الإنسان العربي والعلم:

التفكير العلمي والمشاركة العربية حضارياً

مركز حوار الثقافات

21-10-2025

يرى المفكر السوري سمير عبده (1940م)، في كتابه "الإنسان العربي والعلم"، الصادرة طبعته الأولى عام 1983م، أن العصر الحالي يمثل عصر امتداد الحواس البشرية عبر الأجهزة العلمية، التي تكشف معلومات جديدة وغريبة. وهو يُعرِّف من خلاله العلم بوصفه "طريقة يستخدمها الإنسان لإيجاد النظام في العالم"، والتوفيق بين العقل والواقع الخارجي، باستخدام مناهج علمية محكمة، كالمراقبة والاختبار والمعالجة المنطقية للمعلومات؛ موضحاً أن النظريات والمفاهيم العلمية ليست ثابتة، بل هي نتاج تطور مستمر وفق مراجعة وتغيير متواصل مع اكتساب معلومات جديدة، وداعياً إلى أهمية ممارسة الإنسان العربي دوراً فاعلاً في المجالات العلمية والحضارية.

المشاركة الفاعلة

يؤكد عبده أهمية وقوف الحضارة العربية الحديثة على تجارب الأمم الأخرى التاريخية والمعاصرة، مما يعطي ويتيح لها القدرة على توجيه العالم المعاصر، ويلغي حالة الانعزال التي تُعاني منها الحضارة العربية الحديثة؛ ويشدد على ضروة "المشاركة الفاعلة" في صنع المستقبل العلمى والحضاري، وتجنب الانعزال الفكري. ويصف الثورة العلمية، التي يجب أن يمارسها العالم العربي، بأنها "تجربة حرية وتحدٍّ يتطلب فكراً جديداً وإبداعاً خاصاً بالإنسان العربي"، مُشيراًإلى أهمية تأسيس علاقة بين العلم والإنسان العربي، تعتمد على رؤى علمية معاصرة وتجارب داخلية، دون إفراط عاطفي.

ويتناول عبده العلم وتطور الإنسان، ويفترض أن العلم يتجاوز كونه "مجموعة من الأدوات أو الحقائق، وإنما هو نتاج تخليق العقل البشري للتصورات عن العالم". ويركز على كيفية تشكيل الأفكار العلمية، مثل "مفهوم القوة"، ويبحث في تطورها عبر التاريخ، ويشرح تفوق الإنسان البيولوجي عن الحيوان من حيث نمو الدماغ، وطول فترة الطفولة التي تتيح له التفكير الخيالي والتصوري، فالمعرفة تتجاوز عنده الاستجابة للمثيرات. ويوضح اختلاف العلم عن الفلسفة، رغم تقاربهما في العصور القديمة، ويرى أن العلماء المعاصرين يكادون يمتلكون "عقلاً فلسفياً" في أبحاثهم، في مقابل تخلف الفلسفة والفنانين عن ملاحقة العلوم الحديثة.

ويعرض لتطور العلوم الطبيعية والنهضة العلمية، من نيكولاي كوبرنيكوس (1473-1543م)، إلى فرانسيس بيكون (1561-1626م)، ويركز على جهود ترسيخ المنهج العلمي القائم على الملاحظة والتجربة، ويتناول كيفية نشأة النظرية العلمية وظهور النقاشات حول الفرضيات والنظريات، وكيفية تطورها حتى تصبح حقيقة مؤكدة؛ ويرى أن المنهج العلمي بشكل عام يرتبط بالتطور الحضاري للإنسان، لكنه في العالم العربي يظل نظرياً قليل التطبيق على الواقع العربي بشكل مباشر.

المجتمع الحديث

ويفترض المؤلف العلم بمشكلات المجتمع الحديث، ويتناول تأثير العلم والتقنية في المجتمعات، خصوصاً المجتمعات العربية التقليدية، التي تشهد صراعاً دائماً بين التقدم والتخلف؛ مؤكداً على أن التحول العلمي يولد مشكلات جديدة، مثل الانقسام الاجتماعي والمشكلات البيئية؛ بالإضافة إلى الاعتماد التقني والاقتصادي للدول المتخلفة على المتقدمة. 

وهو يتبنى فكرة مفادها أن عديداً من المشكلات النوعية في الحياة ينشأ أحياناً من النجاح وليس الفشل، لا سيما في مجتمعات تشهد انتقالاً سريعاً، خصوصاً مع تطور المجتمعات من المرحلة الزراعية إلى المرحلة الصناعية وما بعد ذلك من انتقالات علمية وتطورات. ويوضح أن العلم يستمر بشكل عام رغم التحديات التي تواجهه، خصوصاً في المجتمعات الناشئة التي تسعى إلى التطور والتقدم، عبر "الزخم العلمي والتكنولوجي"؛ داعياً إلى توفير المناخ العلمي، لأن الإنسان العادي لا يمكن أن يكون عالماً إلا في مناخ علمي متكامل يدعمه مجتمعه.

ويُقدم عبده عرضاً علمياً لتاريخ تطور علوم الكون والفلك، بدءاً من إسهامات غاليليو غاليلي (1564-1642م)، وأبحاثه التي أسست للعلوم الطبيعية. ويشرح المنهج الاستقرائي الحديث، وينتقل إلى اكتشافات علم الفلك التي فتحت آفاقاً جديدة لفهم الكون؛ كما يتناول التقنيات العلمية المستخدمة، ففي مجال الرصد اللا سلكي والأجهزة المتعلقة، ما يُقدم تفاصيل حول تكوين القمر ومستقبل الشمس، مع الإشارة إلى النظريات العلمية المختلفة وتحديات فهم هذه الظواهر. أيضاً، يشير إلى الأثر الكبير للتكنولوجيا الحديثة، مثل المعالجات الدقيقة ودورها في التقدم الصناعي والعلمي، ويسعى بذلك إلى إيجاد بناء علمي رصين، يمكّن الإنسان العربي من التماهي مع التفاصيل العلمية الدقيقة، حتى تحظى بفهم واسع في المجتمعات العربية، ما يعود عليها بالتقدم والتطور.

التقدم التكنولوجي

يُركز الكاتب على التقدم التكنولوجي الحديث، المتمثل في الأجهزة الدقيقة وأجهزة الحاسب الذكية، والدوائر المدمجة، ودورها في تحول المجتمع الصناعي والتكنولوجي؛ ويرى أن التكنولوجيا الحديثة أدت إلى ثورة صناعية واقتصادية واجتماعية، أثرت بشكل عميق في نمط الحياة والمجتمعات، كما أن العلم أسهم بشكل مباشر في تحسين ظروف المعيشة ورفع كفاءة الإنتاج، رغم بعض النتائج السلبية القليلة كالبطالة، مستهدفاً بذلك توضيح أن التقدم العلمي يحمل في طياته فرصاً ومخاطر؛ الأمر الذي يؤدي إلى وجود حاجة ملحة إلى تأهيل العنصر البشري، في مجتمعاتنا العربية، لمواكبة التطورات وتجاوز السلبيات. ويؤكد على أهمية ذلك لحاجة المجتمعات العربية إلى التطور، والاستفادة من فوائده وتجنب سلبياته، التي يطالب بمعالجتها ومواجهتها عبر تأهيل العنصر البشري العربي.

ويرى عبده أن البحث العلمي والاستكشافات والإمكانات العلمية الحديثة، تُسهم بشكل مباشر في زيادة الثروة الاقتصادية، فيتناول دور الإمكانيات العلمية في استكشاف المحيطات والثروات البحرية، وتطور أدوات البحث والرصد تحت الماء، وأهم المشكلات البيئية المرتبطة بالمحيطات، ويناقش دور العلم في دراسة البيئة البحرية واستخراج النفط والغاز والموارد الحيوية؛ وفي الوقت نفسه، يتحدث بشكل استباقي عن أهمية وضرورة الإدارة المُستدامة لهذه الموارد البحرية، لا سيما أن العالم العربي يجب أن يستفيد من الاستكشافات العلمية للبحار والمحيطات، التي يقع عليها أو تقع داخله بالكامل، مثل البحر الأحمر. 

ويرى أن من سلبيات الاستشكافات البحرية التلوث البحري وتأثير أنشطة الإنسان في الحياة بالبحار والمحيطات، لكنه يعود ويؤكد أن العلم يمكن أن يسهم في حماية هذه البيئة، ويلفت الانتباه إلى أن العالم العربي يحتاج إلى وعي بيئي وممارسة علمية أعمق في مجال المحيطات والبحار، حتى تُثمر هذه الممارسات العلمية بشكل إيجابي على العالم العربي.

التفكير العلمي

يشدد عبده على أن العالم العربي في أمسّ الحاجة إلى نظام تربوي، يعتمد على التعليم العالي وبناء "التفكير العلمي"، وتنمية القدرات البشرية، مؤكداً على أهمية اعتماد تدريس العلوم الطبيعية في المدارس بالعالم العربي منذ الصغر. كما يشير إلى أهمية ترسيخ التربية العلمية المنهجية، التي تسمح للطالب العربي بفهم الطبيعة والقوانين العلمية من خلال التجربة والاكتشاف الذاتي، بدلاً من الحفظ والتلقين والمناهج التقليدية التي تُستخدم في العالم العربي. 

كذلك، يؤكد على أن المنهجية العلمية تعزز الفضول والبحث وتحفز الابتكار، وهي -بالنسبة له– تأتي ضمن شروط حتمية لتقدم الأمم والمجتمعات؛ ويتناول العلاقة بين العلم والقضايا البيئية التي يصفها بالمعقّدة، التي تتطلب وعياً مجتمعياً واسعاً وتدخلاً علمياً مُمنهجاً، يجب مراعاته في عمليات التحديث العلمي والتربوي، التي يحتاج إليها العالم العربي، والتي يجب توفرها في الإنسان العربي.

وختاماً، يؤكد المفكر السوري سمير عبده، في كتابه "الإنسان العربي والعلم"، أن الإنسان العربي يعيش في مرحلة تاريخية علمية ثورية، تستلزم ممارسة نشاط فكري وعلمي جاد لبناء مفهوم خاص للإنسان العربي العلمي، حتى يتمكن من تبوؤ مركز فكري وأخلاقي في العالم الحديث، ويُشدد على أن العلم في حركة مستمرة ودينامية تراكمية، لذا يجب على النهضة العربية أن تتماهى مع التطور العلمي للوصول إلى التقدم والتطور الحضاري المنشود.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة