يحاول المفكر السوداني الشيخ محمد الشيخ، في كتابه "التحليل الفاعلي: نحو نظرية حول الإنسان"، تأسيس نظرية إنسانية مؤسسة على التحليل الفاعلي، بهدف إنقاذ "الإنسان الخلاق النشط"، من "دعوى موته"، التي سادت في الخطابات الفلسفية والبنيوية الغربية، وانتقلت آثارها إلى الفكر العربي، الأمر الذي تسبب في إلغاء الفعل البشري الحر، وإبداله بفعل البنيات المتنوعة سواء كانت اقتصادية أو لغوية أو اجتماعية أو ثقافية.
الإنسان الخلاق
يُعرّف الشيخ "الفاعلية" بأنها "القدرة على خلق نظام من الأشياء أو الأفكار والمبادئ"؛ ويصفها بأنها المفهوم المركزي القادر على تأسيس نظرية متكاملة وشاملة عن الإنسان، تتجاوز حالة الفراغ النظري في الفكر العربي. ويرى أن "الفاعلية" تستند إلى الإنسان الخلاق، أو الإنسان الفاعل، الذي يستمد وجوده من هذه القدرة على الخلق والإنشاء.
ويوضح أن إشكالية "دعوى موت الإنسان الخلاق"، هي جوهر الأزمة المعاصرة في النظر إلى الإنسان؛ فالإنسان الخلاق القادر على "خلق الجديد ونفي القديم"، يواجه دعوى فلسفية وفكرية تُخضعه للبنيات المتنوعة، وتؤدي إلى موته وقدرته النشطة على الإبداع.
ويرى الكاتب أن من الإشكاليات التي يواجهها "الإنسان الخلاق"، التناقض بين مسارين فكريين رئيسين، هما:
- النزعة الإنسانية: التي سادت الفكر الغربي، التي تُعلي من شأن الإنسان بوصفه "ذاتاً حرة واعية ومركزاً للكون".
- التطور العلمي الحديث: الذي كشف أن الإنسان ليس سوى جزء من بنيات أكبر، سواء كانت بنيات بيولوجية كنظرية التطور، أو بنيات لا واعية "التحليل النفسي"، أو بنيات لغوية واجتماعية "البنيوية".
يقول الشيخ إن البنيوية التي تمثل "إلغاء مركزية الذات والتركيز على العلاقات والأنظمة اللا واعية التي تشكل الواقع"، جاءت لتدعم الاتجاه العلمي في إلغاء الفردية والحرية المطلقة للإنسان. ورغم أن النزعة الإنسانية البنيوية حاولت التوفيق بين المسار العلمي والنزعة الإنسانية، لكنها أدت إلى إضعاف مفهوم الإنسان كفاعل حر، لا سيما أن "البنيوية ترى أن أفعال الإنسان، وأفكاره، هي نتاج بنيات سابقة ولا واعية، كما أن بنيات مثل اللغة والقرابة والإنتاج تحكم الإنسان وتصنع وجوده، ما يجعله مجرد موقع تمر فيه البنيات وتُفعل ذاتها".
ويوضح المؤلف أن اللغة تخلق معنى الفرد وفقاً لعلم اللسانيات، إضافة إلى ما أكده عالم الأنثروبولوجيا البلجيكي كلود ليفي شتراوس (1908-2009م)، من وجود بنيات عميقة لا واعية تنظم المجتمعات البشرية، الأمر الذي أدى إلى إعلان "موت الإنسان" بالمعنى الفلسفي والاجتماعي، أو "موت الذات الحرة الواعية الفاعلة"، مما يجب مواجهته عبر التحليل الفاعلي، لتأسيس مفهوم الإنسان كفاعل وخلاق.
مرتكزات الفاعلية
يقول الشيخ إن دعوى موت الإنسان وسيطرة البنيات تمثل خطورة شديدة على الهوية العربية، إذ تقضي على أي إمكانية للفعل التاريخي أو التغيير الاجتماعي الواعي، لأنه إذا كان الإنسان العربي كغيره نتاجاً لبنيات تحدده، فلن يكون قادراً على خلق مستقبله أو مراجعة تاريخه، ويبقى حبيس الأطر البنيوية.
ويدعو الكاتب إلى تجاوز مأزق "موت الإنسان" فلسفياً واجتماعياً أو موت الذات الحرة الواعية الفاعلة، عبر مرتكزات ثلاثة:
- العلومية: ويقصد بها الاعتماد على "المنهج العلمي في البحث والتحليل"، بالمعنى الواسع الذي يستوعب "المعطيات العلمية المتاحة عن الإنسان"، والقادر على الكشف عن القوانين التي تحكم الفاعلية الإنسانية وتكوين الوعي.
- اللا اختزال: ويعني به "المرتكز المنهجي" الذي يضمن بقاء مفهوم الإنسان الخلاق على قيد الحياة، وبينما يعمل الاختزال على "تفسير الظاهرة الإنسانية بأسباب من مستوى أدنى"، فإن مبدأ اللا اختزال يؤكد أن "الفعل الخلاق للإنسان لا يُمكن اختزاله بالكامل في بنيات سابقة"، فالإنسان يُشكل مستوى وجودياً فريداً.
- البنيوية اللا خطية: وهو مفهوم يسعى إلى الكشف عن البنيات التي تمثل "أنظمة وشبكات من العلاقات تنظم الظواهر"، وقادر على التخلص من سماتها الحتمية والخطية، والبنوية اللا خطية ترى الإنسان كفاعل خلاق، يمكنه التفاعل مع البنيات الحالية وإعادة تركيبها، أو خلق بنيات جديدة. ويُعرف "البنيوية اللا خطية" بأنها "دراسة الأنساق والعلاقات؛ مع الإقرار بأن الإنسان، كنقطة الارتكاز، قادر على إحداث قفزة نوعية غير متوقعة في تطور البنية نفسها".
البنيات الوظيفية
يضع الشيخ في نظريته عن التحليل الفاعلي مفاهيم ترتكز على تفكيك العقل الإنساني إلى عدد من البنيات الوظيفية، تتدرج في مستويات القدرة على الفاعلية والإبداع:
- الطبيعة الإنسانية: وهي جوهر الوجود الإنساني، لأن الطبيعة الإنسانية كيان ديناميكي غير ثابت، يُعرف من قدرته على الفعل والخلق؛ ويرى أن الفاعلية هي "القوة الكامنة التي تُمكن الإنسان من إحداث التغيير في واقعه المادي والاجتماعي والفكري"، لذلك يهدف التحليل الفاعلي إلى الكشف عن مستويات هذه القوة وكيفية تجسدها في أبنية العقل.
- تركيب العقل: يُقدم العقل بوصفه بنية معقدة من مستويات متداخلة وليست كتلة واحدة، يتألف من آليات مختلفة تتعامل مع الواقع بدرجات متفاوتة من الخلق والاستجابة، ما يُفسر التباين بين الأفعال الإنسانية، من الفعل الروتيني المتكرر إلى الفعل الإبداعي.
ويُميز بين ثلاث بنيات للعقل، منها:
- بنية العقل التناسلي: التي تمثل المستوى الأدنى من الفاعلية الإنسانية، ويُعرف العقل التناسلي بأنه "البنية العقلية التي تعتمد على التكرار والتقليد وإنتاج النماذج الموجودة سلفاً"، ووظيفته الرئيسة حفظ النوع واستدامة النمط الاجتماعي والثقافي.
- بنية العقل البرجوازي: التي يُعرفها بأنها "البنية التي تعتمد على التكييف والتحوير داخل إطار البنية القائمة" وهي أعلى من العقل التناسلي، لكنها مقيدة؛ إذ إنها تسعى إلى الابتكار الجزئي وتحسين الأداء ضمن الأنظمة السائدة، وتوجه فاعليتها نحو المصلحة والتراكم.
- بنية العقل الخلاق: التي يعرفها بأنها "البنية القادرة على تجاوز البنيات القائمة، وإحداث قفزة نوعية في المعرفة والواقع وخلق نظام جديد من الأفكار والأشياء". ويرى أنها تمثل المستوى الأسمى للفاعلية الإنسانية؛ وأن العقل الخلاق قادر على خلق المبادئ والقيم الجديدة التي تشكل الحضارات، كما أنه قادر على إعادة بناء الهوية العربية عبر التحرر من البنيات المستوردة.
أزمة الاغتراب
يتناول الشيخ الاغتراب كمفهوم من خلال التحليل الفاعلي، فيرى أنه "انفصال الإنسان عن فاعليته الحقيقية"، وأنه يحدث عندما يعمل الإنسان ضمن بنية العقل التناسلي أو العقل البرجوازي، متجاهلاً طاقته الكامنة نحو العقل الخلاق. ويشير إلى أن الاغتراب هو تجربة الذات وهي ترى نتاج فعلها يتحول إلى قوة غريبة عنها، ما يجعل الاغتراب قوة تقمع ظهور العقل الخلاق.
وينظر إلى تطور المعرفة وفق نظرية التحرير التفاعلي التي ترى أن المعرفة تتطور عبر "قفزات نوعية" تُحدثها بنية العقل الخلاق، وليس حسب المفهوم التقليدي لتطور المعرفة بأنه نتاج تراكم خطي؛ ثم يعرض لأزمة الفكر الماركسي كنموذج لغياب العقل الخلاق وجمود النظرية، لأن الماركسية اختزلت الإنسان إلى نتاج للبنية الاقتصادية، كما أنه لم يكن يوجد بها مكان للعقل الخلاق لتطوير النظرية أو تجاوزها، ما أوقعها في فخ الخطية والحتمية، بينما العقل الخلاق يؤدي إلى الفاعلية الخلاقة التي تحقق قفزات علمية وثورات معرفية.
وختاماً، فإن الهدف الرئيس للمفكر السوداني الشيخ محمد الشيخ، من كتابه "التحليل الفاعلي: نحو نظرية حول الإنسان"، هو إعادة تأسيس الإنسان الخلاق، عبر تأسيس نظرية فكرية تستوعب أدوات العلم والبنيوية المنهجية، لمواجهة نتائجهما الاختزالية والعدمية، عبر اللا اختزال والبنيوية اللا خطية، ولتوفير أدوات تمكن الفرد والمجتمع من تقييم أفعالهم وفق الفاعلية الإنسانية، بما يجعل من الممكن إنقاذ الفاعلية الإنسانية من طغيان الخطابات البنيوية والاختزالية.