يذهب الزمن ويأتي وما زالت إشكالية القوامة تراوح مكانها، أهي للرجل على المرأة؟ أم يمكن أن تكون القوامة شراكة! أم هي للمرأة على الأسرة التي تتكفلها؟ وماذا عن القوامة السياسية! والقوامة الاجتماعية، والقوامة العلمية، والإدارية! وهل هناك قوامات مختلفة أم هي خالصة للرجل على المرأة وفقط؟.. وهل المرأة هي زوجته فقط، أم له قوامة على المرأة بشكل مطلق؟ ثم هل الإطلاق هنا حقيقي؟ وما هي شروط القوامة (؟).
أسئلة لا تنتهي، لكن هناك في العصر الحديث من يحاول أن ييسر النظر لمفهوم القوامة.
التراث والقوامة
مفهوم القوامة في التراث الإسلامي وقف عند حرفية النص في رأي علماء محدثين، فتفسير ابن كثير جاء ليفسر الآية الرابعة والثلاثين من سورة النساء، وهي السورة الجامعة لتشريعات وضوابط تخص الأسرة والمرأة بشكل عام. يقول سبحانه وتعالى: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ...﴾ [النساء: 34].
ففي تفسير هذه الآية الكريمة، يشير ابن كثير إلى أن: الرجل قيّم على المرأة، أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت، وبما فضل الله بعضهم على بعض، أن الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة، ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال وكذلك الملك الأعظم، واستشهد ابن كثير بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" (رواه البخاري)، من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، وكذا منصب القضاء وغير ذلك.
ولا تختلف التفاسير الأخرى عن ذلك؛ فالطبري، مثلاً، يقول: "الرجال قوامون على النساء، والرجال أهل قيام على نسائهم في تأديبهن والأخذ على أيديهن، فيما يجب عليهن لله ولأنفسهم بما فضل الله بعضهم على بعض، يعني بما فضل الله به الرجال على أزواجهم من سوقهم إليهن مهورهن، وإنفاقهم عليهن أموالهم، وكفايتهم إياهن مؤنهن. وذلك تفضيل الله تبارك وتعالى إياهم عليهن، ولذلك صاروا قوامين عليهن، نافذي الأمر عليهن فيما جعل الله إليهم من أمورهن".
والآية الرابعة والثلاثون، هي نفس الآية التي تحمل أوامر نشوز المرأة بالوعظ والهجر والضرب للمرأة؛ فهل نقف عند القوامة من دون الدخول في حقل ألغام العظة، والهجر، والضرب وكيفيته (؟!).
يقول سبحانه: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٞ لِّلۡغَيۡبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُۚ وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلاًۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّٗا كَبِيرٗا﴾ [النساء: 34].
الدكتور رمضان البرهومي أستاذ الفقه المعاصر بجامعة الزيتونة، بتونس، يشير في لقاء خاص مع المركز إلى مصطلح القوامة بكونه محملاً بالتاريخ والتراث. يقول البرهومي: "مسألة القوامة غالباً ما تتداول في العالم، وخاصة في الدوائر الإسلامية الضيفة، على أنها مسألة فقهية أو مسألة تشريعية؛ وفي الواقع هي أوسع من هذه الدائرة وهذا المستوى، لأن القرآن الكريم وختم النبوة تنزلت في سياقات، تراكمت فيها تجارب أمم ومجتمعات، وتلاحمت هذه التجارب إلى أن بلغنا القرن السابع للميلاد، وهو القرن المرتبط بالرسالة الخاتمة".
ويضيف البرهومي أن "هذه التراكمات المجتمعية انبنت على ثنائيات عديدة، في علاقة الروح بالمادة، وعلاقة الجسد والروح، وعلاقة عالم الصورة بعالم المادة، وعلاقة المرأة والرجل، وعلاقة بين الذكورية والأنوثة، وما إلى ذلك من هذه المصطلحات التي تسربت إلى المدونات الأسطورية في الديانات القديمة، وصور الآلهة ومسألة الأنثى حتى في العهد القديم. القوامة في القبائل العربية غالباً ما اقترنت بصورة الذكورة إلى الدرجة التي اعتبرت المرأة أو البنت علامة عار، ومعلوم عند الناس صورة الموءودة وما اقترن بعمر بن الخطاب، ومسألة الوأد".
ورسالة الإسلام، في رأي البرهومي "كانت تواجه واقعاً من جهة سيطرة مطلقة من الرجل وموروث قديم لصورة الرجل المتسلطة في الفضاء الأسري، إلى صورة بديلة في المجتمع الإسلامي والذي سيتحول إلى مجتمع أممي". وأشار إلى سبب نزول هذه الآية، والتي نزلت بعد أن لطم رجل امرأته فجاءت إلى النبي تشتكي، فأراد أن يقتص منه فنزلت الآية بأن الرجال قوامون على النساء فقال النبي أردنا شيئاً وأراد الله شيئاً آخر.
وحينما نزلت الآية ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ...﴾، أصبحت في مرحلة لاحقة مادة دسمة عند الفقهاء، الذين اعتمدوا المدونة التقليدية الموروثة، واعتمدوا ما يسمي بالإسرائيليات في التفاسير القديمة، خاصة عند الطبري وابن كثير؛ ودعمت الصورة التي يؤكدها نفوذ الرجل على المرأة في معناها المطلق، في معني السيادة بمعنى السطلة والتسلط؛ ولكن المدونات تطورت، لكنه تطور يحتاج إلى إعادة مراجعة.
القوامة والسلطة
وتقول الدكتورة وفاء إدريسي، أستاذ الحضارة والدراسات الجندرية بجامعة تونس، إن "الفقهاء منهجهم يقوم أساساً على الانتقاء وإقصاء ما لا يلائم نظرتهم، ومنها الرجال قوامون على النساء بما فضل بعضهم على بعض وليس بما فضلهم الله عليهن؛ والمفاضلة، هنا، وبناء الجملة تعني أن من النساء من هو أفضل، وبما أنفقوا من أموالهم، إذاً، شرط القوامة الأساسي هو الإنفاق".
وتضيف إدريسي: "إذا أردنا أن يكون الإسلام متطوراً، فيجب أن نعيد الترتيب، بمعنى: إن قمت بنفسي معنوياً وفكرياً واجتماعياً ومادياً، فلا قوامة لأحد عليّ، ثم نص الآية الأخرى واضح: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ...﴾ [الأنعام: 164]؛ فضلاً عن الآية ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ ٭ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ﴾ [الزلزلة: 7-8]. إذاً، مضمون الآيات القرآنية التي تفرد بها الإسلام بحد ذاته المسؤولية الفردية للإنسان على أفعاله".
وتضيف أن "الإسلام لم ينقطع عن البيئة التي بُعث فيها، وليس بإمكانه أن ينقطع أصلاً، نحن نعرف أن هناك تدرجات في الأحكام لمراعاة الذهنية العربية القديمة، إذاً جانب المراعاة في الإسلام لم يستطع أن يتخلص من هذا الخطاب الوصفي الذي يقول بأن الرجال كانوا قوامين على النساء ويتركونهن في خدورهن".
وتنطلق إدريسي بشرح الآية، بالإشارة إلى أن "الرجل يذهب للسبي ويحضر الطعام فهو الذي يقوم بالأسرة، ولم يقل النص على الرجل القوام أن يتحكم أو يمارس سلطة على زوجته وعلى أبنائه؛ والآيات الأخرى تحدد المسؤولية الفردية، وتكشف أن معنى السلطة من شخص على آخر غير موجود، باعتبار أن كل شخص مسؤول عن نفسه، وقوله تعالى واضح: ﴿يَوۡمَ يَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ مِنۡ أَخِيهِ ٭ وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ ٭ وَصَٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: 34-36]؛ القوامة بمعنى السلطة لا أراه موجوداً، ولكنه وصف للنظام الاجتماعي الذي كان موجوداً في هذه الفترة من وجهة نظري".
أنواع القوامة
يقول الأستاذ في جامعة تونس، رمضان البرهومي، إن الآية في جزئها الثاني تعطي الشروط المتعلقة بقضية القوامة، ولذلك القرآن يتحدث عن مستويات عديدة من القوامة غالباً، وهذه مشكلة الدراسات الحديثة والتي تختصر مسألة القوامة في علاقة المرأة في الحدود الأسرية الضيقة؛ في حين أن الآية تطرح دور المرأة ودور الرجل شراكة، والمفاضلة هي، كما يقول ابن عاشور، ومحمد عبده، وابن عرفة، وغيرهم، مرتبطة بأداء الوظيفة، فالقوامة إذاً ليست قوامة تسلط وليست قوامة تكليف وليست قوامة تشريف..
مثلاً، هناك حديث عن القوامة الاجتماعية في القرآن الكريم، وعن القوامة العلمية، المعلم صاحب قوامة على المتعلم، الأب هو في موضع القوّام على أبنائه، الطبيب في موضع القوّام على مريضه؛ وبالتالي، مسألة القوامة لا يمكن أن نقبل أن يستفرغ فيها بالمعنى الفقهي العميق المتحرك الحي المتحول، الذي ينفتح على كل التحولات التي يشهدها الواقع الإسلامي، ونحن اليوم نتحدث عن قوامة الرجل على المرأة، وفي مجتمعاتنا الرجل أحياناً يتسول من زوجته ما يعيله ويعيل أولاده، بحسب تعبيره.
من هنا، فالحديث عن التجديد في مسألة القوامة، يغلب عليه شيء من التردد والاحتشام. حينما تتابع رأي الطبري، وقراءة ابن عاشور، وبينهما قرون، ترى ابن عاشور يقر لحد ما رغم تقدم المدونة الزيتونية أن للرجال درجة على النساء، وهي مسألة أزعجت الطروحات النظرية الأخيرة المقابلة في علم الاجتماع والأنثروبولوجي والسياقات الحقوقية، على اعتبار أن المرأة صاحبة سيادة ولا سيادة لها إلا على نفسها، وأن القوامة تجر الذهنية العربية لتكرس الذكورية، فالفكر الإسلامي يعيش على مدار قرون في "هولوكوست" من الداخل؛ القراءات المكررة والمثبتة والنازلة بواقع معين، والقراءات الواردة والوافدة على الفكر الإسلامي، والتي تسعى إلى كسر القوامة تحت عنوان المحافظة على قوامة المرأة، فيما يسمى بمسألة "الصراع في مفهوم القوامة" في الفكر الديني.
لماذا المرأة؟
ويستطرد البرهومي: "من التيه الحضاري في الفقه الإسلامي، أن يتربع أحدهم في الفضائيات ويقول إن المرأة لا تغادر البيت أو تخرج للعمل وهي تحت قوامة الرجل، هذه المفاهيم يعاني منها الفكر الإسلامي في جوهره التحرري. وبالمناسبة نحتاج إلى أن نحذر أيضاً للعلاقة بالمنظومات الحقوقية التي تنتقد مسألة القوامة، لأنها تحمل رأياً يحمل خلفية حضارية مختلفة. وخروج المرأة للعمل لا يتعارض مع القرآن ولا السنة؛ والنظريات الحقوقية تقفز على القرآن والسنة، وتستنجد بالمدونة الفقهية. نحن في مجتمعاتنا الإسلامية دخلنا في هذه التجربة، وهنا في تونس كنا سباقين.. الفقهاء تاريخياً ينبغي أن نتجاوز قراءتهم لهذا الموضوع، لكن لا يعني هذا أن نرتمي في المدونات التي تكسر حدود النوع، وحدود الأسرة وحدود الجنس، في علاقتها ببناء المجتمع".
وتذكر الدكتورة إدريسي أننا "نتحدث عن أن النبي قدوة، في حين ننظر إلى زواجه من خديجة وهي أكبر منه سناً واجتماعياً ومالياً، وتزوجت فوق الأربعين وأنجبت أربعة، وهي امرأة يحبها كثيراً، تركنا هذه النظرة؛ وتوجه النظر إلى زواجه من واحدة في سن بناته أو أصغر، فالمجتمع يختار التفسير الذي يوافق هواه".
وتضيف: "علاقته بالسيدة خديجة، وهي امرأة يحبها كثيراً، تشي بهذه النظرة المغايرة لروح الإسلام، فعندما تعرض لزلزلة الوحي لجأ إلى خديجة، وهي خرجت دون أن تستشيره وخرجت لابن عمها لتفسير ما حدث، وهو ما يشي بأن مفهوم القوامة في تصرفها مع الرسول؛ ولكنها القوامة بمعنى أنها شعرت بالمسؤولية، وهو شعور بالمسؤولية تجاه امرأة استأمنته على مالها وعرضها، والإسلام في العديد من الآيات يوحي بالمفهوم، وهو مفهوم المسؤولية. والزوج له مسؤولية في العائلة، والزوجة لها مسؤولية، والأبناء لهم مسؤولية، بما فضل الله بعضهم على بعض والإنفاق اليومي".
وورد في حديث للشيخ الشعراوي، أن الآية الرابعة والثلاثين من سورة النساء تتحدث عن مطلق رجل ومطلق امرأة، ولم تتحدث عن زوج وزوجة؛ فلماذا قصرها بعض الفقهاء على أنها للرجل وزوجته؟ ويجب أن نفهم الرجال قوامون تعني ماذا؟ هل تعني راحة وأريحية، أم هي مسؤولية وتعب؟
ويضيف: "قوامون على النساء يعني قوام مبالغ في القيام، فلان يقوم على الأمر يعني لا يقعد عنه، ولماذا يتم التفسير على أنه سلطة كتم أنفاس؟ ولماذا لا تفسرها على أنها سعي لمصالحهن؟ قائم على أمر المسألة يعني يقولون أن فلاناً يقوم على أمر فلان، يعني يرى بنفسه مصالحه؛ فكلمة الرجال على عمومها والنساء على عمومها بما فضل الله بعضهم على بعض، وجه التفضيل أن الرجل له الكدح وله الضرب في الأرض والسعي على المعاش، كل هذا قائم على أمر المرأة ثم قال وبما أنفقوا من أموالهم..
وإذا كان الزواج متعة للأنثى وللذكر، وما دامت المتعةُ مشتركةً وطلبُ الذريةِ مشتركاً، فمن المنطقي أن تقع التبعات عليهما هما الاثنان، ولكن الآية قصرتها على الرجل صداقاً ونفقة؛ ولو كانت غنية لا يفرض عليها حتى أن تقرض زوجها. والرجال قائمون بشكل دائم، وهذا معنى قوام في اللغة، والمرأة لها مهمة توازي ذلك بأنها السكن".
وختاماً، الرجال قوامون على النساء بمعنى أن لديهم القوة الكافية للقيام على المرأة، ولكن ذلك لا يعطي الرجال سلطة مطلقة أو سيادة مطلقة عليها؛ بل الأمر هو للقيام بها وبأولادها. لكن الدخول في الشطر الثاني من الآية، وهي خاصة بنشوز النساء، وكيفية التصرف، وتكليف الرجل بالقيام بمعالجة نشوز زوجته بالتدرجات الموجودة في الآية، أمر قد يصب في صالح "للرجال عليهن درجة"، لكنها أيضاً ليست درجة مطلقة.