الجنوسة النسقية:

رؤية في فهم الثقافة العربية وآليات اشتغالها

مركز حوار الثقافات

30-10-2025

يسعى المفكر السعودي عبد الله الغذامي (1946م)، في كتابه "الجنوسة النسقية: أسئلة في الثقافة والنظرية"، إلى تجاوز أبعاد قضية المرأة الثقافية والاجتماعية، عبر البحث في أبعادها النسقية وبنيتها العميقة التي تحكم الفكر والثقافة العربية؛ ويؤسس مقاربة محلية تراعي الخصوصية الثقافية العربية، وتنطلق من داخل النصوص الموروثة والمعاصرة لفهم أنساق السلطة الفكرية والثقافية والهيمنة، وذلك لإعادة التفكير في العلاقة بين الثقافة والنص والنظرية، مستخدماً منهجاً نقدياً فلسفياً، يُظهر البُنى الفكرية التي وقفت كعوائق ضد النهضة وأبقت الثقافة في دائرة التقليد. 

النسق السردي

يُفكك الغذامي مفهوم "الجنوسة النسقية"، بوصفها نسقاً ثقافياً يتخلل البنية السردية والمعرفية في الخطاب العربي، ويتجاوز وجهة النظر إلى المرأة باعتبارها "كائناً اجتماعياً"، إلى النظر إليها على أنها "رمز داخل نظام ثقافي"؛ فالمرأة تتحول إلى "علامة نسقية لها دلالات أوسع من الفردي والاجتماعي". ورغم ما قدمه النقد النسوي الغربي من أدوات مفيدة في دراسة المرأة بشكل عام، والجنوسة النسقية بشكل خاص، لكنه يتجاوز هذه الأدوات ولا ينقلها بشكل مباشر، ويجتهد في تأسيس مقاربة محلية تراعي السياق العربي، وتشتبك مع البنية الثقافية الموروثة التي أنتجت صور المرأة، ووجهات النظر السائدة عنها والتي تتحكم فيها.

ويوضح الكاتب أن الزواج "عقد ثقافي" يتجاوز العلاقة الاجتماعية، وتُعرف من خلاله هوية المرأة داخل النظام السردي، الذي "يفضح آلية الثقافة في استخدام الزواج لتكريس البنى السلطوية". ومن ثَم، يبحث في مفهوم "الزواج السردي"، الذي يراه طريقة تُوظَّف بها شخصية المرأة، في النصوص السردية لتجسيد قوى اجتماعية أو ثقافية؛ إذ تُصبح المرأة علامة داخل "بنية الزواج"، التي تعكس علاقات القوة، وليست شخصيتها الفردية. فالمرأة في النسق السردي أداة نسقية تكشف عن موقف الثقافة من قضايا متعددة كالشرف والنسب والسلطة. وهو يراها وسيطاً رمزياً بين الفرد والنسق، ويوضح كيفية إعادة صورة المرأة تراثياً عبر أشكال مختلفة، كالأمثال والحكايات الشعبية والقصص، ما يُعيد تكرار أنماط المرأة التقليدية التي تخدم النسق القيمي المجتمعي المنتشر.

الثقافة والنهضة

يناقش المؤلف علاقة الثقافة بالنهضة، ويرى وجود "سقف ثقافي" يحد من إمكانات النهوض والتجديد، وهذا السقف جزء من البنية الداخلية للثقافة العربية ذاتها، وليس بسبب قوى خارجية؛ إذ هو "جملة من المعتقدات والأنماط التي تفرضها الثقافة على الفكر والإبداع"، ما يضع حدوداً غير مرئية غير أنها حدود فعالة، تمنع التفكير المختلف وتعيد إنتاج التقليد. ويضرب أمثلة بالأسباب أو معوقات النهضة، مثل: سيطرة الخطاب الأبوي، وتكرار الأنماط الجاهزة في الأدب والخطاب الديني والاجتماعي. 

ويرى الغذامي أنها بنى تعمل على تكريس الجمود والتقليد، ويوضح أن مشاريع النهضة العربية في القرنين الماضيين، التاسع عشر والعشرين، اصطدمت بالسقف الثقافي نفسه، فظلت محاولات جزئية لم تتحول إلى تغيير جذري، لذلك يُشدد على أهمية مراجعة النهضة ذاتها "مُراجعة نقدية للثقافة ذاتها، وتجاوز استيراد المنجزات الغربية".

يقول الكاتب، إن أي مشروع نهضوي حقيقي يبدأ من نقد الداخل، من "الثقافة نفسها"؛ وسبيل كسر هذا السقف الثقافي هو النقد الفلسفي والنسقي، لأن الإشكاليات تكمن في أنظمة التفكير الكامنة خلف الثقافة والنصوص. 

ويتناول الغذامي مفاهيم الجنوسة والهوية والسرد، ويرى أنها علامات تخضع لآليات الدلالة؛ يتسع معناها بتعدد السياق، وهي بالنسبة إليه مفاهيم حية تدخل في شبكة من العلاقات الرمزية، لا يمكن ضبطها بشكل نهائي، لأنها "إشارات حرة" تتحرك وفق السياقات والنصوص، ما يكشف مستويات متعددة من المعنى، لا سيما وأن الإشكالية ليست في تعدد المعاني ولكن في أن يظل المفهوم ثابتاً؛ فالمعاني المتعددة تؤدي إلى إنتاج المعنى، ما يُعد إبداعاً دلالياً في ذاته، يتجاوز مفاتيح الفهم الجاهزة.

النقد الفلسفي

يوضح المؤلف العلاقة بين النظرية، باعتبارها "كياناً فكرياً ينتج المعاني والمفاهيم"، وبين الثقافة النظرية، ويرى أنها علاقة غير محايدة، يشوبها الهيمنة، كما في علاقة الثقافة بالمرأة، لا سيما أن الثقافة العربية تتعامل مع النظرية باعتبارها تابعة للنص أو المعنى، وليست كياناً مستقلاً، ما يشبع واقع المرأة العربية في الثقافة العربية؛ إذ تُعرَّف المرأة دائماً من خلال الآخر، عبر علاقتها مع الرجل، سواء كان زوجاً أو أباً. فالوعي الثقافي يتعامل مع النظرية على أنها خاضعة للتشييء والتأطير كما هو حال المرأة، ويدعو إلى نقد وتفكيك هذا الوعي التأطيري للنظرية حتى تصبح كياناً مستقلاً ينتج المعنى.

ويؤكد الغذامي أن أدوات النقد التقليدية "الأدبية واللغوية"، غير كافية لفهم البنى العميقة التي تتحكم في الثقافة؛ لذلك يُطالب بتفعيل النقد الفلسفي، لما له من قدرة على نقد الأنساق والأنظمة، إضافة إلى نقد النصوص. فالنقد الأدبي يهتم بالشكل والأسلوب، ويتجاهل القوى والبنى الثقافية التي تنتج النصوص وتحدد معانيها؛ فيبقى النقد الأدبي محدود القدرة على كشف الجذور النسقية، بينما الفلسفة تتجاوز أنها تنظير تجريدي، لتصبح أداة لفتح الأسئلة العميقة حول السلطة والمعنى والأنساق، وعبر النقد الفلسفي وحده يمكن فضح الحدود التي ترسمها الثقافة وتحجب إمكانات النهضة.

ويربط الكاتب بين النقد الفلسفي ومشروعه حول "الجنوسة النسقية"؛ فالنقد الفلسفي يُمكن من قراءة صورة المرأة والنظرية والزواج السردي كأنساق ثقافية، لا مجرد موضوعات فردية. إذ النقد الفلسفي يفتح أفقاً للتجديد الثقافي، لأنه يُحرر من "السقف الثقافي"، فالنقد الثقافي، نقد يهدف إلى تأسيس وعي جديد بالثقافة والنسق، ويسعى إلى تجاوز العملية التقليدية التي تتمثل في إعادة إنتاج ما هو قائم، لذلك يتمسك بالنقد الفلسفي لما له قدرة على كشف الأنساق الثقافية وكسر السقف الثقافي.

يقول الغذامي، إن الجنوسة النسقية مفتاح لفهم الثقافة العربية، تتجاوز كونها قضية تخص المرأة فقط، لا سيما وأن صورة المرأة في السرد والزواج والنظرية تكشف عن الأنساق المضمَرة التي تحكم الثقافة، والهدف الرئيس يتجاوز تحرير المرأة، إلى السعي إلى تحرير الثقافة من قيودها الداخلية، عبر النقد الفلسفي لتجاوز هذه الأنساق.

وختاماً، يؤكد المفكر السعودي عبد الله الغذامي، في كتابه "الجنوسة النسقية: أسئلة في الثقافة والنظرية"، أن صورة المرأة في السرد مدخل إلى نقد شامل للثقافة العربية، وتفكيك هذه الصورة يؤدي إلى مواجهة البنى النسقية العميقة التي تتحكم في إنتاج المعنى. فمفاهيم مثل المرأة والزواج والنظرية -ككيان لإنتاج المعنى- تتحول إلى علامات كاشفة عن السقف الثقافي الذي يحد من إمكانات النهضة والتجديد. 

لذلك يدعو إلى النقد الفلسفي، القادر على مساءلة الأنساق الفكرية التي تعيد إنتاج التقليد، كما أنه يجعل "الجنوسة النسقية" أداة لفهم الثقافة العربية، بما تحمله من مفارقات ومكبّلات تؤثر سلباً في النهضة، وتحقيقها؛ الأمر الذي يجب تجاوزه عبر النقد الفلسفي، ونقد الداخل، وكشف الأنساق التي تخفيها النصوص، وتفرضها الموروثات على الوعي الجمعي.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة