيداتها؛ فالصحوة "انفعال لا فعل"، والمسلمون محتاجون، بل مطالَبون بالفعل، وليس بمجرد الانفعال، حسب قوله.
ويقول الجابري إن التجربة التاريخية الراهنة للأمة العربية مع الحضارة المعاصرة، لا يكفي فيها استلهام نموذج السَّلف الصالح وحده؛ فهذا النموذج إنما كان نموذجاً كافياً لنا يوم كان التاريخ هو تاريخنا، يوم كان العالم كله يقع في عُقر دارنا، حسب قوله.
ويوضح أننا يجب أن نقتنع اليوم بأننا لم نعد وحدنا، وأننا لن نكون وحدنا في المستقبل؛ إذاً فالنموذج الذي يجب أن نستلهمه من أجل إعادة بناء الذات، وتحصينها ضد الذوبان والاندثار والاستلاب، ينبغي ألا يكون من نوع "نموذج السلف"، الذي يقدم نفسه كعالَم يكفي ذاته بذاته؛ بل يجب أن يشمل التجربة التاريخية لأمتنا، مع الاستفادة من التجربة التاريخية للأمم التي تناضل مثلنا من أجل الحفاظ على الوجود، وأيضاً من التجربة التاريخية للأمم التي أصبحت اليوم تفرض حضارتها على العالم أجمع.
ويشرح الجابري أن المسألة "ليست مسألة أن الإسلام ما زال صالحاً لكل زمان ومكان"، فهذا ما يؤمن به كل مسلم؛ ولكنها مسألة ما إذا كان المسلمون اليوم صالحين لزمانهم، أي قادرين على أن يعيشوا عصرهم، وعلى أن يصنعوا سيرة جديدة تُكمل سيرة السلف القديمة، وتجعل منها واقعاً حياً صالحاً لأن تستلهمه الأجيال المقبلة في بناء سيرتها الخاصة.
وختاماً، يقول الجابري إن المناداة بالاجتهاد، وفتح باب الاجتهاد، ستظل كلاماً في الهواء، ما لم يحدث فتح للعقل الذي تقع عليه مهمة الاجتهاد؛ ذلك لأن باب الاجتهاد لم يغلق، وإنما انغلق عندما انغلق الفكر الذي كان يمارسه، ضمن إطار حضاري توقف عن الحركة والنمو.
ويشير الجابري إلى أنه من الضروري أن يكون الجهد الفكري المطلوب، في المجتهد اليوم، مختلفاً اختلافاً نوعياً عن الجهد الذي كان مطلوباً في مجتهدي الأمس؛ لأن مشكلات عصرنا تختلف نوعياً عن مشكلات الماضي، وأنه لا أحد في الإسلام يملك سُلطة إغلاق باب الاجتهاد؛ فالاجتهاد أصل من أصول التشريع، وهو حق لكل مسلم توفرت فيه الشروط المعرفية التي تُمكّنه من ذلك.