يسعى المفكر التونسي رياض الجوادي إلى معرفة أسباب التراجع الحضاري الذي أصاب الأمة الإسلامية، بعد قرون من الريادة وتفسيرها، واستعادة النهضة والريادة الحضارية؛ وذلك عبر كتابه "الحضارة الإسلامية: أسباب التراجع وشروط النهضة"، مؤكداً من خلاله أن الحضارة الإسلامية تمتلك من المقومات ما يجعلها قادرة على النهوض من جديد، واستعادة دورها الحضاري، إذا استوعبت دروس الماضي واستفادت منها؛ ساعياً بذلك إلى تشخيص أسباب التراجع الحضاري الذي أصاب العالم الإسلامي، ومُجتهداً في الشروط التي تؤدي إلى النهضة، واضعاً خطوات تصل بالعالم الإسلامي إلى استعادة الدور الحضاري.
أسباب التراجع
يرى الجوادي، في كتابه، أن التراجع الحضاري الذي يشهده العالم الإسلامي ليس قضاءً محتوماً، ولكن هو نتيجة أسباب موضوعية. ويؤكد إمكانية تحقيق النهضة الحضارية إذا استوفت شروطها، وأن التراجع الحضاري للأمة الإسلامية لم يكن وليد مصادفة، ولا بسبب عوامل خارجية فقط، وإنما هو حصيلة تراكمية لعوامل متعددة ذاتية وموضوعية، منها:
- غياب المشروع الحضاري: فالحضارة الإسلامية فقدت في مرحلة تاريخية محددة قدرتها على صياغة "مشروع حضاري شامل" يقود إلى التجديد.
- الجمود الفكري والديني: إذ تحول الدين من محرك للإبداع إلى "طقوس جامدة"، وسيطر التقليد على الفقه والفكر وفقدت الأمة دينامية الاجتهاد وحركيتها.
- التخلف العلمي: إذ تحول التعليم إلى تكرار للنصوص دون فقه، وفقدت المراكز العلمية قدرتها على العطاء فتراجعت علمياً، ومن ثم حضارياً.
- الغزو العسكري: كالحملات الصليبية وهجمات المغول التي دمرت مراكز العلم والمدن الكبرى في العالم الإسلام، ورغم ذلك يشير إلى أن أثر الغزو العسكري لم يكن بهذه القوة لولا هشاشة الداخل.
- الاستعمار الحديث: ويتمثل في الاستعمار الأوروبي، وإخضاع الشعوب سياسياً واقتصادياً ونهب ثرواتها.
- الغزو الثقافي والفكري: الذي تمثل في التشكيك في الذات الحضارية، ما دفع بعض النُّخب إلى الانبهار بالغرب حتى وقعوا في التبعية الكاملة.
يقول الكاتب إن التراجع الحضاري للعالم الإسلامي كان حصيلة تفاعل مُعقد بين الداخل والخارج، فلو كان الداخل قوياً، لكان قادراً على صد الغزو الخارجي، لكن الضعف الداخلي جعل الأمة سريعة الانكسار.
شروط النهضة
ويوضح الجوادي أن النهضة مشروع متكامل له شروط موضوعية وروحية، وليست شعاراً يُرفع، و"لا يمكن للأمة أن تنهض بالشعارات، بل بالاستجابة لشروط موضوعية أثبتها التاريخ وأكّدها الواقع".
وهو يرى أن شروط النهضة تنقسم إلى مستويات ثلاثة:
- شروط فكرية روحية: تتمثل في العودة إلى الوحي والسنة الصحيحة، بشرط إدراك أن النص الديني مصدر للحياة والحركة، وليس مجرد طقوس شكلية، مع أهمية إحياء الاجتهاد بما يضمن تجديد فهم الدين وفق متغيرات العصر، مع الوضع في الاعتبار القيم الروحية، الأمر الذي يجعل الدين قوة دافعة للإنسان.
- شروط اجتماعية: وتتمثل في تفعيل الحرية والوحدة والتكامل، ونبذ التشرذُم والتفرق والمذهبية بأنواعها، مع ضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية.
- شروط عملية واقتصادية: مثل تجديد التعليم وإصلاح مناهجه، بما يحرر العقل ويوفر له القدرة على النقد والإبداع، إضافة إلى الانفتاح على العلوم الحديثة؛ وأخيراً، بناء اقتصادي قوي متماسك قائم على العلم والعمل والإبداع.
يقول المؤلف إن شروط النهضة مترابطة وليست منفصلة، فلا قيمة لعلم بلا حرية ولا وحدة دون عدالة، ولا جدوى للاجتهاد دون الروح؛ فالنهضة الحضارية لا تتحقق إذا أُغفل أي من شروطها.
الطاقة الإيمانية
وينتقد الجوادي النظام العالمي المعاصر، الذي يرى أنه قائم على القوة ومحكوم بالأنانية ومسكون بالعنصرية، وأنه لم يكن محايداً، ويسعى دائماً إلى السيطرة والإقصاء؛ ويؤكد أن النظام العالمي يتمركز حول الحضارة الغربية والغرب، الذي يعتبر نفسه معياراً للإنسانية، ويتعامل مع الحضارات الأخرى بمنطق التفوق والاحتقار. كما أن النظام العالمي، حسب قوله، لديه ازدواجية في القيم، فبينما "يرفع شعارات الحرية وحقوق الإنسان، يُمارس سياسات استعمارية وعنصرية".
كما يوضح أن النظام العالمي له انعكاسات سلبية على الأمة، ويدعو إلى تغيير هذا الواقع الذي تفرضه المركزية الأوروبية، عبر نهضة حضارية حقيقية للعالم الإسلامي والعربي، ولن تحدث أو تتحقق أو تتمكن الحضارة الإسلامية من المنافسة الحضارية، وفرض احترامها، إلا إذا امتلكت قوة حضارية مستقلة تواجه عنصرية النظام العالمي، وهيمنته الاقتصادية والإعلامية، حسب قوله.
ويربط الكاتب بين النهضة والفعالية الروحية للدين، الأمر الذي يجعل منه "قوة دافعة وهادية"، فالحضارة يلزمها بُعد إيماني وفعالية روحية، يعرّفها بأنها "الطاقة الإيمانية التي تُحول الدين إلى قوة محركة للحياة كلها"؛ والفعالية الروحية، وفقاً له، ليست مجرد ممارسة شعائرية، وإنما هي "قوة حية تغذي السلوك الفردي والجماعي". ويضع لها مقومات عددية تتمثل في الإيمان العميق، وتزكية النفس عبر الإصلاح الأخلاقي والربط بين العبادة والعمل، فالحضارة الإسلامية تتميز بأنها جعلت الروح في قلب مشروعها النهضوي.
الريادة الحضارية
ويدعو الجوادي إلى إحياء الفعالية الروحية عبر تجديد التربية الدينية، وإصلاح التعليم الديني، ليرتكز على المعنى والغاية بدلاً من الحفظ والتلقين، ويطالب بتفعيل القوة العملية، وإصلاح المؤسسات الدينية، كما يُشدد على أهمية تجاوز النمط الاستهلاكي المفرط الذي يمارسه العالم العربي والإسلامي، وضرورة الانتقال من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الإنتاج.
ويؤكد أهمية "الفعالية الروحية" مع الأخذ بالأسباب الحضارية المادية كإصلاح التعليم والتحول من النمط الاستهلاكي إلى النمط الإنتاجي، ويطالب باستعادة منابع القوة الذاتية التي تميزت بها الحضارة الإسلامية، مع العمل على تقديم بديل حضاري متوازن في عالم يرزح تحت وطأة المادية والاستهلاك، ويشدد على أهمية تحقيق النهضة المنشودة كفعل تاريخي جديد يتطلب وعياً بشروط النهضة والإرادة الحضارية والعمل المستمر والجهد الجماعي.
ويشدد المؤلف على أهمية استعادة العالم الإسلامي ريادته الحضارية عبر تحقيق نهضته الخاصة وامتلاك القوة الحضارية التي تميزه، لا سيما أنه يرى أن "الأمة التي استطاعت أن تصنع حضارة عظيمة في الماضي قادرة على أن تنهض من جديد إذا فهمت سُنن التاريخ"، ويدعو إلى العمل لأن "الحضارة لا تُهدى ولا تُورث، بل تُبنى بالجهد والعرق"، ويُشدد على أهمية الإرادة الحضارية والعزم الجماعي لبناء مستقبل مختلف للواقع المتردّي، لا سيما أن الحضارات تحكم صعودها وانهيارها قوانين موضوعية، وفقاً له.
وختاماً، يرى المفكر التونسي رياض الجوادي، في كتابه "الحضارة الإسلامية: أسباب التراجع وشروط النهضة"، أن التراجع الحضاري للأمة الإسلامية كانت له أسباب داخلية، مثل الجمود وغياب المشروع وتراجع الفكر والإبداع؛ وأخرى خارجية، مثل الاستعمار والغزو الثقافي، ويضع للنهضة شروطاً روحية واجتماعية وعلمية واقتصادية، ويدعو إلى مواجهة محاولات الإقصاء والوقوف أمام محاولات الهيمنة التي يتسم بها النظام العالمي المتمركز حول الغرب، الذي لا يعترف إلا بالحضارة الغربية ويتجاهل باقي الحضارات الأخرى، ويتعامل بازدواجية في المعايير والقيم.