التراث والتجاوز:

الفكر العربي بين سلطة التراث وضرورة الحداثة

مركز حوار الثقافات

05-06-2025

يركز المفكر والفيلسوف المغربي علي أومليل على النقد المعرفي للعلاقة بين الفكر العربي والتراث الديني والتاريخي والاجتماعي، في كتابه "في التراث والتجاوز"، الذي يحرص فيه على طرح فكرته الرئيسة عن "تجاوز التراث"، مُستخدماً منهجاً نقدياً لا يلغي الماضي، بل يُعيد النظر فيه وفق رؤية عقلانية جديدة، ويناقش علاقة الاجتهاد بالتأويل وأهمية ربط النصوص الدينية بمقاصد الشريعة الكلية، وينتقد المنهجية التقليدية التي تستخدم "البدعة" كحائط وعائق معرفي أمام أي تحديث فكري أو ديني، ويحرص على تحرير العقل العربي من قيد المفاهيم الأيديولوجية التي تقف عائقاً أمام فهم المجتمع؛ وبالتالي، الاستجابة لمطالبه وتطوراته وأحداثه الطارئة والراهنة. 

عقلانية النقد

يجتهد أومليل في إعادة النظر في عديد من قضايا التراث العربي، ويطرح تساؤلات عديدة حول إمكانية تجاوز التراث بطريقة عقلانية وحس نقدي؛ إذ توجد علاقة ملتبسة تربط المثقف العربي بالتراث، تجعله يدور بين متناقضين: الأول، استحضار الماضي واستنطاقه؛ والثاني، إعادة النظر إلى هذا الماضي بمعايير العقل الحديث، الأمر الذي يثير صراعاً بين الحفاظ على الهوية وبين التحديث. ومن ثَم، فهو لا يُطالب بهدم التراث، بل يدعو إلى تجاوزه عبر أدوات العقل الحديث، ما يعني أنه –التراث- لا يُفترض أن يكون عائقاً، بل يجب أن يكون مادة للفهم والتجاوز.

ويرتكز المؤلف على أساس نقدي للتراث، يتمثل في ثلاث قضايا محورية هي: العلاقة بين الفكر العربي والتراث، وإشكالية التجديد والقطيعة، ومفهوم العقلانية في التعامل مع النصوص والمفاهيم التراثية؛ ويرى أن الفكر العربي لم ينقطع بشكل فعلي مع التراث، وأنه ما زال أسيراً له، حتى حينما يحاول تجاوزه، فالإشكالية ليست في وجود التراث، بل في كيفية حضوره في الوعي العربي؛ إذ يُستدعى كمرجعية نهائية وأداة لإثبات الهوية، ما يمنع أي عملية نقدية جادة للتراث.

التراث واللاعقلانية

يُحذر الكاتب من الوقوع في ثنائية "القطيعة التامة"، و"التقليد الأعمى" حين يتعامل مع التراث، ويطرح ما وصفه بـ"القطيعة المنهجية" كحل وسطي في تعامل الفكر العربي المعاصر مع التراث، ويحاول حل هذه الإشكالية حلاً يتسم بالفرادة؛ إذ يدعو إلى تجاوز الأطر الفكرية التراثية القديمة من داخلها، وذلك عبر نقد أدوات هذه الأُطر التراثية ونقد مفاهيمها، وليس عبر إنكارها أو تجاهلها.

يرفض الكاتب ما وصفه بـ"اللاعقلانية التراثية" التي انتشرت في مراحل التراث المختلفة، وامتد تأثيرها إلى الواقع الحالي؛ والتي يشرحها بأنها "القراءة الحرفية للنصوص التي أدت إلى خضوع كامل للسلطة الرمزية للتراث"، داعياً إلى التحرر من اللاعقلانية التراثية، عبر عملية بناء ذاتية لعقل نقدي قادر على مساءلة المفاهيم والمرجعيات التراثية، ونقدها نقداً داخلياً يتجاوز استيراد الأدوات المعرفية المنهجية الغربية، إلى توظيفها في مراجعة التراث ومفاهيمه مراجعة قادرة على التحرر من سلطته الرمزية؛ موضحاً ما وصفه بأنه "إحدى آفات الخطاب الفكري العربي المعاصر الذي يدعي التجديد"، ويتمثل في اتباع "ممارسات فكرية تسير في الواقع على منوال التجديد"، رغم ادعائه ممارسة التجديد الفكري والعقلي، بينما في الحقيقية فإنه يعيد إنتاج "الوعي التقليدي"، حسب قوله.

النص والتأويل

يرصد أومليل إحدى الإشكاليات المركزية في الفكر العربي الحديث، التي تتمثل في التعامل مع النصوص الدينية، ومع مفهوم التأويل الذي يراه ضرورة هامة، فـ"النصوص الأصلية في الإسلام لا يجب أن تكون قيداً على الفكر"؛ ويرى أن الفهم الحرفي لهذه النصوص يتسبب في جمود الفكر، أو ما وصفه بـ"الفهم السكوني الذي يربط المعنى بزمان النص"، وذلك في مقابل "الفهم الحركي الذي يتطلع إلى استخلاص المعنى المتجدد من النص"، وهو ما يفضله الكاتب ويدعو إليه ويتبناه. 

ويقول إن "الفهم السكوني" هو فهم فقهي تقليدي اعتمد على أدوات تأويلية، تهدف إلى تقييد النص ضمن شروط اجتماعية وتاريخية محددة، ما أنتج نوعاً من الجمود الفقهي، الذي يجب أن يبرز في مواجهته "الاجتهاد كأداة تحقق التوازن بين النص وبين المتغيرات التاريخية".

ومن أبرز عوائق التجديد في الفكر الإسلامي، بالنسبة إلى أومليل، النزوع إلى "تقديس الأصل ورفض البدعة دون نقد ومساءلة حقيقية"؛ فالتبديع اتهام ووصف جاهز لأي محاولة تجديد، يمنح مستخدمه سلطة لرفض التجديد بدعوى الحفاظ على الأصالة، ما يُضيق الأفق أمام التجديد ويبقي الفكر في أسر الماضي، فـ"البدعة عائق يضعه الفقهاء والمفسرون التقليديون وسلاح يشهرونه ضد أي تجديد ديني، وأمام أي اجتهاد أو تأويل جديد"، حسب قوله.

ويربط الكاتب بين التأويل والاجتهاد، ويعتبر "مقاصد الشريعة" تُمثل "أفقاً تأويلياً واسعاً يسمح بإعادة فهم النص في ضوء المتغيرات التاريخية والمجتمعية والحضارية"، ويشدد على أهمية الانطلاق من مقاصد الشريعة الكلية مثل العدل والمصلحة والحرية، ما يؤدي إلى "تحرير الاجتهاد من قيود الفهم الحرفي"، ويسبب توازناً في التأويل بين النصوص والمقاصد الكلية، حسب قوله.

مواضع العقلانية

يتحدث أومليل عن مواضع العقلانية في التراث، المتمثلة في الفكر التاريخي عند ابن خلدون، الذي يصفه بالفكر الأصيل في تحليل حركة التاريخ ووضع قوانين موضوعية له، ما جعله يضع "نظرية في التاريخ" ارتبطت بفهم السنن الاجتماعية، ما يعكس عقلاً نقدياً متميزاً في التراث حاول عبره "فهم التاريخ لا تبريره"، ما أمكنه من وضع نظرية تطورية للتاريخ تعتمد على ثنائية "العمران والفقر"، وما ينتج عنهما من أنماط في التفكير والتنظيم الاجتماعي، مثل نمط العصبية الذي جعله ابن خلدون حجر الزاوية في تفسير صعود وسقوط الدول؛ ما جعله يثني على فكر ابن خلدون ويصفه بأنه تلامس مع المفاهيم الحديثة، لكنه اكتفى بوصف الواقع دون محاولة تغييره، حسب قوله.

وينتقل الكاتب من ابن خلدون إلى العصر الحاضر، الذي يرصد فيه غياب "مفهوم المجتمع"، كمفهوم تحليلي في الخطاب العربي الحديث، الذي يتعامل مع "الأمة" و"الجماعة" باعتبارهما معطى دينياً أو سياسياً دون تطوير محاولة تحليل البنى الاجتماعية في العالم العربي، فغلب على الفكر الحديث البُعد الأيديولوجي وغاب التحليل السوسيولوجي للمجتمع، ما أصاب الفكر العربي بالعجز عن التعامل مع التطورات الاجتماعية السريعة.

ويرصد أومليل محاولات تشكيل وعي سوسيولوجي "مجتمعي" في الفكر العربي، الذي بدأ وفقاً له في منتصف القرن العشرين، بسبب تأثره بالحضارة الغربية، لكن هذا التأثر لم يتحول إلى إطار منهجي شامل لتحليل المجتمع، بسبب اعتبار المفكرين العرب المفاهيم السوسيولوجية "أدوات معرفية جاهزة"، دون أن يحاولوا إدماجها في الممارسات الاجتماعية والفكرية بشكل عميق، ما شكل "أحد عوائق الفهم أمام العقل العربي"، حسب قوله.

وختاماً، يدعو الكتاب إلى الانتباه إلى مفهوم "المجتمع" ومجاله المعرفي في الفكر العربي، وأيضاً إلى تبني مفهوم "التجاوز" كمنهج عقلي ونقدي وفلسفي في التعامل مع التراث، وهو تجاوز لا يعني القطيعة الكاملة، بل هو قطيعة وسطية تسعى إلى الانخراط النقدي في التراث عبر تفكيك مفاهيمه للبحث عن آليات التجديد والتحديث، بما ينسجم مع العقلانية النقدية والمعرفة الحديثة وأدواتها؛ مع رفض استيراد المفاهيم الغربية الحديثة دون تأصيلها في الواقع العربي، والتشديد على أهمية النقد الداخلي على المستوى التراثي دون إدانة الماضي أو تمجيده. 

كما يوجه الكاتب سهام النقد إلى الفكر العربي المعاصر، الذي تغيب عنه مفاهيم المجتمع السوسيولوجية، داعياً إلى ممارسة التأويل وفق المقاصد الكلية للشريعة ومفاهيمها العامة، كالعدالة والحرية والمساواة.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة