التعدد والتوحيد:

الحلقة المفقودة في تاريخ الأديان

مركز حوار الثقافات

18-11-2024

حول العصر الهلنستي، وهو فترة من التاريخ القديم يعاملها كثير من الباحثين كذيل مهمَل للحضارة الهيلينية الإغريقية الكلاسيكية، يخوض الباحث العراقي الدكتور خزعل الماجدي، في كتابه المعنوَن بـ"كشف الحلقة المفقودة بين أديان التعدُّد والتوحيد"، الصادرة طبعته الأولى عام 2014، عن المركز الثقافي العربي بالدار البيضاء، مغامرة البحث والكشف عما أسماه الهامش الهلنستي، باعتباره أعظم فترة شهدت تحولاً بشرياً في تاريخ الأديان.

وقد انشغل الماجدي، حسب ما جاء في كتابه، بمرحلة الانتقال من الأديان متعددة الآلهة إلى الأديان الموحدة التي آمنت بإله واحد، لافتاً إلى أن المرحلة الهلنستية، التي يحددها بالفترة التي تلت وفاة الإسكندر المقدوني وانتهت بقيام الدولة البيزنطية، أي بين 323 قبل الميلاد إلى 330 ميلادية، هي المرحلة الحاسمة التي جرى فيها التحول الكبير من الأديان متعددة الآلهة إلى الأديان الموحدة، مُشيراً إلى أن الأمر لم يحدث ببساطة، بل عبر حلقة مفقودة يلقي الضوء عليها في كتابه ذاك.

الحلقة المفقودة

هذه الحلقة المفقودة بين أديان التعدد والتوحيد، كما يعرفها الماجدي في كتابه، التي تجمع المسارية والهرمسية والغنوصية، هي البادئة بفكرة التوحيد العرفاني الباطني الخالي من الوحي، التي تحملت الاصطدام بكتلتين كبيرتين: الأولى، هي كتلة الماضي الصلد للأديان التعددية؛ والثانية، هي كتلة الأديان ذات التوحيد الظاهري الناشئة حديثاً والمؤمنة بالوحي، التي انتعشت بفضل المناخ الروحاني والفلسفي الذي أشاعته المرحلة الهلنستية.

ويقول الكاتب إنه عندما اجتاح الإسكندر المقدوني الشرق، صنع لأول مرة في تاريخ البشرية "إمبراطورية عالمية تجمع الشرق والغرب معاً"، لذا أراد أن يجعل إمبراطوريته بيئة واحدة تختلط فيها الثقافات والحضارات والأديان الشرقية والغربية. ورغم وفاة الإسكندر السريعة، فالممالك الهلنستية التي نتجت عن إمبراطوريته تلك أكملت مهمته، فبقيت على مدار ثلاثة قرون في هذا المُناخ المعولَم، وحين حلَّ الرومان مكان الإغريق في الشرق استمرت مهمة "هَيْلنة الشرق الأدنى"، فكانت الإمبراطورية البيزنطية ثمرة الهلنستية بامتياز، فقد صارت المسيحية، التي هي ثمرة هلنستية، ديانة هذه الإمبراطورية، وبثت الروح في منطقتها لألف عامٍ تالٍ.

إدماج الآلهة

بدأت التحولات، حسب الماجدي، من التعددية إلى التوحيد عبر إعادة صياغة الأديان الوثنية هلنستياً توفيقياً من خلال إدماج آلهة غربية مع آلهة شرقية، ثم حوَّرت الفلسفات الهلنستية الجديدة (كالفيثاغورية الحديثة والأفلاطونية الحديثة)، الإرث الفلسفي الهيليني الكلاسيكي وأعادت إنتاجه بصيغ جديدة، كذلك فعلت الفلسفات العملية والأخلاقية (الأبقورية والرواقية والشكّية).

ويؤكد الكاتب أنه في مثل هذه الأجواء من الحرية الفكرية والروحية، تحركت التيارات الباطنية التي كانت كامنة تحت رماد الشرق والغرب، فظهرت الحركات الهرمسية والغنوصية والمسارية في الشرق الأدنى، وصارت هي حلقة الوصل بين "الشِّرْك" والتوحيد، بل صارت الرحم الحقيقي لولادة التوحيد، حسب المؤلف.

وقد حصل هذا بشكل أساسي في مراكز الثقافة الهلنستية الكبرى، وهي الإسكندرية وأنطاكيا وأفاميا والسامرة والجليل وسلوقيا وميسان وبابل، وتراوحت بين صناعة أكاديمية وتيارات روحية وباطنية شعبية.

ويؤكد الماجدي أنه هكذا انتقلت الديانة اليهودية مما يُسمى "التفريد"، وذلك بوضعهم الإله مردوخ فوق آلهة أخرى، وهو نوع من التوحيد المُلتبس، ثم إلى التوحيد الصريح بإله واحد، ثم ظهرت المسيحية حاملةً تفريدها الخاص، الأقنوم التثليثي، ثم ظهر الإسلام بميل شديد إلى التوحيد الخالص.

الأديان الثلاثة، اليهودية والمسيحية والإسلام، ظهرت بحسب الماجدي، من آثار وأصول هرمسية وغنوصية ومسارية، كذلك من التأثر ببعضها، وكانت نقلة فريدة بين العالم القديم والعالم الوسيط، وجواباً منسجماً مع إمبراطورية واحدة وإمبراطور واحد.

العصر الهلنستي 

يرى الماجدي أن العصر الهلنستي امتاز بالتسامح الديني والقومي بين الناس، وانتشار روح الإخاء بينهم وصعود مركز المرأة في المجتمع والحكم، وظهور الأندية الاجتماعية رغم بعد المسافة بين طبقتي الأثرياء والفقراء.

ويلفت الكاتب إلى أن العصر الهلنستي هو أول ظهور لفكرة العولمة في التاريخ البشري، بوجود عالم "الأيوكومين"، أو ما يعني "العالم الخاص بالبشر المتحضرين"، ومن أجل هذا العالم وجدت لغة مشتركة "كويون" ساعدت على التقريب بين عناصر هذا العالم، فقد أخذ المتعلمون يستخدمون لهجة "أتيكا"، التي نشأت منها تدريجياً اللغة الإغريقية الهلنستية، تلك اللغة التي كُتبت بها التوراة الجديدة؛ وإذا كانت اللهجات المحلية بقيت مستعملة مدة طويلة في بعض الأنحاء، فإنه لم يأتِ القرن الأول حتى كانت اللغة المشتركة مستعملة في كل مكان.

ويقول الماجدي إنه غداة وفاة الإسكندر المقدوني، عقد القادة الخلفاء له مؤتمراً في بابل، ليبحثوا مشكلة ولاية العرش والحكم في الإمبراطورية المقدونية، وبعد صراعات مريرة قرروا أن يرتقي الأخ الأحمق للإسكندر، أرهيدايوس، العرش تحت اسم فيليب، مع الاعتراف بحق جنين زوجة الإسكندر -إذا كان ذكراً- في مشاركة فيليب العرش بمثابة شريك تحت الوصاية، وقد وزعت ولايات الإمبراطورية بين 14 قائداً من قادة الإسكندر، على أن يكون "برديكاس" وصياً على العرش والقائد الأعلى.. وقد حصل بطليموس على مصر، وصار أنتيباتروس حاكم مقدونيا.. وكان هذا أول تقسيم للإمبراطورية المقدونية التي أنشأها الإسكندر. 

ومع سقوط البطالمة في مصر، بحسب الماجدي، انتهى العصر الهلنستي وانتهت معه حضارة الإغريق كلها، وورثت روما ذلك العالم مترامي الأطراف. وقد عملت روما على تغذية كل العوامل التي من شأنها أن تفضي إلى انحلال العالم الهلنستي ببطء تدريجي، فضلاً عن أنها حالت دون انتشار الحضارة الهيلينية وتغلغلها في الشرق على نطاق واسع، فيما انتهى التاريخ الرسمي للممالك الهلنستية في عام 30 قبل الميلاد، بعد معركة أكثيوم عندما انتحر أنطونيو ثم كليوباترا ودخول أوكتافيوس إلى مصر لينهي آخر مملكة هلنستية باقية.

النزعة التوحيدية

يقول الماجدي إن النزعة إلى "توحيد الإله" جاءت من الفلسفة في العصر الهلنستي، بل إن النزعة التوحيدية الفلسفية، ثم الباطنية، كانت الرحم الذي خرجت منه الأديان الموحدة؛ لكنه يلفت النظر إلى أن التوحيد الهلنستي لم يكن ديناً كاملاً، بل كان نخبوياً فكرياً وفلسفياً في بدايته، وربما ظهر على شكل لمحات دينية هنا وهناك كانت تجرف التفريد نحو التوحيد، لكنه وجد صيغته المثلى في الديانة المسيحية.

وبدأت نزعات التوحيد الدينية في الظهور مرافقة لنمو الفلسفات التوحيدية؛ ففي وادي الرافدين، حيث لم تنتشر مدارس فلسفية منظمة تعتني بالتوحيد، ظهر ميل ديني شديد لعبادة آلهة السماء من جهة وتنزيهها عن غيرها.

ويؤكد الكاتب أن أغلب الوثائق القادمة إلينا من العصر الهلنستي تؤكد انتشار عبادة "آنو" (Anu)، رب السماوات والأرض ورب رجال الدين؛ وفي العصر الهلنستي أيضاً ظهرت عبادة الملوك والنجوم، وهما عبادتان بجذور شرقية شهدتهما سابقاً أراضي الشرق الهلنستي.

ثورة المسيحية

ولدت المسيحية من رحمين متعاكسين، بحسب الكاتب، هما اليهودية التي تبشر بظهور (المشيّا) الذي سينقذ بني إسرائيل، والغنوصية التي كانت ترى المسيح مبعوثاً إلهياً لينقذ النفس البشرية من أدران العالم المادي؛ وحين ظهر آباء الكنيسة المسيحية الرسمية تصدّوا بشراسة وعنف للغنوصية معتبرين إياها هي التي تطفلت على المسيحية وأرادت صبغها بصبغتها. 

وهكذا بدأت الغنوصية (عسيرة الفهم على العامة)، تخسر الطبقات الشعبية، وفقدت قوتها قبيل القرن الثاني الميلادي، ونهضت الأرثوذوكسية، ثم أصبحت المسيحية "رسمية" في العالم البيزنطي وأحرقت كل التراث الغنوصي الذي وصف وقتها بالهرطقة/الكُفْر. لكن الكاتب يعود ويشير إلى بقاء الغنوصية في أجزاء كثيرة من عالمنا اليوم، باعتبارها منافسة للمسيحية (القويمة) حول أصل المسيحية وأصل التوحيد، بل لتواصل دورها في الإشارة إلى علوّ النفس ومكانها الرفيع، وإلى كونها ملهمة روحية تشير إلى عظمة القوة الروحية في الإنسان قبل أن تكون ديناً منظماً أو بديلاً للأديان؛ إذ إنها يبدو قد تخلت عن هذا الدور، بحسب الكاتب.

وختاماً، يؤكد الماجدي أن الغنوصية، ومعها الهرمسية والمسارية، رغم سرقة دورهما الريادي في التوحيد، وجدت لها مكاناً في الأديان الموحّدة الظاهرية الثلاثة (اليهودية والمسيحية والإسلام)، وأسهمت في نقل العالم الغربي من التاريخ الوسيط إلى التاريخ الحديث. 

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة