يؤكد المفكر العراقي عبد العزيز الدوري (1919 - 2010م)، في كتابه "أوراق في التاريخ والحضارة.. أوراق في الفكر والثقافة"، أن العالم العربي مر بتحولات كبيرة، لا سيما بعد فترة الركود الفكري والانعزال الاجتماعي التي استمرت حتى نهايات القرن الثامن عشر، الذي شهد نزاعاً فكرياً وحضارياً أدى إلى ظهور تيارات فكرية مختلفة في العالم العربي، بعضها تمسك بالتراث وطالب بإحيائه وتحصن به، وبعضها ركز على القومية العربية وطالب بإعادة الاعتبار للغة العربية والهوية المشتركة.
ويرصد الدوري تشكل وتأسيس الهوية الثقافية والاجتماعية العربية التي تُساهم في تأسيس بنية حضارية موحدة.
تطورات فكرية
تعرض العالم العربي والأمة الإسلامية لحالة من الركود والتخلف، وفقاً لـ"الدوري"، فالعالم العربي، حتى نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، عانى حالة من الركود والتدهور الفكري والاجتماعي، وانعزل عن إنجازات الحضارة الغربية آنذاك. وحينما حدث اللقاء الحضاري، أو التصادم الحضاري، بين الشرق والغرب، ظهر نزاع فكري بين فصيلين حرصا على مواجهة التحديات الحضارية؛ ففصيل تحصن بالتراث وطالب بإحيائه، وفصيل آخر مثل اتجاهاً فكرياً هو "القومية العربية"، التي ركزت على إعادة الاعتبار للغة العربية والتحصن بالهوية العربية، وجعلت الانتماء مبنياً على اللغة والثقافة والتاريخ المشترك.
وظهرت العديد من التطورات والتحولات الفكرية، مثل دعوات تحرير المرأة، والانتقال من البنية الاجتماعية المؤسسة على القبيلة، إلى بنية اجتماعية حديثة تتوافق مع متطلبات العصر والتطور؛ كما حدث تضاد فكري بين مفكرين رفضوا كل مظاهر الحداثة الغربية وحاربوها، وآخرين تماهوا مع الفكر الغربي والاستنساخ الأعمى له.
ويذهب المؤلف إلى أن دراسة التاريخ يجب أن تكون عبر منهجية فلسفية، حتى يمكن النظر إلى تاريخ الأمة العربية والإسلامية؛ ويدعو إلى تأسيس فلسفة تاريخية عربية خاصة تستند إلى خصوصيات الأمة وإرثها الثقافي، دون استنساخ وتطبيق النظريات الغربية بشكل كامل دون وعي بالاختلافات الجوهرية. وينتقد الاتجاه الذي يتناول التاريخ ويستخدم التجزئة أو المثالية غير الموضوعية دون دراسة شاملة علمية، ويدعو إلى تبني البحث العلمي الشامل لفهم التاريخ العربي عبر منهج نقدي موضوعي؛ مؤكداً على مناقشة الاتصال الثقافي الذي أدى إلى بناء الأمة العربية، عبر التلاقي بين "العروبة والإسلام" اللذين أنتجا هوية ثقافية موحدة عبر التاريخ، حسب قوله.
اللغة والثقافة
يركز الدوري على الظروف التاريخية والاجتماعية، التي أدت إلى نشأة وتطور الثقافة العربية والإسلامية، وما أنتجته من "تجمع ثقافي فريد"؛ ويرى أن هناك صلات بين الثقافة العربية قبل الإسلام والمراحل السابقة عن الزمن الحالي، التي مرت بمراحل "رسمت خطوط الثقافة الإسلامية وتأثير اللغة العربية".
كما يؤكد على أن الثقافة العربية الإسلامية رغم وحدتها فإنها "تضم عناصر غنية غير متجانسة"، الأمر الذي يعطيها حيويةً وعمقاً؛ فالمراحل الأولى للنصوص التراثية، كعلوم القرآن والفقه والحديث، وضعت الركائز الأولى التي شكلت دروب الفكر الإسلامي والثقافة العربية، التي لم تكن محصورة بالعرب فقط، وشملت المغايرين من اللغات والمجتمعات في "إطار التكامل الحضاري".
يقارن الكاتب بين الديمقراطية وتطبيقاتها في الحضارة الغربية، وبين نظريات الحكم في التراث العربي الإسلامي، ويرى أن مفاهيم مثل الإمامة والشورى والسلطة في الفقه الإسلامي، كانت عائقاً أمام الممارسة الديمقراطية؛ إضافة إلى صعوبة تطبيق "الإمامة الديمقراطية والشورى في التاريخ الإسلامي"، لضعف المؤسسات السياسية. ورغم اجتهاد بعض الفلاسفة والعلماء في الجمع بين "الشرعية الدينية والسلطة الفعلية"، فإن أنظمة الحكم الإسلامية في التراث كانت قريبة من الديكتاتورية والاستبداد، على حد قوله.
التنوع السكاني
يرى المؤلف أن المراكز الثقافية العربية الإسلامية قديماً مثل البصرة والكوفة، لعبت دوراً مهماً في الثقافة العربية الإسلامية، ساعدها في ذلك التنوع السكاني الذي ضم العرب وغير العرب مثل الفرس والعجم، ما ساهم في تشكيل نسيج ثقافي متداخل ساهم في الثقافة الإسلامية؛ وساعد في ذلك حركات التعريب وتشكيل مؤسسات دينية تعليمية في الأقطار غير العربية خصوصاً في المدن والريف، الأمر الذي أدى إلى انتشار التعريب وتشكيل مؤسسات دينية وتعليمية، الأمر الذي ساهم في تأسيس نظام اجتماعي واسع النطاق.
يقول الدوري إن الفتح العربي الإسلامي ساهم في انتشار الإسلام، وسيادة اللغة العربية التي أصبحت وسيطاً ثقافياً ودينياً ولغة إدارية للدولة الإسلامية، ما ساهم في توحيد العرب.
ويوضح الكاتب أن ثمة علاقة مركبة بين القومية العربية والإسلام، أساسها الهوية الثقافية المزدوجة التي جمعت العرب والمسلمين، وأنشات الأمة العربية على أساس ثقافي لغوي إسلامي، وأسست وحدة قائمة على التفاعل الحقيقي بين القومية العربية والدين الإسلامي. ويرى أن تحديات كثيرة واجهت الوحدة العربية، مثل محاولات التتريك التي حاول العثمانيون فرضها على العالم العربي، وعوامل التغريب التي سببها الاستعمار الغربي، وهي محاولات أثرت بشكل سلبي على اللغة العربية والروابط القومية والدينية، ما دفعه إلى المطالبة بحوار بناء بين الاتجاهات القومية والإسلامية لمعالجة هذه الأضرار، ولتحقيق الوحدة العربية المرجوة.
القرآن واللغة
يؤكد الدوري أن الهوية العربية في العصر الحديث تعرضت للعديد من الضغوط، مثل "التغريب والاستعمار والتجزئة السياسية". ويذهب إلى أن الأمة العربية، في الأساس، مبنية على هوية ثقافية تمتد جذورها في التاريخ واللغة والإسلام؛ مؤكداً على أهمية تعزيز الوعي باللغة والتراث، وأهمية التعليم باللغة العربية في جميع المراحل التعليمية، لأنها العامل الحاسم لاستمرار الهوية وأساس المقاومة الثقافية للتحولات الخارجية، والحفاظ على الاستقلالية الثقافية والدفاع عن الهوية. ويضرب المثل بالمغرب العربي الذي يراه مثالاً على صراع الهوية واللغة مع الاستعمار الفرنسي والإسباني، وكيف أصبحت قضية التعريب قضية وطنية تحررية، لها أبعاد اجتماعية وسياسية.
يقول الكاتب إن اللغة العربية حجر الأساس في تكوين الأمة وهويتها، وعلى مدار التاريخ كانت اللغة رابطاً ثقافياً ودينياً وسياسياً، فاللغة العربية تجاوزت كونها مجرد أداة تواصل وأصبحت نظاماً قيمياً وفكرياً وعقلاً جمعياً.
يتناول المؤلف دور القرآن الكريم وعلومه الأدبية واللغوية، ودوره في الحفاظ على اللغة العربية وترسيخ الهوية، رغم الصعوبات والضغوط التي واجهت اللغة العربية طوال التاريخ الإسلامي، مثل اللهجات المتعددة والصراعات اللغوية. ويرى أن السياسات التي اتُبعت أثناء الفتوحات الإسلامية كان لها أثر عظيم في في نشر اللغة العربية، وبالتالي بناء الثقافة الإسلامية والحضارة المشتركة.
ورغم تعدد الأطراف والثقافات التي في الحضارة الإسلامية العربية، فاللغة العربية تمكنت من توحيد "القيم الإسلامية والضمير العربي"، وأكدت وحدة الأمة العربية في بعديها الثقافي واللغوي؛ لذلك، يدعو إلى العمل الجاد لإعادة بناء الوحدة باستخدام اللغة العربية والإسلام، كركيزتين أساسيتين للتقارب، خصوصاً أن الأمة العربية ليست كياناً سياسياً فقط، بل هي "كيان حضاري يستند إلى الثقافة واللغة والدين"، مع مراعاة الجمع بين الأصالة والمعاصرة والوعي الثقافي والتطور العلمي، من أجل تأسيس وحدة وهوية عربية مشتركة.
وختاماً، فإن الأمة العربية منذ صدامها مع الحضارة الغربية، في نهايات القرن الثامن عشر، تسير في مسار معقد من الصراع الفكري، يرصده المفكر العراقي عبد العزيز الدوري في كتابه "أوراق في التاريخ والحضارة.. أوراق في الفكر والثقافة"؛ فالبحث عن بنية حديثة وهوية موحدة ما زال مستمراً حتى الآن، لذلك يدعو إلى تأسيس فلسفة تاريخية عربية تستند إلى الخصوصية، دون الانسياق الأعمى للنماذج الغربية، ويبرز دور اللغة العربية والإسلام في تشكيل هوية ثقافية فريدة وغنية بتنوعها، مُطالباً بإعادة بناء الوحدة عبر الاستفادة من اللغة العربية والإسلام مع مراعاة الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وذلك للتأسيس لهوية موحدة تؤدي إلى نهضة عربية.