الإسلام والتجديد:

تجاوز ازدواجية الوعي بين المثقف والفقيه

مركز حوار الثقافات

17-11-2025

يُمثل التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر الإشكالية الرئيسة لكتاب "الإسلام والتجديد: رؤى في الفكر الإسلامي المعاصر"، للمفكر العراقي علي المؤمن (1964م)، الذي يسعى من خلاله للوصول إلى رؤية إسلامية تستجيب لمتطلبات العصر وتحدياته المتسارعة، دون الإخلال بثوابت العقيدة والشريعة؛ ويؤكد أن الفكر الإسلامي لم يكن بعيداً عن التجديد، فثمة مفكرون كُثر اجتهدوا في "إضاءة جوانب جديدة"، وأسهموا في إيجاد تيار إسلامي تجديدي، يسعى إلى صياغة رؤية إسلامية معاصرة.

ضرورة التجديد

يُعرّف المؤمن التجديد بأنه "اجتهاد من أجل صياغة الرؤية الإسلامية في ظل التطورات المعاصرة"، ويشدد على أهمية تحقيق التوازن بين "الأصالة والمعاصرة"؛ فالتجديد يجب أن ينبع من الداخل الإسلامي لا أن يكون استنساخاً للنماذج الغربية، ويشير إلى أنه يتطلب تحديداً دقيقاً لكل من "الثابت" و"المتغير" في الشريعة؛ ويرى أن الاجتهاد "ضرورة عملية مستمرة لا تتوقف مع تطور مسيرة الحياة"، مع أهمية الوضع في الاعتبار "العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية"، مُشيراً إلى أن الحركة الفكرية الإسلامية المعاصرة تعاني من ضعف ناتج عن ظاهرة "التغريب" و"الجمود" الفكري.

يقول الكاتب، إن التجديد عملية "بعث وإحياء للروح الإسلامية وتأكيد قدرتها على التفاعل مع تطورات الحياة"، ولم يكن يوماً "عملية انفصال عن التراث أو القطيعة معه"، فالتجديد ضرورة متجذرة في الفكر الإسلامي، وإشكالية التجديد تكمن في الخلط بين "الأصول والثوابت"، و"الفروع والاجتهادات"؛ ويؤكد أن التجديد ليس تبديلاً للثوابت الإلهية، بل هو "تحديث في الرؤى والاجتهادات البشرية المستنبطة من تلك الثوابت".

الثابت والمتغير

يُحدد المؤلف ماهية الثابت والمتغير؛ فالثابت، ما ورد "بنصوص قطعية الثبوت والدلالة" من القرآن والسنة، ويتضمن "الأصول العقائدية والتشريعات الأساسية القطعية"، ويشدد على أن الثوابت "خط أحمر" لا يجوز المساس بها. أما المتغير، فيشمل "الاجتهادات الفقهية والنظريات الفكرية والتطبيقات الحضارية"، التي تستند إلى آراء بشرية أو استنباطات ظنية، وتتأثر بـ"ظروف الزمان والمكان"، والاجتهاد هو الآلية الأساسية للتعامل مع المتغيرات، والخلط بينهما نتج عن "الجمود الفكري" الذي رفع كل ما هو اجتهادي إلى مستوى الثابت، فأدى إلى تجميد بعض القضايا التي تقع في حيز المتغير، ما أعاق الحركة التجديدية.

ويحدد المؤمن آليات ثلاث للتجديد:

- الاجتهاد: وهو "بذل الجهد لاستنباط الحكم الشرعي من مصادره الأصلية في ما لا نص فيه، أو في ما كان نصه ظنيَّ الدلالة"؛ كما يجب أن يكون جماعياً ومؤسسياً وليس فردياً، ليضمن الموضوعية ويستوعب مختلف التخصصات المعاصرة.

- المعاصرة: ويعني بها التخصص وتعددية المعارف؛ فالفهم المعاصر لا يجب أن يقتصر على العلوم الشرعية التقليدية، ولكن يتطلب الاستعانة بـ"العلوم الاجتماعية والإنسانية"، لفهم الواقع وتنزيل الأحكام.

- النقد الفكري: فالنقد الداخلي الذاتي يؤدي إلى "تنقية الفكر الإسلامي من الشوائب" التي تراكمت عبر العصور، أو التي جاءت بفعل التأثيرات الخارجية، ويجب أن يكون "هادئاً وعلمياً وموجهاً نحو الأفكار لا الأشخاص".

الحرية المسؤولة

يُعرف المؤمن حرية الفكر بأنها "القدرة على استخدام العقل للتفكير والاجتهاد في القضايا المختلفة دون ضغوط أو إكراه"؛ ويرى أن الإسلام جعل "التفكر والتدبر" فريضة دينية أساسية، وضَمن حرية الاعتقاد؛ لكنه يرى أن حرية التعبير عن الفكر "تجد حدودها" في إطار النظام العام والمصالح العليا للمجتمع الإسلامي. 

ويوضح أن الإشكاليات المعاصرة لحرية الفكر تنبع من عاملين:

- سلطة المؤسسة الدينية: التي احتكرت تفسير النص، ما أدى إلى تضييق مساحة الاجتهاد وحرية الرأي، واعتبار أي رأي مخالف خروجاً على الثوابت.

- الخوف من الردة والمساس بالثوابت: فالخلط بين الاجتهاد في المتغيرات والمساس بالثوابت القطعية أدى إلى وضع "سد منيع" أمام المفكرين، خوفاً من اتهامهم بالزندقة أو الردة.

يقول الكاتب، إن الحرية المطلقة غير موجودة في أي نظام؛ وبالتالي، فالإسلام يضع ضوابط ضرورية للحرية، التي منها: "الثوابت العقدية القطعية" وعدم المساس بأصول الإيمان الأساسية، مثل وجود الله والنبوة واليوم الآخر والمصالح العليا للأمة؛ فلا يجب أن يتسبب الفكر في فوضى أو فتنة أو إضرار بوحدة المجتمع وأمنه. هذا، إضافة إلى "التزام الأخلاق العامة" والآداب والأخلاق الإسلامية، وذلك يجعل الحرية في الإسلام حرية مسؤولة، تهدف إلى خدمة الحقيقة وتنمية المجتمع.

الأزمة الحداثية

يذهب المؤلف إلى أن الواقع الإسلامي يعاني من "أزمة حقيقية" في التعامل مع الحداثة، التي يُعرفها بأنها "نتاج التطور الفكري الغربي المعاصر"؛ مُؤكداً رفضه المسارين الخاطئين في التعامل معها: مسار "الرفض المطلق" الذي يرى الحداثة غزواً فكرياً كاملاً؛ ومسار "التبني المطلق" الذي يؤدي إلى ذوبان الهوية الإسلامية. ويوضح أن الإسلام لا يعارض التطور العلمي والتقني "كجزء من الحداثة"، ولكنه يرفض الإطار الفلسفي لها، أو "الفلسفة المادية العلمانية" التي تشكل الإطار النظري للحداثة الغربية؛ وفي رؤيته أن الحل يكمُن في "التوفيق النقدي" الذي يقتضي أخذ الإيجابيات ورفض السلبيات، مع الحفاظ على "الرؤية الكونية الإسلامية".

ويرى المؤمن أن العالم الإسلامي يعاني من ظاهرة التجزئة، أو "عدم النظر إلى الإسلام كمنظومة متكاملة"، الأمر الذي يتجلى في فصل جوانب الحياة المختلفة عن المنهج الإسلامي، مثل الفصل بين العبادة والسلوك الاجتماعي، أو بين الاقتصاد والأخلاق؛ مُشيراً إلى أن سبب هذه الإشكالية "التخصص المفرط" الذي يؤدي إلى عزل المعارف. وبالتالي، تكون النتيجة "فقيهاً لا يفهم في الاقتصاد"، أو "اقتصادياً لا يفهم في الفقه"، ما يعوق صياغة رؤية إسلامية شاملة ومتكاملة للواقع، حسب قوله.

الفقيه والمثقف

يُشدد المؤمن على دور الشباب باعتبارهم "قوة التغيير الأساسية"، ويحذر من تحديين رئيسيين يواجهانهم: "السطحية الفكرية"، نتيجة غياب المنهجية العلمية والاعتماد على مصادر غير موثوقة؛ و"الاندفاع العاطفي"، الذي يقودهم إلى مواقف متطرفة أو متسرعة دون وعي عميق بالواقع. ويطالب بـ"توجيه طاقات الشباب" فكرياً وعملياً، وتزويدهم بالأدوات اللازمة لقراءة الواقع.

ويتناول العلاقة بين الفقيه والمثقف في سياق ثنائية التراث والمُعاصرة، ويرى أن الفقيه حامل "المنهجية الاستنباطية التقليدية"، المتمكن من أدوات استخراج الحكم الشرعي، ولديه أمانة في نقل التراث؛ ولكن تكمن إشكاليته في "التركيز المفرط على الماضي، وتحويل وعيه بالتراث إلى جمود"، خصوصاً عندما يرفع بعض الأحكام الفرعية إلى مصاف الثوابت القطعية، مغفلاً السياق الزمني والمكاني، لذلك يطالبه بـ"توسيع أفقه المعرفي" حتى يُصبح واعياً بالعصر. 

وفي المقابل يرى أن المثقف المطلع على العلوم الإنسانية والمعاصرة، يتميز بـ"القدرة على نقد الواقع وقراءة التحديات العالمية"، وهو أكثر وعياً بـ"متطلبات العصر"، بينما تكمن إشكاليته في "ضعف الوعي بالتراث والمنهجية الأصولية"، وغالباً ما يتعامل مع التراث بـ"سطحية أو رفض"، ويسعى إلى إسقاط الحلول الغربية الجاهزة؛ لذلك يحذر من أن يتحول الوعي بالعصر إلى "تغريب".

يقول المؤمن، إن العلاقة بين الفقيه والمثقف علاقة "قطيعة معرفية"، والتجديد لن ينجح إلا عبر تجاوز القطيعة المعرفية، وإقامة حوار مؤسسي جاد بينهما؛ يستفيد فيه الفقيه من وعي المثقف بالواقع، ويتسلح المثقف بمنهجية الفقيه. ومن ثم، يطالب بإصلاح المناهج التعليمية الشرعية لإدماج العلوم الإنسانية في دراسة الفقه والأصول، والعمل على تكوين مؤسسات بحثية مشتركة، تضم الفقهاء والمثقفين لتناول القضايا المعاصرة بشكل جماعي، مع إعادة تعريف مفهوم الاجتهاد ليصبح عملية جماعية تتطلب تخصصات متعددة، لتجاوز "ازدواجية الوعي"، من أجل إنتاج فكر إسلامي أصيل ومعاصر.

ويشدد المؤلف على أن التجديد إشكالية وعي ومنهج، وهي تتطلب إحياء الاجتهاد الجماعي والمؤسسي، للتمييز بين الثابت القطعي والمُتغير الاجتهادي، وإدماج العلوم الإنسانية في المناهج الشرعية، ما يدشن لرؤية إسلامية مُعاصرة تتفاعل نقدياً مع الحداثة وتؤكد قدرة الإسلام على صياغة حل جذري شامل.

وختاماً، يحذر المفكر العراقي علي المؤمن، في كتابه "الإسلام والتجديد: رؤى في الفكر الإسلامي المعاصر"، من الغزو الثقافي الذي يستهدف الوعي والقيم والمفاهيم، ويطالب بتفعيل التجديد الداخلي عبر النقد الذاتي لمواجهة هذا الغزو؛ ويحذر من السلوك التغريبي دون نقد أو انتقاء، ويطالب بالحوار مع الغرب وبناء "جسر للتواصل" لتجاوز سوء الفهم المتبادل، وذلك عبر الحوار الحضاري الهادئ القائم على القواسم الإنسانية المشتركة، وتقديم صورة حقيقية للإسلام بواسطة مفكرين قادرين على مخاطبة العقل الغربي.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة