الإسلام والغرب:

العولمة وضرورة تجديد الخطاب الديني

مركز حوار الثقافات

04-05-2025

يتناول المفكر المغربي حسن أوريد، في كتابه "الإسلام والغرب والعولمة"، إشكاليات العلاقة المركبة بين الإسلام والغرب في ظل تحديات العولمة، تناولاً نقدياً تحليلياً لإيجاد علاج لِما وصفه بأعقد الإشكاليات المعاصرة التي يعاني منها العالم الإسلامي، وعبر تفكيك الصورة النمطية السائدة يوضح أن العولمة كمفهوم "تمثل سياقاً كلياً غيَّر من طبيعة العلاقات بين الأمم والثقافات المختلفة"، ما يدفعه إلى توضيح حاجة العالم الإسلامي إلى خطاب جديد يخلو من الأحكام المسبقة، ويتجاوز ردود الفعل التقليدية مع الغرب ومع مفهوم العولمة.

التحدي الحضاري

يطرح أوريد سؤالاً محورياً عن كيفية التوفيق بين التراث بشكل عام والتراث الديني بشكل خاص مع متطلبات العصر الحديث في العالم الإسلامي، دون التنازل عن الهوية، لا سيما وأن العالم الإسلامي يُعاني حالة من الارتباك الحضاري والثقافي، سببه التغيرات التي طرأت على مستوى المعرفة والاقتصاد والتطورات السريعة الحادثة.

ويرى الكاتب أن العولمة، كمفهوم، تمثل تحدياً حضارياً ومعرفياً يمس جوهر العالم الإسلامي وهويته، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في الأدوات والمناهج المستخدمة في الفهم الديني، والاعتماد على القراءة العقلانية للنصوص المقدسة، ما يسمح بتجديد الخطاب الديني ويُحرره من الجمود الفقهي والتقليد الموروث، ويجعله منفتحاً على العلوم الحديثة والحقائق الكونية، حسب قوله.

ويوضح المؤلف أن النخب الإسلامية المثقفة تتردد بين انغلاق على الهوية ورفض للآخر، ما يؤدي إلى ادعاء بأن الحداثة الغربية خطر على الهوية الدينية الإسلامية، وبين الانبهار بالحضارة الغربية ومنجزاتها لاستنساخها دون وعي نقدي، الأمر الذي يجب تجاوزه عبر التفاعل النقدي والتمييز بين "ما هو إنساني في الحضارة الغربية" وبين ما هو "ناتج الخصوصية الغربية التي تقتصر على العالم الغربي، دون غيره من الحضارات الأخرى بما فيها العالم الإسلامي".

ويشدد على أهمية إيجاد اجتهاد جديد يستخدم العقل ويستجيب للواقع، ما يسمح بخوض تجربة الحداثة بـ"ثبات ديني" و"انفتاح معرفي"، لا سيما أن الإسلام دين مرن يتسع للتطور ويتضمن المعاني الكونية والإنسانية، بشرط أن يُفهم في ضوء مقاصده العليا وليس عبر التعامل الحرفي التقليدي مع نصوصه، حسب قوله.

حوار لا صراع

ينتقد أوريد أطروحة صراع الحضارات للمفكر الأمريكي صمويل هنتنجتون، التي تضع العالم الغربي في مقابل العالم الإسلامي، وتجعل العلاقة بينهما علاقة عداء، وتضع الغرب والشرق في مواجهة صفرية؛ مطالباً بتجاوز ذلك النموذج الذي يرتكن على الصراع في علاقة الحضارات ببعضها، داعياً إلى "اعتماد الحوار بين الأديان والحضارات كبديل حضاري وإنساني"، حتى يمكن تأسيس علاقة مبنية على الاحترام والتفاهم المشترك.

حوار الأديان بالنسبة لـ"أوريد" ضرورة تاريخية وإنسانية، تفرضها "العولمة التي ألغت الحدود الثقافية وقربت المسافات بين الأمم المختلفة"، لا سيما أن الأديان السماوية تشترك في قيم إنسانية مثل العدل والكرامة والرحمة، وهي قواسم مشتركة قادرة على دعم الحوار وفتح مسارات جديدة له.

والحوار الحضاري بين الأديان، الذي يدعو إليه المؤلف، هو حوار الند للند بين متكافئين يقوم على الاحترام المتبادل والاعتراف بالاختلاف، ولا يمكن أن ينجح إذا ظل الخلل في موازين القوى قائماً؛ فلا يمكن الحديث عن حوار حقيقي في ظل هيمنة سياسية وثقافية تُقصي الآخر، ولن ينجح في ظل استعمال الدين أداة للهيمنة أو الاستقطاب.

ويدعو أوريد إلى مبدأ الاحترام في الحوار الحضاري، على أن يكون الاحترام بديلاً للتسامح الذي يرى أنه يحمل في طياته تعالياً ضمنياً على الآخر، ويشدد على الاحترام الذي يُقر بالمساواة الإنسانية والفكرية والثقافية، والاعتراف بخصوصية الآخر وقبول التعددية كقاعدة رئيسة لا استثناء، خاصة أن "الاحترام أساس أخلاقي يسمح ببناء علاقة سليمة بين الحضارات ويُبعدها عن الهيمنة والاحتقار".

و"الحوار الداخلي الإسلامي" صورة من صور الحوار الحضاري الذي يدعو إليه الكاتب، لا سيما أنه يعترف بالتعددية الداخلية في العالم الإسلامي، التي يجب القبول بها، وطرح التوترات بين المذاهب الدينية والفقهية المختلفة، وقبول التنوع في العالم الإسلامي واحترامه، والعمل على تجديد الخطاب الديني والفقهي، حتى يقبل الخلاف ويتسع له، مشدداً على أن "الحوار مع الغرب لن ينجح دون وجود حوار حقيقي داخلي في العالم الإسلامي".

تعزيز المعرفة

يدعو أوريد إلى تعزيز "المعرفة الموضوعية" المتبادلة بين الغرب والشرق من أجل إنجاح الحوار الحضاري، عبر خطوات منها:

- تخلي الغرب عن نظرته الاستشراقية، التي تتهم العالم الإسلامي بالعنف والتطرف.

- تجاوز العالم الإسلامي رؤيته المنغلقة على الذات، والرافضة لقبول الحضارة الغربية.

- إعادة القراءة التاريخية للحضارتين الإسلامية والغربية، قراءة متعددة تؤدي إلى قبول الاختلاف.

- تشجيع العمل المعرفي المشترك، مثل البحث العلمي والتبادل الثقافي والترجمة المتبادلة.

- إدراج المناهج الغربية في مراحل التعليم بالعالم الإسلامي، والاهتمام بالدراسات الإسلامية في الجامعات الغربية.

الخطوات السابقة، التي وضعها أوريد، يرى أنها تؤدي إلى فهم عميق للآخر وتقضي على الجهل بين الطرفين، ما يؤدي إلى إمكانية حوارية تفيد الطرفين، حسب قوله.

أما الصورة السائدة في الغرب عن العالم الإسلامي، وهي صورة مشوهة، يرجعها أوريد إلى فشل العالم الإسلامي نفسه في تقديم صورة حقيقية متوازنة عن نفسه للغرب، بسبب تراجع الإنتاج الثقافي والمعرفي القادر على التأثير في الغرب؛ كما أن بعض الممارسات المتطرفة في العالم الإسلامي التي تصدر عن بعض الجماعات الإرهابية، رغم أنها ممارسات هامشية قليلة، فإنها تُعطي مبرراً لتأكيد صورة الإسلام المشوهة في الغرب، كما ينتقد المحاولات الغربية لفرض الهيمنة على العالم الإسلامي بدل الحوار والتفاهم.

ويؤكد أوريد أن العالم الإسلامي لديه فرصة مثالية لتغيير الصورة المشوهة عنه، إضافة إلى إحداث نهضته الحقيقية والعودة إلى مربع الفعل الحضاري عبر التفاعل الإيجابي مع العولمة والاستفادة منها، لا سيما أن "التاريخ لا يسير في خط مستقيم"، وأن محاولات الغرب لفرض هيمنته لن تدوم ولن تستمر، فالعالم الإسلامي قادر على التغيير إذا امتلك رؤية واضحة ومشاركة جدية وفاعلية في تغيير حاضره وصياغة مستقبله.

رؤية فكرية

يجتهد الكاتب في تقديم رؤية فكرية تكاملية للعلاقة بين العالم الإسلامي والغرب، تصب في صالح العالم الإسلامي، وتمكنه من التعامل مع مفهوم العولمة والتحديات التي يفرضها؛ إذ إن العولمة يمكن أن تشكل فرصة للتفاعل والحوار الحضاري، ويُوجه نقداً للغرب في ما يتعلق بانفتاحه على الحضارات الأخرى، ويدعو العالم الغربي إلى الانفتاح على الحضارات الأخرى، وفي المقابل، يدعو العالم الإسلامي للانفتاح على الحضارة الغربية والنماذج الحضارية الأخرى، لا سيما أن المستقبل لا يُصنع بالتقوقع أو المواجهة الرافضة، بل يُصنع عبر بناء جسور التفاهم العميق والتعاون المشترك.

وختاماً، يؤكد أوريد أن العالم الإسلامي أمامه فرصة لتغيير الصورة المشوهة عنه وعن الإسلام في الغرب، كما أن لديه قدرة للاستفادة من العولمة وتجلياتها المختلفة، ما يسهم في تحقيق نهضته الحضارية وحداثته الخاصة، وذلك عبر "تقديم خطاب ديني جديد" يتسم بالعقلانية والقدرة على الاجتهاد والتجديد، وتجاوز التقليد والجمود الذي يمكن أن يتم عن طريق عالمية الإسلام وأبعاده الكونية ومرونته، ما يسمح بإنتاج فقه جديد يسمح بالحوار الداخلي وقبول التعدد والاختلاف، ويدعم حوار الحضارات على ضوء من الاحترام والفهم العميق المتبادل، ويُعزز المعرفة الموضوعية المتبادلة بين الشرق والغرب، ويعظم القدرة على الاستفادة من مفهوم العولمة.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة