الحداثة العربية:

تناقضات الاغتراب والانفصال عن الواقع

مركز حوار الثقافات

17-08-2025

"الحداثة أكثر المفاهيم غموضاً في الفكر العربي المعاصر.. الحداثة مصطلح تعرض لاستخدام عشوائي وتخبط شعبوي.."؛ لعل هذه أهم ما يعرضه المفكر العراقي كريم الوائلي (1951م)، في كتابه "تناقضات الحداثة العربية"، مشدداً على رفض الحداثة الشكلية الناشئة من محاكاة النماذج الغربية؛ حيث يرى أن الحداثة العربية تواجه ثلاث إشكاليات أساسية، تتمثل في الانفصال عن الواقع، والاغتراب عن المجتمعات، والتقليد المشوه للمفاهيم الغربية؛ داعياً إلى تغيير بنية العقل والفكر والثقافة العربية لتأسيس حداثة عربية أصيلة.

الحداثة الغامضة

يؤكد الوائلي أن استخدام مصطلح الحداثة في الخطاب الثقافي والاجتماعي والعربي المتكرر، جعله يبدو مصطلحاً فارغ الدلالة دون مضمون وأحياناً لا يعني شيئاً، وأحياناً أخرى يعني كل شيء؛ وأصبح المصطلح يُستخدم بشكل غير دقيق وشعبوياً يتصف بأنه مصطلح براق ومضيء، لكنه يرى الحداثة مصطلحاً غامضاً وملتبساً وغير مفهوم، يحتاج إلى تحديد علمي دقيق بدلاً من "التعويم والتقديس السطحي" الذي يتعرض له، ويُطالب بالنظر إلى الحداثة كظاهرة تاريخية واجتماعية تتشكل وفق سياقات خاصة، فهي ليست منقطعة الجذور وليست مصطلحاً مصمتاً أو حقيقة مطلقة، مؤكداً على أهمية دراسة الحداثة وفق ثلاث خطوات رئيسة:

- محاكاة الخارج؛ وتتمثل في الكشف عن أثر النموذج الغربي المقلّد أو المستنسخ.

- معاناة الداخل؛ وتتمثل في قراءة التوترات الداخلية التي رافقت التفكير الحداثي.

- تأصيل الحداثة؛ وتتمثل في البحث في الشروط الفكرية والمعرفية المحلية، التي من شأنها أن تؤصل لمشروع حداثي عربي.

يقول الوائلي إن خطوتي "محاكاة الخارج"، و"معاناة الداخل"، تهدفان إلى إبراز التصورات الإحيائية التي شكلت تمهيداً ملتبساً لحداثة غير مكتملة، بينما الخطوة الأخيرة "تأصيل الحداثة"، تهدف إلى "تأصيل مفهوم الحداثة في السياق العربي الحديث والمعاصر"، حسب قوله. 

الحقيقي والشكلي

يتناول الكاتب الشعر باعتباره أحد جوانب الحداثة الثقافية العربية، ويرى أن الشعر العربي في القرن التاسع عشر -عصر النهضة العربية- كان امتداداً لعصور سابقة مظلمة، فظهر إحياء ومحاكاة للشعر العباسي والجاهلي في استجابة سطحية لأزمة الشعر آنذاك. وهو يهدف بهذا العرض إلى التأكيد على أن مشروعات الحداثة العربية لم تولد من عدم، بل جاءت كرد فعل على فترة جمود طويل. ثم يرصد مواجهة بعض المفكرين العرب للحداثة الغربية بـ"الارتهان إلى التراث"، ما أطلق عليه "الغواية والافتتان غير العقلي"، ما أدى إلى استلاب ثقافي عطّل إنتاج رؤية جديدة للحاضر، وتحول إلى سلطة رمزية تقف عائقاً أمام حرية التفكير؛ وفي المقابل، ينتقد محاولات الانسلاخ الكامل من التراث عن طريق بعض المفكرين المنبهرين بالغرب.

ويوضح الكاتب وجود خلط بين التجديد "الحقيقي" والتجديد "الشكلي"، يظهر بصورة جلية في الخطاب الأدبي الذي يُعتبر "تجديداً"، بينما في الحقيقة هو تكريس لأنماط قديمة يُعاد إنتاجها عبر أنساق التقليد، ويرى أن "الحداثة والتجديد ليسا مترادفين"، فالحداثة تتطلب تغييراً بنيوياً عميقاً في طريقة التفكير والرؤية للعالم، بينما التجديد قد يكون تكراراً للماضي بلغة الحاضر؛ فليس كل جديد حداثياً، بل قد يكون هو القديم نفسه يُعاد إنتاجه بأدوات جديدة. 

الصدمة الحضارية

وينتقد الوائلي "الخيال المتعقل" الذي ساد في نهايات عصر النهضة، الذي يتمثل في أنه إبداع أو "خيال يخضع للضبط العقلي المُقيد بقيود منطقية وفكرية، تحول دون التحرر الإبداعي"، داعياً إلى "الخيال الحر المبدع الذي يتجاوز الواقع".

ثم يتناول الصدمة الحضارية التي تعرض لها العالم العربي بسبب الاحتلال الغربي، وما نتج عن ذلك من إعادة نظر وتأمل في "الذات والآخر"، وفي العلاقة بين الماضي والحاضر، فظهرت ثلاثة ردود فعل متباينة:

- العودة إلى التراث؛ التي تمثلت في استلهام التراث لمواجهة الآخر، وإعادة بعثه وإحيائه.

- المواجهة التوفيقية؛ التي تمثلت في إعادة النظر في الحاضر، عبر إعادة قراءة التراث دون تجاوزه، ما أدى إلى تلفيق ثقافي وفكري لم يُنتج فكراً حداثياً.

- الانبهار بالغرب؛ الذي تمثل في اتخاذ بعض المثقفين العرب الحداثة الغربية نموذجاً مطلقاً، دون مراعاة السياق التاريخي.

وينتقد المؤلف ردود الفعل الثلاثة ويرفضها، ويرى أن الصدمة الحضارية كانت جوهرية، وقد أصابت تصورات وقيم ومعايير المجتمعات العربية في الصميم، وواجه العقل العربي "نموذجاً معرفياً لم يكن مُهيأ للتعامل معه".

الحداثة والتجديد

يرى الكاتب أن الحداثة مصطلح فضفاض حتى في الغرب نفسه، وأنه يحتاج إلى تعريف صارم، ويستند إلى المفكر البريطاني مالكوم برادبري (1932-2000م)، الذي يؤكد أن الحداثة الغربية "تحمل كثيراً من ظلال المعنى"، ويستعرض السياقات الفكرية التي أسهمت في بلورة مفهوم الحداثة من فكر التنوير بقيمه من عقلانية وعلمانية وتقدم، وينتقل إلى مفكرين غربيين مثل نيتشه وماركس وفرويد، الذين قدّموا نقداً جذرياً للموروث الديني والأخلاقي، فحولوا الحداثة إلى عملية تفكيك مستمرة؛ مؤكداً أن الحداثة الغربية تعكس حالة "فوضى حضارية ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى، وانهارت على إثرها اليقينيات القديمة"، حسب قوله.

يقول الوائلي إن الحداثة في السياق العربي محمّلة بعوامل متعددة، منها الإرث الديني والسياسي، وتجربة الاستعمار، وغياب الظروف والشروط الفكرية والسياسية التي أنتجت الحداثة الغربية؛ لافتاً الانتباه إلى أن الحداثة العربية جاءت كرد فعل على الغرب، لا بسبب التطور العضوي الداخلي.

وينتقد الكاتب الاستخدام العربي لمصطلح الحداثة غير الدقيق، والجمع بين "الحداثة" و"التجديد" على أنهما مصطلح واحد بمعنى واحد، ويرى أن الحداثة غير التجديد، لا سيما أن التجديد قد يحدث داخل الأنساق التقليدية، بينما الحداثة تتطلب قطيعة معرفية مع الأنساق التقليدية. ويستشهد الوائلي بمفكرين عرب مثل المفكر السوري علي أحمد سعيد "أدونيس" (1930م)، والمفكر التونسي حمادي صمود (1947م)، والمفكر العراقي فاضل ثامر (1938م)، الذين أكدوا على ضرورة التمييز المفهومي والدلالي عند استخدام مصطلح الحداثة.

كما يرفض الوائلي ثنائية "التأسلف والتمغرب" في الفكر العربي، فالتزام التراث وإحياؤه واللجوء إلى الفكر السلفي والسلف، بحثاً عن الأصالة والتماهي في الفكر الغربي دون نقد وانتقاء، أمر مرفوض وغير حداثي لم ولن يحقق الحداثة.

مساءلة الوعي

يجتهد الوائلي في تشخيص أزمات الحداثة البنيوية، ويرى أنها تعاني من مآزق ثلاثة:

- حداثة الانفصام؛ وهي محاولات الحداثة العربية المستوردة من الغرب، والمنفصلة عن السياق المحلي والمجتمعات.

- حداثة الاغتراب؛ وهي مشروعات الحداثة العربية المغلقة والنخبوية، التي لم تنفذ إلى الوعي الشعبي العام والمجتمعات العربية.

- حداثة الكاريكاتير: وهي مشروعات الحداثة العربية التي تُمثل صدى مشوهاً للحداثة الغربية، تقتبس الشكل وتتجاهل المضمون، وتنتج حداثة "كاريكاتورية" لا تتصل بالجذور المعرفية وسياقات الحداثة الأصلية.

ويدعو الكاتب إلى مساءلة الوعي الحداثي العربي بشكل كامل، لا سيما أن مشروعات الحداثة العربية، في رأيه، ما هي إلا "قشرة تغلّف ثقافة تقليدية لم تتغير"، و"تمظهر لغوي لا يصاحبه تحوّل معرفي"، و"تقليد مشوّه للغرب بلا سياق محلي"، بينما الحداثة الحقيقية لا تستورد ولا تُستنسخ، بل تنبع من الداخل عبر قطيعة نقدية مع الماضي وآليات استنساخه وإعادة تدويره، حسب قوله.

وختاماً، يؤكد المفكر العراقي كريم الوائلي، في كتابه "تناقضات الحداثة العربية"، أن الحداثة العربية مرت بثلاث مراحل، هي محاكاة الخارج واقتباس نماذج غربية ومعاناة الداخل، وما نتج عنها من تناقضات الذات العربية؛ مُطالباً بتأصيل الحداثة عبر تفكيك المفاهيم الكبرى وإعادة الوعي الحداثي، ومُشدداً على أهمية التمييز بين مفهومي الحداثة والتحديث. وهو يرفض تناقض الشكل والمضمون في الخطاب الحداثي العربي، ويشدد على أن الحداثة العربية تفتقر إلى مشروع بنيوي لأنها لا تعبّر عن تحوّل تاريخي داخلي، بل هي حداثة شكلية، ما يوجب إعادة تشكيل النسق الفكري والثقافي العربي من الداخل، حتى يُمكن تأسيس حداثة عربية مبدعة.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة