التعددية الثقافية:

إشكالية الأقليات المسلمة في المجتمعات الغربية

مركز حوار الثقافات

24-07-2025

يركز المفكر البريطاني من أصول هندية، علي راتانسي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة سيتي اللندنية، في كتابه "التعددية الثقافية: مقدمة قصيرة جداً" على قضايا الأقليات والهوية الوطنية والمواطنة داخل المجتمعات الغربية، وعلاقتها بالحضور الإسلامي المتنامي والمتزايد في الدول الغربية. ويرصد مراحل الاعتراف بالتعددية الثقافية والاندماج داخل المجتمعات الغربية. 

ويرفض راتانسي وجهة النظر الغربية التي ترى في الإسلام تهديداً لهوية المجتمعات الغربية الوطنية، ويرى أن المسلمين في العالم الغربي لا يرفضون الهوية الوطنية ولا يعارضونها، ويطالبون بتعريف للهوية الوطنية أكثر شمولية لا يقصيهم من مدلولات الهوية، ويشدد على أهمية تأسيس تعددية ثقافية واندماج يراعي مفاهيم الحوار والكرامة والمساواة والعدالة والاعتراف المتبادل ومراعاة التاريخ المشترك، مع الاستمرار في المراجعة النقدية المستمرة للتعددية الثقافية ومراعاة التطورات الاجتماعية. 

نموذجان للتعددية

يؤكد راتانسي على الطبيعة الاجتماعية للإنسان، فالفرد لا يمكن أن يتجاهل الحاجة إلى الانتماء والتواصل الاجتماعي، والعلاقات بين البشر "تعطي معنى للحياة"؛ ورغم ذلك، فإنه لا يجوز للمجتمع فرض معاييره الثقافية على الأفراد، ويجوز للفرد الاعتراض على تقاليد جماعته الثقافية ومغادرتها، ويشدد على رفض تقدير الثقافات على حساب حقوق الإنسان، ويرى أن التعددية الثقافية، لا سيما في المجتمعات الأوروبية، لم تعالج التفاوت الطبقي؛ إذ أنتجت "وعياً زائفاً". 

ويشدد على أهمية "إقامة جسر بين المجال النظري الذي يُعنى بتحديد حقوق الأفراد والجماعات ضمن الإطار الليبرالي"، وبين "المجال التطبيقي الذي يتناول تجارب التعددية على أرض الواقع"، لا سيما أن العالم بوجه عام، والعالم الغربي بوجه خاص، في حاجة إلى سياسة جديدة "أكثر عدلاً وفعالية لإدراك أن التعددية لا تعني الاعتراف فقط".

ويُعيد الكاتب النظر في التعريف السائد للتعددية الثقافية بأنها "الاعتراف بالتنوع الثقافي والاحتفاء به وتشجيع لغات الأقليات وتعزيزها"، ويرى أن هذا التعريف يتجاهل وجود علاقات غير متكافئة بين الثقافات، خصوصاً وأن مفهوم التعددية يرتبط بالتمييز العرقي والتفاوت الاجتماعي، ويعرض لأنواع التعددية الثقافية التي -وفقاً له- تنحصر في نموذجين رئيسين:

- التعددية الليبرالية: التي تنطلق من مبدأ الحريات الفردية وتدعو إلى المساواة في الفرص، دون تدخل مباشر من الدولة في دعم ثقافات بعينها.

- التعددية متعددة القوميات: التي تُعد نموذجاً أكثر تدخلاً يعترف بحقوق الجماعات الثقافية، ويمنحها امتيازات وتمثيلاً خاصاً.

تهميش تاريخي

ينتقل راتانسي إلى الاهتمام بالهوية، الذي زاد بداية من فترة الستينيات من القرن العشرين، كرد فعل على التهميش التاريخي الذي تعرضت له جماعات إثنية وعرقية معينة، ما دفعها إلى المطالبة بالاعتراف بثقافاتها في الحياة العامة كجماعات ذات خصوصية. ويرى أن نمو الحركات المناهضة للعنصرية، والحملات النسوية، أسهم في تعزيز ثقافة الاعتراف بالتنوع، لكنه يُحذر من تحول بعض النماذج التعددية إلى رمزية شكلية، إذا لم ترتبط بعدالة اجتماعية تواجه التفاوتات المختلفة؛ فالتعددية الثقافية عنده ليست سياسة واحدة، بل طيف واسع من التوجهات النظرية والممارسات السياسية، تتفاوت وفق السياقات التاريخية والثقافية للدول.

وبالنسبة إلى التساؤل "هل التعددية الثقافية ضارة بالمرأة؟"؛ وهو التساؤل الذي طرحته المفكرة الأمريكية سوزان مولر أوكين (1946-2004م)، يبحث راتانسي عن إجابته؛ إذ تذهب "أوكين" إلى أن سياسات التعددية تشكل تهديداً خطيراً على حقوق النساء، لا سيما في الأقليات، حيث يُفرض باسم التعددية الثقافية ممارسات ضد المرأة. إلا أن راتانسي يرى أن هذا التساؤل تسبب في إيجاد حالة من الاشتباك بين قيم حقوق الإنسان من جهة، وبين حقوق الجماعات الثقافية من جهة أخرى، ويتحدث عن التجربة الفرنسية لمنع الحجاب، وما أثارت من تناقض مجتمعي بين مؤيدين للقرار، الذي ذهبوا إلى أن الحجاب علامة على الإخلال بالعلمانية الفرنسية، وبين آخرين رأوا في حظر الحجاب رسمياً قمعاً لحرية المجتمع وحق النساء في التعبير عن ذواتهن.

معايش متوازية

ويقول الكاتب إن عديداً من المفكرين، لا سيما في الغرب، يفترضون "أن المرأة في ثقافات الأقليات ضحية"، دون إعطائها فرصة التعبير عن موقفها، بينما ظهر في وقت لاحق أن بعض الفتيات المسلمات في العالم الغربي اخترن الحجاب بمحض إرادتهن، ما يضعف وجهة النظر التي ترى أن الرموز الدينية تُفرض بالقهر، وينتقد تجاهل تعدد مواقف النساء أنفسهن، ويشدد على أن التعددية الثقافية "لا يجب أن تكون ذريعة لتبرير انتهاك كرامة المرأة وتكريس تبعيتها"، مُطالباً بضرورة أن ترتبط التعددية الثقافية بالعدالة الجندرية والمساواة بين الجنسين والقضاء على جميع أشكال القمع.

ويتساءل راتانسي عن علاقة التعددية الثقافية بـ"المعايش المتوازية"، والمجتمعات المغلقة للأقليات العرقية داخل المجتمعات الأوروبية، فيرى أن بعض الأقليات في المجتمعات الأوروبية، خصوصاً المسلمين في بريطانيا، يعيشون في مجتمعات معزولة ومنفصلة أو "مجتمعات موازية". 

وينتقد مصطلح "الانعزال العرقي"، الذي يُستخدم لوصف التجمعات العرقية للأقليات مثل المسلمين. ويرى أنه غير دقيق، لأن بعض هذه التجمعات العرقية تتكون لأسباب لا عرقية بقدر ما هي أسباب اقتصادية أو أسباب اجتماعية، مثل قرب السكن من المسجد، أو من باقي أفراد العائلة أو من الأسواق؛ ويرى أن استخدام مصطلح "المعايش المتوازية" مبالغ فيه ويحتاج إلى تدقيق علمي، ويجب النظر إلى ما يصفه المصطلح من المجتمعات المتوازية، والنظر إلى العلاقة بين الثقافة والعرق والمكان على أنها ظواهر ديناميكية، تتأثر بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية والسكانية أكثر من تأثرها بالانتماء الثقافي.

الإسلام والهوية

يوضح الكاتب أن بعض المجتمعات الغربية استبدلت بالتنوع والتعددية الثقافية مفاهيم مثل الترابط المجتمعي والمواطنة والقيم المشتركة، ويتناول مفهوم الاندماج الذي يشمل القيم السابقة، ويراه مفهوماً متعدد الأبعاد، ويتضمن: البُعد المكاني، ويتضمن السكن في أحياء مختلطة؛ والبعد التعليمي والمهني، ويتمثل في المشاركة في سوق العمل والمدارس؛ والبعد الثقافي، ويعني تبني القيم المشتركة أو على أقل تقدير احترامها.

يقول راتانسي إن تحقيق أحد أبعاد الاندماج لا يعني تحقيق باقي الأبعاد الأخرى، فمن الممكن أن ينجح الأفراد في التعليم والعمل دون تبنٍّ كامل للقيم السائدة.

ثم يبحث الكاتب في العلاقة بين الهوية الوطنية في المجتمعات الأوروبية، وبين التعددية الثقافية في ظل الحضور الإسلامي المتنامي والمتزايد في أوروبا، رافضاً الخطاب الثقافي والإعلامي والسياسي الذي يرى أن الإسلام تهديد للهوية الوطنية في العالم الغربي. ويرى أن هذا الخطاب سببه الصورة النمطية للإسلام، التي تصوره بوصفه وحدة ثقافية مهيمنة ومطلقة على غير حقيقته المركّبة والمتنوعة والمتعددة داخلياً. 

ويرى أن المسلمين في أوروبا لا يرفضون الهوية الوطنية، بل يطالبون بتعريف أكثر شمولية للمواطنة لا يُقصيهم ثقافياً أو دينياً؛ فالمسلمون في بريطانيا، على سبيل المثال، لا يرون تعارضاً بين هويتهم البريطانية والإسلام، ويشدد على أهمية تجاوز خطاب الهوية القومية المغلقة، وإيجاد نموذج "مدني تعددي يُقر بتنوع الولاءات والهويات ضمن إطار الدولة"، ما يوفر للمسلمين وغيرهم فرصاً متكافئة لبناء انتماء مشترك مُؤسس على المواطنة.

وختاماً، يؤكد المفكر البريطاني الجنسية الهندي الأصل، علي راتانسي، أن التعددية الثقافية مبدأ ضروري للمجتمعات المتنوعة، ويرفض اختزال التعددية الثقافية في "الاحتفاء بالآخر"، كما يرفض تجاهل الإشكاليات الحقيقية للأقليات، لا سيما الأقليات المسلمة في الغرب، ويدعو إلى تحويل مفهوم التعددية الثقافية إلى مفهوم للتواصل، واستيعاب التعدد، وتقاسم التاريخ، وبناء مفاهيم مشتركة تؤسس لحياة مدنية مبنية على الحوار والكرامة والمساواة، لا سيما أنه يرى "التعددية الثقافية" مشروعاً أخلاقياً لم ينته بعد، ويتطلب مراجعة مستمرة وانفتاحاً على التحديات وارتباطاً بالمساواة والعدالة الاجتماعية.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة