يتتبع المفكر التونسي فريد الزاهي (1960)، في كتابه "الجسد والصورة والمقدس في الإسلام"، تمثيلات الجسد في الثقافة الإسلامية والعربية وفق منظور تأويلي وفينومينولوجي (دراسة ظواهر الجسد وفق التجربة الذاتية)، ويرفض التعامل مع الجسد كموضوع خارجي؛ حيث يرى أنه موضوع مركب، يراقب ذاته ويتشابك مع الحسي والمتخيل والرمزي مع الديني والفردي والجماعي.
ويرفض الزاهي اختزال الجسد في قضايا المرأة والجندر (النوع الاجتماعي)، ويشدد على أهمية التعامل مع الجسد على أساس أنه "ظاهرة ثقافية معقدة ترتبط بالهوية والصور الذهنية والدلالات المتجذرة في اللغة العربية"، لا سيما أنه يربط بين الجسد والصورة والمقدس والخيال والنص؛ موضحاً أن ثمة صلة عميقة بين الجسد والمتن والنص والصورة في التراث الإسلامي والعربي.
دلالات ثقافية
يطرح الزاهي سؤالاً محورياً: لماذا ظل الحديث عن الجسد في الثقافة العربية الإسلامية نادراً ومقيداً بالنص الفقهي أو الأخلاقي أو الميتافيزيقي؟ وانحصر الحديث عنه في التراث في ضوء علاقة الجسد بالوظائف الجسدية والعملية والجنسية، وغاب ككيان مستقل له "دلالات وأبعاد وجودية ثقافية".
ويبحث في الجسد من خلال الأنساق التاريخية والثقافية والدينية، ويرى أن الجسد في الإسلام يمثل نماذج ثلاثة:
- الجسد الواقعي: الذي يؤدي الطقوس ويعيش الحياة.
- الجسد المتخيل: له تمثلات رمزية وجمالية.
- الجسد المقدس: الذي يحمل آثار التقوى والطهارة والعفة.
يقول الكاتب إن هذا التصور الثلاثي للجسد في التراث أثر في الثقافة الإسلامية، وفي الممارسات السلوكية والجمالية والشعائرية؛ لذلك فإنه من الضروري دراسة الجسد وفق الأطر الفكرية للبنية الإسلامية دون إسقاط خارجي، مع توضيح حضور المرجعيات الدينية والبلاغية والثقافية والأنثربولوجية للجسد في التراث الإسلامي.
ويجتهد الزاهي في الإجابة عن سؤال: هل الجسد مكبوت في الثقافة الإسلامية؟ ويرى أن الجسد في الثقافة الإسلامية التراثية يوضع في حالة من التغييب والتهميش "سواء من حيث التناول المعرفي، أو الاهتمام الاجتماعي والسياسي والديني"، وبقى حاضراً فقط في علاقته بالشريعة والنظافة والطهارة والزواج؛ فلم يُدرس الجسد في ذاته وظل تابعاً لثنائيات "الروح والجسد" و"البدن والنفس". ويرى أن الفلسفة الإسلامية تعاملت مع الجسد في ضوء وظيفي، انتقل إلى الثقافة الحديثة في العالم العربي، التي وضعت الجسد في دائرة "المسكوت عنه"، لذلك يرفض اختزال الجسد في أن يكون "موضوعاً فقهياً" فقط.
يقول المؤلف إن "الجسد ليس شيئاً نملكه فقط بل هو ما نكونه"، فهو ما يعطي الإنسان القدرة على الإدراك والتجربة وليس مجرد أداة وحسب، والصورة النفسية له تؤثر في الهوية والإدراك والسلوك.
الجسد والقداسة
يوضح الكاتب أن الجسد في الفكر الإسلامي التقليدي لم يكن ينظر إليه كذات، بل كجسم يتحكم به النص ويُضبط من خلال الطقوس، وفي أفضل حالاته هو "ممر إلى المقدس ولم يكن موضوعاً للتفكير"؛ ويرى أن هناك العديد من العوائق التراثية التي منعت التفكير في الجسد، مثل: خضوع الجسد لمركزية الروح والدين، وغلبة المقدس على التفسيرات المتعلقة به، وتبعيته للسلطة الفقهية والتقليل من شأن المتع الحسية، وغياب تصوره ككيان مستقل، واعتباره "انعكاساً للنفس أو لصورة الإله"، ما جعل الجسد "موضوعاً هامشياً خاضعاً للرقابة المعرفية والنصية"، حسب قوله.
ويُحلل الزاهي علاقة الجسد في الفكر الإسلامي بمفهوم القداسة، إذ ارتبط بصفة التقديس وفق منظور يضعه في دائرة التقييد الشرعي؛ فالجسد محل العبادات يتحقق فيه الخطاب الديني، وتمارس عليه الطقوس ويصبح وسيلة للعبودية، وله حضور قوي في القرآن من خلال زاوية عقائدية وطقسية كأداة للعبادة، أو وعاء للجزاء والعقاب، أو معبر بين الدنيا والآخرة. ويؤكد أن "جسد النبي عليه الصلاة والسلام" كان نموذجاً أعلى للجسد المقدس في الإسلام، فهو حامل للرسالة ومحاط بهالة من الاحترام الطقسي، مثل عدم رفع الصوت وعدم لمس الجسد النبوي بعد الوفاة، وما زالت له بعض آثاره الجسدية المحفوظة كبعض ملابسه وأدواته التي استعملها في حياته.
وينتقل الكاتب في حديثه إلى "الجسد الأنثوي"، ويرى أنه تحول من القدسية إلى الفتنة وأصبح "خطراً رمزياً"، ما أدى إلى تقييده عبر الحجب والستر وتنظيم ظهوره عبر آليات اللباس والصوت والحركة. ورغم ذلك، ظل الجسد الأنثوي رمزاً لإنتاج بعض المعاني المقدسة الرمزية، مثل الأمومة والشرف والطهارة، وبقي داخل سياج من "الرمزية الذكورية"، ولم يكن له تمثيل ذاتي مستقل، رغم أن له دوراً محورياً في نظام الأخلاق والهوية الإسلامية.
استراتيجية الحياء
يبحث الزاهي في البُعد الخارجي المظهري للجسد في الإسلام، المتمثل في المظهر واللباس والهيئة والهيكلة الاجتماعية، أو ما يُطلق عليه "الاستراتيجية المظهرية". ويتحدث عنه كصورة يُتحكم فيها وفق منظومة الضوابط الأخلاقية الطقسية الرمزية، فالإسلام "نظّم تمظهُر الجسد بمنظومة الأوامر والنواهي"، التي فيها المُباح والمحظور والحركة والهيئة ومواقيت إظهاره وإخفائه، فأصبح موضعاً للطهارة والحياء والعفة والهوية الدينية، وتحول إلى مظهر للانتماء الديني والاجتماعي والجنسي والطائفي، في بعض الأحيان، عبر مجموعة من المظاهر، مثل الحجاب والعمامة والقلنسوة واللحية بوصفها دلالات على الانضباط الإيماني.
ويقول المؤلف إن الحياء استراتيجية مظهرية إسلامية، فالحياء نظام تأديبي يُخضع الجسد لضوابط قِيمية، وهو ليس خُلقاً فردياً، بل "مؤسسة رمزية تُهندس الجسد في الوعي والممارسة"، وفق تعاليم تتعلق باللباس والمظهر والصوت والمشي، وهو مؤسسة موجهة للمرأة في المقام الأول تمنح الذكر "مكانة تحكمية" وتمييزاً نوعياً في الثقافة الإسلامية.
ويرى الزاهي أن اللباس يحمل دلالات دينية واجتماعية وجنسية، ويخضع لمفاهيم مثل الستر والزينة والعورة والتشبه، ويتجاوز دوره الوظيفي إلى دور تشريعي عبر عدد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، استخدمه الفقه التقليدي كأداة للسيطرة والفصل الرمزي بين الذكر والأنثي وبين المسلم وغيره، واستخدم في مكونات الهوية للتميز بين الذات والآخر، عبر مفهوم التشبه بغير المسلمين وجعله وسيلة لضبط "الحدود الثقافية والدينية"؛ فالفقه التقليدي استخدم تأويل النصوص الدينية في قمع الجسد وكبح إمكانيات التعبير، بينما "الإسلام في حقيقته لا يُقصي الجسد بل ينظمه من الناحية المظهرية، ويجعله وسيلة للتهذيب وأداة للهوية المظهرية"، حسب قوله.
تقديس وتخويف
يوضح الكاتب أن الهوية الجنسية في التراث ركزت على ثنائية الذكورة والأنوثة وفق النصوص الدينية وتأويلاتها الفقهية، وجعلت الفروق بين الجنسين ليست فروقاً بيولوجية فقط، بل أصبحت نظاماً ثقافياً دينياً، يُفرق بين النوع والجنس من الناحية البيولوجية، وبين الجنس كنوع اجتماعي ثقافي. بل وأصبحت الفوارق البيولوجية بين النوعين نظام تفوق ذكوري مدعوم بتأويلات فقهية وتفسيرات دينية، ووضعت الأنوثة بين ثنائية التقديس "الأمومة"، والتخويف "الفتنة".
يقول الزاهي إن النظام الذكوري التراثي وضع في أزمة مع بدء مشروعات الحداثة والنهضة، التي أدت إلى ظهور العديد من "الأنماط الأنثوية الفاعلة"، ويجب إعادة إنتاج ثنائية "الذكورة والأنوثة" في الفكر العربي، لإنتاج صور تأويلية ومعانٍ جديدة تربط الفرد بالجسد بالمقدس.
وختاماً، يؤكد المفكر التونسي فريد الزاهي، في كتابه "الجسد والصورة والمقدس في الإسلام"، أن الجسد ليس عنصراً خارجياً، بل هو بنية تأويلية ثقافية حاضرة رغم محاولات القمع والتأطير؛ ويطالب بإعادة النظر إليه كمُنتج للمعاني وليس مجرد أداة طقسية، وذلك وفقاً لقراءة تنطلق من النصوص الإسلامية وتتجاهل التأويلات الفقهية التي تسعى إلى وضعه في إطار السيطرة الذكورية، ويُطالب بتفكيك مفاهيم إخضاع الجسد إلى الرقابة والعيب، ويدعو إلى إعادة النظر إليه عبر أفق تأويلي ثقافي فكري، لا سميا أنه يمثل انعكاساً للذات والهوية والمقدس؛ لذا يجب إعادة النظر إليه بشكل أعمق يجعله أداة ثقاقية ومرآة لفهم الذات والآخر.