الإنسان والقرآن:

قراءة نقدية في مناهج التفسير الحديثة

مركز حوار الثقافات

17-04-2025

يقدم المفكر التونسي أحميدة النيفر، في كتابه "الإنسان والقرآن وجهاً لوجه: التفاسير القرآنية المعاصرة.. قراءة في المنهج"، قراءة نقدية لتفسيرات القرآن الحديثة والمعاصرة، محاولاً استكشاف العلاقة بين الإنسان المسلم المعاصر وبين النص المقدس المتمثل في القرآن، في ظل التطورات العلمية والتحولات المعرفية والتاريخية.

ويرى أن تفسير القرآن في العصر الحديث لم يعد وقفاً على المؤسسات الدينية التقليدية والمنتمين إليها تنظيمياً أو فكرياً؛ فأصبح تفسير القرآن مجالاً مفتوحاً لعديد من المفكرين متنوعي التخصصات، ما أدى إلى تعدد القراءات القرآنية والتفسيرات الحديثة وفق تعدد المناهج المستخدمة في التفسير، فيعرض للمناهج الحديثة ويؤكد تبنيه المنهج النقدي التاريخي لتفسير وقراءة القرآن، الذي يُعيد إلى النص حيويته وطاقته الروحية.

تفسيرات معاصرة

ويرى النيفر أنه من اللافت للنظر أن تفسير القرآن بشكل خاص، والدراسات القرآنية بشكل عام، في العصر الحديث، لم تعد وقفاً على المؤسسات الدينية التقليدية والمنتمين إليها، أو الحاصلين على دراسات في الجامعات والمؤسسات الدينية التقليدية، بل امتدت لإنتاج تفسيرات قرآنية من عدد من غير المنتمين إلى تلك المؤسسات الدينية، الذين لديهم تخصصات أخرى مغايرة للدراسة الدينية التقليدية؛ مثل "الجواهر في تفسير القرآن" للكاتب المصري طنطاوي جوهري، و"مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن" لنصر حامد أبو زيد، وغيرهما، الأمر الذي يثبت أن القرآن ما زال محتفظاً بمكانته المرجعية في المنظومة المعرفية والثقافية العربية رغم التحولات التي طرأت على علاقة الإنسان بالمقدس في العصر الحديث.

ويحرص النيفر على تقديم رؤية شاملة للعلاقة بين النص المقدس وبين الإنسان المعاصر، ويجتهد في دراسة العلاقة الجدلية بينهما من خلال التفسيرات الحديثة والمعاصرة، ما جعله ينظر إلى منهج هذه التفسيرات والدراسات القرآنية، فيرى أن المنهج هو جملة المفاهيم الرئيسة التي تؤطر النص من حيث طبيعته وحركته ووظيفته، ويطبق هذا المنهج على أربعة تفاسير حديثة ظهرت في القرنين التاسع عشر والعشرين؛ وهي: تفسير "روح المعاني" للمفكر العراقي محمود الألوسي، و"فتح البيان"، للمفكر الهندي محمد صديق خان القنوجي، و"بيان السعادة ومقامات العبادة" للحاج سلطان محمد الجنابدي البيرختي الخُراساني، و"هميان الزاد إلى دار المعاد"، للمفكر الجزائري محمد بن يوسف أطفيش.

ويوضح الكاتب، من دراسته التفاسير الأربعة التي استمدها من جميع أنحاء العالم الإسلامي، أنه لا يمكن وصفها بأنها تفاسير معاصرة، رغم صدورها في العصر الحديث؛ فالمعاصرة لا تعني التزامن الزمني قدر ما تعني الخصائص المعرفية والمنهج الذي يستخدمه المفسر مع النص، لا سيما وأن الاهتمام بالناحية اللغوية والأدبية والبلاغية في التفسيرات السابقة هي ناحية تراثية استنفدها المفسرون القدماء وأصبح الابتكار فيها غير ممكن ولا جديد فيه، ما يجعله يشدد على أن "تحقيق صفة المعاصَرة في التفسيرات القرآنية، يستلزم توظيف مناهج وأدوات معرفية حديثة، علمية واجتماعية واقتصادية ولغوية في تفسير وقراءة النص القرآني".

مناهج متغيرة

يُشدد النيفر على أن التفسيرات لا يجب أن تتمتع بمناهج ثابتة، بل تتغير وفقاً للتطورات العصرية والتاريخية والمجتمعية والعلمية والثقافية، ويقسم التفسيرات القرآنية المعاصرة وفقاً للمناهج المستخدمة إلى مدارس متعددة:

- المدرسة التراثية: تتميز بتصور سلفي للنص القرآني يعتمد على المفاهيم الموروثة، وتتمثل في تفسيرات مثل "صفوة التفاسير" للصابوني، و"الميزان لتفسير القرآن" للطباطبائي.

- المدرسة السلفية الإصلاحية "المنار": تتسم برؤية للقرآن بوصفه المرجع الوحيد والمركزي وأداة إصلاح وحيدة، وتنظر للتفسيرات التراثية على أنها عائق أمام الوصول إلى فهم حقيقي للنص القرآني، وتتمثل هذه التفسيرات في تفسير الإمام محمد عبده الذي كتبه واستكمله محمد رشيد رضا المعروف بتفسير "المنار".

- المدرسة الأيديولوجية: التي استفادت من التفسيرات الإصلاحية السابقة، وتتسم بتفسير النص القرآني وفقاً لرؤية سابقة تستخدم المنهج العقلي لإثباتها، فركزت جهدها على المعنى الجاهز والعلاقة بين النص والقارئ، وتمثلت في تفسيرات "إرشادات حول مطالعة القرآن" الذي صدر عن حركة مجاهدي خلق، واتسم بالتفسير النضالي الاجتماعي، ومشروع التفسير الذي قدمه المفكر السوري محمد شحرور في "الكتاب والقرآن"، ومشروع التفسير الذي قدمه المفكر السوداني محمد أبو قاسم حاج حمد في كتاب "العالمية الإسلامية الثانية".

- المدرسة الحديثة: وهي التي طرحت على نفسها سؤال التجديد، واجتهدت في مواجهة الخطاب الأيديولوجي في التفسير، الذي يرفض أي مراجعة جذرية وعملية لطبيعة النص القرآني وعلاقته بالإنسان، فاجتهدت في تقديم تفسيرات وقراءات جديدة عبر مراجعة المفاهيم الأساسية، وتتمثل في ما قدمته عائشة عبد الرحمن في دراساتها القرآنية، ومحمد أحمد خلف في كتاب "الفن في القرآن الكريم".

- المدرسة التأويلية: التي ترى أن لغة القرآن لا تتوقف عن توليد المعاني، وللقارئ زاوية خاصة به عند قراءة النص القرآني، ما يجعل لغة التأويل تتحمل معاني قرآنية لا تنضب، ما يوفر قراءات متعددة للنص تكتشف خصائص التفكير الذي جاء به النص، ومن رواد هذا التيار المفكر الجزائري محمد أركون، والمفكر الباكستاني فضل الرحمن.

يقول الكاتب، إن مناهج التفسير القرآني لا تقتصر على الجانب المعرفي والفكري، بل هي وثيقة الصلة بالإيمان والتدين، فأي منهجية تُستخدم مع النص القرآني تهدف إلى استخراج مقولات فقهية وعقائدية تحصر النص في مجال التوظيف، حسب قوله.

استفادة عصرية

يتبنى النيفر "منهجاً نقدياً تاريخياً اجتماعياً" في قراءة وتفسير القرآن الكريم، ويرى أهمية هذا المنهج في "إعادته الحيوية للوحي وللغة وللرموز الفكرية والروحية طاقاتها، كما يفتح الأبواب أمام مجالات متعددة من الإيمان"، لا سيما ما لهذا المنهج التفسيري من قدرة على "تغيير البناء الثقافي الإسلامي"؛ ويطالب، في هذا المنهج، بالمزاوجة بين تصورين للتاريخ: الأول، فهم النص القرآني في "الزمان القرآني" الذي شهد نزوله وفهم الحالة المجتمعية المصاحبة لوقت النزول؛ والثاني، ملاحظة الكليات القرآنية التي تكون الوحدة الأساسية للقرآن وموقفها من الحياة والعالم، ما يمكّن من فهم المنطق العقلي والقوانين العامة التي تمثل الخلفية الكبرى للنص القرآني، ومدى الاستفادة من كل ذلك في العصر الحالي.

ويحرص النيفر، بعرضه ودراساته للمناهج التفسيرية، على توضيح العلاقة بين الإنسان الحديث والمعاصر وبين القرآن الكريم، وعلاقة التفسيرات بالعصر وكيفية استخدامها وتطويعها وفق الأيديولوجيا أو الحاجة الفكرية أو المجتمعية، أو وفق إمكانية التطور والتجديد ومكانة هذه التفسيرات في المنظومة الثقافية والفكرية العربية.

وختاماً، يؤكد الكاتب على العلاقة الرباعية الجدلية بين النص والمُفسر والقارئ المتلقي والعصر الزمني أو "التاريخي" للتفسير الذي يحدده في العصر الحديث والحالي، حتى يمكن اكتشاف التفسير والقراءة القرآنية ونوعية المنهج المستخدم في تفسير القرآن، وسياقاتها الفكرية والثقافية والاجتماعية، وما يمكن أن تؤدي إليه من نتائج تقليدية أو تجديدة حداثية، كما أنه اجتهد في تتبع الحداثة التي أصابت الوعي العربي وعلاقاتها وتأثيرها في النص القرآني المقدس.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة