الثواب والعقاب (3) :

الحساب الإلهي.. ودلالات النار و"العقاب" قرآنياً

مركز حوار الثقافات

18-12-2025

تميّز الخطاب القرآني في حديثه عن الجنة والنار بلغةٍ تتراوح بين التجسيد الحسي والتمثيل الرمزي؛ ففي وصف الجنة تُستخدم ألفاظ الماء، والظل، والأنهار، والثمار، والقصور، والحرير، وكلها تعبيرات عن المكان المريح الآمن؛ كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فِيهَآ أَنۡهَٰرٞ مِّن مَّآءٍ غَيۡرِ ءَاسِنٖ وَأَنۡهَٰرٞ مِّن لَّبَنٖ لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُۥ...﴾ [محمد: 15]. أما النار فتوصف بألفاظ الضيق والظلمة والحرّ؛ كما في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتۡ مِرۡصَادٗا ٭ لِّلطَّٰغِينَ مَـَٔابٗا﴾ [النبإ: 21-22]؛ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي ضَلَٰلٖ وَسُعُرٖ ٭ يَوۡمَ يُسۡحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: 47-48].

 هذا التقابل اللغوي، أو بالأصح اللساني، يعكس تقابلاً مكانياً وجودياً: فبين "جنات عدن" و"سقر"، وبين "مَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ" و"بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقاً"، تتشكل هندسة أخروية تُعبّر عن ميزان الحق الإلهي في الفعل والجزاء.

ومثلما تناولنا، من قبل، الجنة والثواب؛ سوف نتناول، هنا، النار والعقاب.. 

النار والعقاب

إذا كانت الجنة هي تجسيد للثواب، فإن النار (أو جهنم، أو السعير)، هي التجسيد المكاني المرعب للعقاب؛ والقرآن يصورها بتفاصيل مروعة لتكون رادعاً للنفوس عن المعاصي.

ولعل ذلك ما يتبدى عبر جهات ثلاث:

- من جهة، مكان الإهانة والعذاب.. فالنار هي دار العذاب والخزي؛ كما في قوله سبحانه: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمۡ فِيهَا زَفِيرٞ وَشَهِيقٌ ٭ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: 106-107]. وبالطبع، فالخلود، هنا، هو جزء من العقاب نفسه.

من جهة أخرى، التجسيد الحسي للعقاب.. إذ كما جسد التنزيل الحكيم الثواب في ملامح حسية، فإنه يجسد العقاب في صور مكانية وحسية تثير الفزع:

- طبيعة العذاب.. النار والزمهرير؛ كما في قوله سبحانه: ﴿... فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 24]. والعذاب، كما يتضح عبر السياق القرآني، ليس حراً فقط، ولكنه هو برد شديد أيضاً؛ ولنا، هنا، أن نتأمل قوله تعالى: ﴿وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةٗ وَحَرِيرٗا ٭ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۖ لَا يَرَوۡنَ فِيهَا شَمۡسٗا وَلَا زَمۡهَرِيرٗا﴾ [الإنسان: 12-13]. إذ نفى القرآن الكريم عن "أهل الجنة" أن يتعرضوا لـ"الشمس" التي تسبب الحرارة، أو "الزمهرير" الذي يدل على البرد الشديد. هذا عن الجنة؛ أما عن جهنم، يقول تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتۡ مِرۡصَادٗا ٭ لِّلطَّٰغِينَ مَـَٔابٗا ٭ لَّٰبِثِينَ فِيهَآ أَحۡقَابٗا ٭ لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرۡدٗا وَلَا شَرَاباً ٭ إِلَّا حَمِيمٗا وَغَسَّاقٗا﴾ [النبإ: 21-25]. و"حَمِيمٗا" تؤشر إلى الماء شديد الحرارة؛ أما "غَسَّاقٗا"، فهي تدل على السوائل التي تخرج من أجساد وجلود أهل النار (الأصل اللساني فيها هو "غسقت عيناه" أي سالت؛ لذا، فـ"الغساق" هو السائل).

- المسكن.. الضيق والسلاسل؛ كما في قوله عزَّ وجل: ﴿... إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقاً﴾ [الكهف: 29]. فالمكان، هنا، ضيق محيط بهم، وهم "مقيدون"، كما في قوله عزَّ من قائل: ﴿إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سَلَٰسِلَاْ وَأَغۡلَٰلٗا وَسَعِيراً﴾ [الإنسان: 4].

- العذاب النفسي.. الندم والهوان؛ فأهل النار يتمنون الموت فلا يموتون؛ يقول سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ٭ لَا يُفَتَّرُ عَنۡهُمۡ وَهُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ ٭ وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٭ وَنَادَوۡاْ يَٰمَٰلِكُ لِيَقۡضِ عَلَيۡنَا رَبُّكَۖ قَالَ إِنَّكُم مَّٰكِثُونَ﴾ [الزخرف: 74-77]. بل ويعانون أشد أنواع العذاب النفسي، وهو الندم على ما فات، كما في قوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ مَا يَشۡتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشۡيَاعِهِم مِّن قَبۡلُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ فِي شَكّٖ مُّرِيبِۭ﴾ [سبإ: 54].

من ناحية أخيرة، الغضب الإلهي.. وهو أعلى درجات العقاب؛ فكما أن أعلى درجات الثواب هو الرضوان، فإن أعلى درجات العقاب هو الغضب الإلهي والطرد من رحمة الله. يقول تبارك وتعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمۡ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: 20]. هذا البعد عن رحمة الله هو العذاب الأعظم الذي يفوق العذاب الحسي.

"الثواب" والمكان

يأتي الثواب في التنزيل الحكيم بوصفه مآلاً مكانيّاً للخير، لا مجرد مكافأة معنوية؛ فالثواب يعني العودة إلى مكان النعيم الذي أعدّه الله للمتقين، يقول سبحانه: ﴿وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]. إذ إن وصف الجنة بعرضها الذي يساوي السماوات والأرض، يدل على إظهارها بشكل جلي، من حيث إن "العرض" هو "الإظهار بشكل واضح". ولنا، هنا، أن نُلاحظ أنه كما أن هناك عرضاً للجنة، أو الجنة التي "أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ"؛ فكذلك، هناك عرض للنار، كما في قوله تعالى: ﴿وَعَرَضۡنَا جَهَنَّمَ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡكَٰفِرِينَ عَرۡضاً﴾ [الكهف: 100].

إلا أن اللافت أن الثواب في السياق القرآني يتنوع تبعاً لتنوّع الأعمال والمقامات، ما يعني تنوّع "المكانة" لدى رب العالمين، بالنسبة لـ"المؤمنين"، كما في قوله سبحانه: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ﴾ [الأنفال: 4]. ومن ثم، فهناك مراتب مكانية ومعنوية "دَرَجَٰتٌ" للمؤمنين، تبعاً لأعمالهم.

بل إن القرآن الكريم يربط بين روعة المكان وبين صفاء العمل، وبين جزاء الله لمن يوصفون بـ"المتقين"؛ حيث يقول تعالى: ﴿جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ لَهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَۚ كَذَٰلِكَ يَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [النحل: 31]. وبهذا، فإن صورة الجنة القرآنية تجمع بين المطلق الروحي والتمثل المكاني؛ فهي دار إقامة وسكن وخلود، حيث يتحول "المكان" إلى رمز لـ"الرضا الإلهي"، فالجنة ليست مكاناً فقط، وإنما موطن للسكينة أيضاً. يقول تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ ٭ ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِينَ ٭ وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ﴾ [الحِجر: 45-47].

"العقاب" والمكان

أما العقاب في التنزيل الحكيم، فهو الوجه الآخر للثواب، ومآله المكاني هو النار التي وُصفت بصفات مادية وروحية في آنٍ واحد. فهي نار تُحرق الأجساد، لكنها أيضاً تؤلم النفوس. يقول عزَّ وجل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَوۡفَ نُصۡلِيهِمۡ نَارٗا كُلَّمَا نَضِجَتۡ جُلُودُهُم بَدَّلۡنَٰهُمۡ جُلُوداً غَيۡرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيمٗا﴾ [النساء: 56]. هنا، تتبدى فكرة المكان العقابي في أعلى صورها: النار ليست مجرد عنصر مادي، ولكن مكان دائم الجزاء العدلي، يُعاد فيه خلق الإحساس بالألم ليبقى الحساب قائماً أبدياً. وفي آية أخرى، يصف الله النار بأن لها "سَبۡعَةُ أَبۡوَٰبٖ"، فيقول عزَّ من قائل: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ٭ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوۡعِدُهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٭ لَهَا سَبۡعَةُ أَبۡوَٰبٖ لِّكُلِّ بَابٖ مِّنۡهُمۡ جُزۡءٞ مَّقۡسُومٌ﴾ [الحِجر: 42-44].

وهذا التنظيم المكاني للنار، يشير إلى تراتب العقاب بحسب شدة الجرم، تماماً كما تتفاوت درجات النعيم في الجنة؛ فهي، أي النار، أيضاً، بنية مكانية عادلة، تُجسّد التناسب بين الفعل والجزاء. فالنار في القرآن ليست فقط مكاناً للحرمان من النعيم، بل مكان للعزلة الإلهية؛ إذ يُحجب أهلها عن رب العالمين، كما في قوله سبحانه: ﴿كَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّمَحۡجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15]. فالعقاب، إذاً، ليس العذاب الجسدي فحسب، بل البعد الوجودي عن مصدر الرحمة.

وختاماً، يمكن القول إن ثنائية الجنة والنار في القرآن الكريم ليست مجرد مقابلة بين خير وشر، وإنما هي بنية مكانية للعدل الإلهي؛ حيث يتجلّى النظام الأخلاقي في صورة جغرافية أخروية. فكما أن الأرض الدنيوية هي ميدان العمل الإنساني، فإن الجنة والنار هما ميدان النتائج لهذا العمل. يقول سبحانه: ﴿تِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنۡ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّٗا﴾ [مريم: 63]؛ ويقول تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ ٭ وَءَاثَرَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٭ فَإِنَّ ٱلۡجَحِيمَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ ٭ وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ ٭ فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ﴾ [النازعات: 37-41].

ولنا أن نُلاحظ، هنا، أن مصطلح "ٱلۡمَأۡوَىٰ" ذو دلالة مكانية صريحة؛ فهو الموضع الذي يأوي إليه الإنسان بعد تمام الحساب. فالجنة مأوى الطائعين، والنار مأوى العاصين. إنّ هذا التقابل في المصير يجعل من المكان الأخروي مرآة للزمان الدنيوي: فالإنسان في الدنيا يسير، وفي الآخرة يستقرّ. والمكان في الجنة والنار ليس عارضاً، بل هو الغاية النهائية للحركة الوجودية للإنسان.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

اتجاهات ثقافية

مشروعات إصلاحية: ما أبرز إشكاليات تجديد الخطاب الديني؟

01-09-2024

ارسل بواسطة