التكوين التاريخي:

تطورات الهوية وتحولات الوعي العربي

مركز حوار الثقافات

15-07-2025

التكوين التاريخي: 

تطورات الهوية وتحولات الوعي العربي

يعرض المفكر العراقي عبد العزيز الدوري، في كتابه "التكوين التاريخي للأمة العربية: دراسة في الهوية والوعي"، قراءة نقدية لتشكل الهوية العربية تاريخياً؛ بدءاً من الفترة الجاهلية مروراً بظهور الإسلام والمراحل التاريخية المتتابعة بعد ذلك، حتى يصل إلى ظهور المفهوم المركب والمتعدد للهوية العربية المرتبط بالوعي القومي الحديث، ويؤكد من خلاله تنوع التاريخ العربي وتطور مراحل الوعي بالذات العربية وتطورات الهوية. 

عوامل الهوية

يضع الدوري إطاراً نظرياً لدراسة وقراءة الهوية العربية، وإعادة النظر فيها وفقاً لأبعادها التاريخية والاجتماعية والدينية واللغوية والفكرية، فيرفض وجهات النظر والدراسات التي تنظر إلى الهوية العربية والعروبة على أنها مفهوم ثابت جامد غير ديناميكي وغير متحرك، ويتعامل مع الهوية العربية والعروبة على أنهما عملية تاريخية متطورة، تتصف بالديناميكية وتتفاعل عبر أربعة عوامل رئيسية:

- اللغة العربية: ويعتبرها نظاماً رمزياً يحمل رؤية للعالم تتجاوز كونها أداة اتصال؛ فاللغة العربية، لغة القرآن الكريم، سجلت انتصاراً في انتشارها وثباتها على اللهجات المحلية.

- النسق القيمي: الذي يتمثل في تطور المفاهيم في الساحة العربية، منذ الجاهلية كمفهوم المروءة إلى العدالة الإسلامية، وتطور القيم المنتشرة قبل الإسلام إلى مفاهيم وقيم إسلامية تتصف بالعالمية.

- الذاكرة الجمعية: التي تتمثل في الإنتاجات الفكرية والثقافية والأدبية والدينية التي شكلت الوعي المشترك في الهوية العربية والعروبة.

- السياق الجيوسياسي: الذي يتضح في تغيرات الهوية وفقاً لتغير الخريطة السياسية في العالم العربي والإسلامي، ما نشأ عنه تطور الهوية العربية.

يقول الكاتب إن وضع العوامل السابقة في الحُسبان، عند دراسة الهوية العربية، وإعادة النظر في مفهوم العروبة، ينتج عنه إيجاد إطار منهجي عقلي لدراسة الهوية في المجتمعات العربية ودراسة امتداداتها التاريخية. 

القبيلة والأديان

يوضح الدوري أن البنية القبلية قبل الإسلام تأسست عبر طبقات ثلاث:

- الطبقة الأولى: هي النسب الدمي أو النسبة وفقاً للدم المؤسس على القرابة البيولوجية، فيرتبط أفراد القبيلة بقبيلتهم عبر أنساب متصلة تُشكل هوية القبيلة وأفرادها، وكان يُمكن توسيع هذا النسب عن طريق التحالفات مثل حلف المطيبين في مكة. 

- الطبقة الثانية: في بنية القبيلة قبل الإسلام هي الاقتصاد الرعوي، الذي تمثل في سيطرة القبائل على موارد المياه والمراعي؛ بل وخوض الحروب من أجل هذه الهيمنة على موارد المياه والمراعي، لا سيما وأن اقتصاد الرعي كان الاقتصاد الأشمل والأكثر انتشاراً بين القبائل العربية.

- الطبقة الثالثة: وهي النظام الأخلاقي، الذي يتمثل في مجموعة المبادئ والقيم التي نظَّمت حياة الفرد والجماعة في المجتمع القبلي. 

ويرى الكاتب أن هذه الطبقات الثلاث كان لها دور رئيس في تنظيم الحياة بشكل عام في المجتمعات الجاهلية قبل الإسلام وفي تنظيم الانتماء للقبيلة آنذاك.

ينتقل الكاتب إلى الحديث عن الأديان السائدة لدى العرب قبل الإسلام، فيقدم تحليلاً طبقياً للأديان يوضح من خلاله طبقات انتشار الأديان لدى العرب قبل الإسلام، وتمثلت في الوثنية الحضرية التي كانت في مكة كمركز رئيس وامتدادها في باقي القبائل؛ إذ كانت الآلهة الوثنية وطقوس عبادتها جزءاً من النظام الاقتصادي في مكة؛ ثم اليهودية التجارية لليهود الذين مارسوا التجارة المرتبطة بالزراعة والحرف، الأمر الذي أوجد هوية مُغايرة. ثم الحنيفية التي اعتنقها أفراد من العرب رفضوا عبادة الأصنام وعبدوا الله الواحد، وهي بالنسبة له حركة إصلاحية نقدية تجاه الوثنية، وليست ديناً توحيدياً كاملاً، رغم تأسيسها على التوحيد، إضافة إلى انتشار المسيحية وارتباطها بالروم في بعض أماكن العرب، مثل شمال الجزيرة العربية وعرب الشام.

فرض الهوية 

ينتقل الدوري إلى العصر الإسلامي، ويرى أنه تسبب في عديد من التغيرات الخاصة بالعرب وانتماءاتهم وهويتهم؛ حيث انتقلوا من الانتماء إلى القبيلة إلى الانتماء للأمة الإسلامية، وتحول موالي القبيلة من أطراف هامشيين إلى شركاء فعليين في الأمة، وشهدت اللغة العربية ثورة، فبعد أن كانت لغة شعرية فقط امتدت واشتملت على ثورة تشريعية وقانونية، تمثلت في أحكام القرآن الكريم وتشريعاته، ثم بعد ذلك في إدارة الدواوين العربية. كما أن الإسلام غيّر الخريطة الذهنية لدى العرب، فبعد أن كانت مكة مركزاً تجارياً، تحولت إلى رمز ديني يرتبط بالحج. 

كما يشير إلى ما وصفه بالإنجاز الحضاري الذي أحدثته الدولة الأموية، عبر تشكيل نظام البريد وسك العملة الإسلامية الموحدة وإنشاء ترسانة بحرية إسلامية عربية. ويوضح أن تعريب الدواوين الذي أحدثه الأمويون لم يكن إجراءً إدارياً فقط، بل كان مشروعاً ثقافياً لفرض الهوية العربية والإسلامية.

ويتناول الدوري العصر العباسي، ويرى أن أهم ما يميزه هو الانفتاح الثقافي، الذي حدث بسبب عمليات الترجمة للفلسفة والعلوم المختلفة، مثل الطب والهندسة والفلك، وما نتج عنها من إنتاج علمي وثقافة علمية سادت في العصر العباسي، لا سيما في نصفه الأول؛ ثم ما تبع ذلك من انغلاق أيديولوجي تمثل في محنة المعتزلة التي أدت إلى تهميش العلوم العقلية بعد ذلك. 
 ويرى أن الهوية العربية في العصر العباسي تعرضت لأزمة بسبب ظاهرتين متضادتين ومتصارعتين، هما: الشعوبية التي تحولت إلى حركة مناهضة للعرب؛ والنزعة العربية الجديدة، التي نشأت كرد فعل على الشعوبية، التي حرصت على إحياء التراث اللغوي والتاريخي العربي كما فعل سيبويه والطبري.

الوعي القومي

ينتقل الكاتب إلى بدايات ظهور الوعي القومي العربي في عصر النهضة العربي، ويتناول شخصيات أسهمت في تطوير مفهوم الهوية العربية، وتسببت في ظهور الوعي القومي العربي، مثل محمد عبده، الذي أكد أهمية الإصلاح الديني كمدخل للتجديد القومي، ودعا إلى تحرير الفكر الإسلامي من الجمود، وربط في مشروعه بين الإصلاح الديني واليقظة العربية، وأكد أن العروبة حاضنة للإسلام وليست بديلاً عنه. ثم عبد الرحمن الكواكبي الذي ربط بين التحرر السياسي والنهضة العربية، ودعا للجامعة الإسلامية العربية، وميز بين العروبة كقومية وبين الإسلام كدين. ثم يتحدث الكاتب عن المفكر السوري رفيق العظم، الذي رفض القومية وأكد العروبة كهوية تربط بين اللغة والثقافة المشتركة. ثم شكيب أرسلان الذي قبل العروبة ووافق عليها كإطار ثقافي جامع لكنه رفضها كبديل للهوية الإسلامية.

ويوضح الدوري أن جميع الأفكار السابقة امتدت بعد ذلك إلى جميع التيارات الفكرية العربية اللاحقة عليها، وكانت مثل الجسور التي امتدت بين التراث الإسلامي وبين النهضة، كما أنها كانت مرحلة انتقالية بين الولاء للهوية الإسلامية والهوية القومية.

ويرى الدوري أن الحركة العربية، التي بدأت مع الحرب العالمية الأولى، كانت نتاج تراكمات تاريخية؛ أهمها: انتشار التعليم الحديث، ونشأة جيل جديد من المثقفين العرب، الذين تأثروا بالأفكار الليبرالية، فوقعت في تلك الفترة الثورة العربية ضد الأتراك، ومطالبات بالمساواة اللغوية والقومية، وإعادة الاعتبار للغة العربية، ما أنشأ الحركة القومية العربية التي أوجدت وعياً قومياً عربياً امتد تأثيره إلى الهوية العربية والعروبة.

وختاماً، يؤكد المفكر العراقي عبد العزيز الدوري، في كتابه "التكوين التاريخي للأمة العربية: دراسة في الهوية والوعي"، أن الهوية العربية خضعت لتكوين تاريخي متفاوت، وتطورت حتى تحولت إلى هوية مركبة متعددة غير عرقية وليست دينية، ومرت بمراحل من هوية قبَلية إلى هوية دينية إسلامية إلى هوية حديثة قومية اللغة العربية وعاؤها الثقافي، ويشدد على إخضاع الهوية العربية الحديثة للنقد المستمر، ما يُسهم في استمرار تطورها حتى تشارك في تأسيس الحداثة والتقدم.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة