الإسلام والتاريخ:

محاولة في تفسير النص بالواقع الاجتماعي

مركز حوار الثقافات

04-05-2025

في العادة يُفسر التاريخ الإسلامي انطلاقاً من القرآن، لكنه من الضروري أن يُفسر القرآن انطلاقاً من التاريخ، مبدأ يتبناه المفكر الفلسطيني سلامة كيلة في كتابه "الإسلام في سياقه التاريخي"؛ إذ يورد جملته الرئيسة في الكتاب، التي تحدد منهجه: "بدل تفسير الواقع بالنص يجب تفسير النص بالواقع".

يؤكد كيلة أن الإسلام في حاجة إلى محاولة جادة لفهمه وفق التطورات التاريخية والاجتماعية، ما ينتج عنه خطاب ديني جديد قادر على مواجهة الخطاب التقليدي الذي أفرزه الفقه السلطاني، وما تسبب فيه من قراءات مغلقة للنصوص الدينية، ومنح قداسة لتفسيرات تراثية بشرية، الأمر الذي يوجب نقد التراث نقداً عقلانياً يراعي المتغيرات والتطورات التاريخية والاجتماعية والعلمية.

 نظرة مغايرة

ينظر كيلة إلى الإسلام نظرة شمولية تتجاوز النظرة التقليدية؛ إذ يرى أنه دين قادر على التفاعل الاجتماعي والفكري، ويمكن تقديم قراءة له ضمن السياق التاريخي والاجتماعي والاقتصادي؛ رافضاً النزعة التقليدية السائدة في العالم الإسلامي، التي ترفض إخضاع التراث إلى التحليل العقلي والتاريخي، ما يعزل الدين عن واقعه، ويبقيه في دائرة التقليد والجمود، على عكس الإسلام وطبيعة نصوصه التي تسمح بإعادة التأويل وفقاً للتطورات التاريخية والمجتمعية.

ويقدم الكاتب منهجاً مغايراً في إعادة النظر إلى الإسلام، يختلف عن المنهج التقليدي في النظر إليه؛ إذ يرى أنه "بدلاً من تفسير الواقع بالنص يجب تفسير النص بالواقع"، ما يدفعه إلى الدعوة إلى فهم النصوص الدينية والتراثية ضمن البنية الاجتماعية والتاريخية التي ظهرت فيها؛ مؤكداً على "البعد الروحي والإيماني للنص الديني". لكنه، في الوقت نفسه، يُطالب بفهمه وتأويله ضمن الإطار الاجتماعي والتاريخي، ما يُحقق تحرراً للإسلام من التأويلات التقليدية والسلطوية المغلقة، التي ترمي بظلها وتتجاهل التاريخ وتطوراته، رغم أنها وليدة عصرها وقد تصلح لذلك العصر أو لا تصلح، لكنها "لا تصلح لعصور مغايرة"؛ فالفهم العقلي النقدي "ضرورة هامة لتحرير الدين من التقليد والجمود وسلطة التفسيرات الموروثة السائدة في المجتمعات الإسلامية"، حسب قوله.

 فهم تاريخي

ويحاول كيلة تقديم فهم تاريخي "طبقي" لظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية، فيرى أن القرآن ظهر في مكة والجزيرة العربية، في وقت ساد فيه صراع طبقي كبير، تمثل في التناقض بين النخبة المسيطرة في قريش، التي لها قوة اقتصادية وتجارية، وبين فقراء ومستضعفين؛ الأمر الذي تعامل معه القرآن وفقاً لمبادئ إنسانية كالعدالة الاجتماعية، فأقر مبدأ الزكاة وانتقد الربا؛ بما أدى إلى ضعف هذا الصراع بين الطبقات المتصارعة، ما جعل من الممكن تكوين مجتمع إسلامي متماسك.

وينتقل المؤلف إلى الخطاب القرآني، الذي تطور عبر الانتقال من مواجهة الصراع الطبقي في مكة إلى خطاب جديد في المدينة المنورة؛ إذ توسع الخطاب، الذي كان يتركز في مكة على التوحيد ورفض الظلم والاستغلال، إلى التأكيد على المساواة والحرية؛ بمعنى أنه كان "خطاباً ثورياً يهدف إلى تفكيك البنية الاجتماعية القبلية والطبقية"، ليتحول إلى "خطاب أشمل يسعى إلى تنظيم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية"، أو ما أطلق عليه "سمات التشريع وبناء الدولة".

ويُفسر كيلة ظاهرة الخلافة التي أعقبت وفاة النبي، بأنها نشأت بفعل الضرورة التاريخية والمجتمعية، ويؤكد أن الخلافة كانت نظاماً سياسياً غير ديني، وما حدث من صراع حول الخلافة كان "صراعاً بين قوى اجتماعية أكثر ما كان اختلافاً في تفسير النصوص الدينية"؛ مؤكداً أن "الخلافة" كنظام حكم كان "سلطة بشرية"، وليس نموذجاً إلهياً مقدساً، سريعاً ما تحول إلى النظام الوراثي في عهد الدولة الأموية واستمر بعد ذلك؛ ما أظهر تناقضاً بين القيم الإسلامية في العدل والشورى والمساواة، وبين التطور الطبيعي للخلافة التي قامت على القوة وفرض الواقع والتحالفات المختلفة بعد ذلك، حسب قوله.

 الدين والدولة

يبحث المؤلف في تطور الإسلام باعتباره أحد أشكال الوعي الاجتماعي، الذي "جاء كعقيدة ومشروع فكري واجتماعي يعكس تحولات الواقع ويستجيب لتطوراته"، ليتطور من كونه تعبيراً ثورياً عن الفئات المهمشة في مكة، ليصبح أداة أيديولوجية للدولة، لا سيما وأن الخطاب الإسلامي تشكّل في بدايته على خلفية صراع اجتماعي، ثم تطور مع الدولة ليعبّر عن مصالحها، فتطورت بعض مضامينه الثورية، حسب قوله.

يقول الكاتب إن الخطاب الإسلامي الخاص بالعديد من القضايا، مثل العبودية والمرأة والملكية الفردية، حسمته النصوص الدينية، وبدأ تأويل هذه النصوص وتطبيقها في المجتمع، وما زالت هناك إمكانية في تأويل جديد يتناسب مع التطورات التاريخية والاجتماعية، ويُرجع هذه الإمكانية إلى اعتباره أن الإسلام "حراك فكري متغير، وليس منظومة مغلقة".

ومن ثَم، يهتم كيلة بالعلاقة بين الدين والدولة في الإسلام، ويعيد النظر إلى هذه العلاقة منطلقاً من منهج نقدي وتاريخي تحليلي، فيذهب إلى أن التداخل بين الدين والدولة في الإسلام لم يكن واجباً مقدساً مأموراً به في النصوص الدينية؛ والربط بين الدين والدولة فرضته "بنية السلطة بعد وفاة النبي"، لا سيما وأن الإسلام لم يُحدد شكلاً ثابتاً للحكم، وما حدث من ظهور دولة دينية لاحقة بعد ذلك كان بسبب تأويلات خاطئة للنصوص الدينية، سببه الرئيس "الفقه السلطاني" الذي أعاد صياغة المفاهيم الدينية لتبرير السلطة، ومنحها طابعاً دينياً يُكرس طاعة المجتمع وخضوعه، وهي تأويلات تعظّم السلطة السياسية آنذاك على حساب العدل والمساءلة.

 قراءة التراث

ويؤكد المؤلف أن روح الإسلام ومبادئه السامية معنية دائماً بالعدالة والمساواة، وليس بالحكم والسياسة، ويعلل تنظيم النبي لشؤون المجتمع في المدينة بأنه كان تنظيماً سياسياً وليس تقديساً للسلطة، الأمر الذي يؤكده أن معظم النصوص التي استند إليها "الفقه السلطاني" لم تكن نصوصاً دينية قطعية أو تأسيسية، بل فهم بشري منحه الفقه السلطاني قدسية مزعومة، حسب قوله.

وبالتالي، يجتهد كيلة في إعادة قراءة التراث قراءة نقدية تاريخية تحليلية، مشدداً على أهمية إخضاع التراث للتحليل والنقد، لافتاً إلى التفرقة بين التراث كنتاج اجتماعي وبين الإسلام كدين؛ وأن كثيراً مما نُسب إلى الإسلام ليس إلا فهماً بشرياً، تأثر بالبناء الثقافي والتاريخي وتراكم عبر العصور وكرس لهيمنة الفقه السُّلطاني، الأمر الذي عاد على الخطاب الإسلامي المعاصر بشكل سلبي، فجعل الخطاب الإسلامي المعاصر يرتكز على التراث ويرتهن إليه بدلاً من فهم النصوص التراثية في سياقها الزمني والاجتماعي.

ويرفض الكاتب الجهود الإحيائية التي تحاول إعادة التراث دون نقد أو تحليل أو انتقاء، ما يؤدي إلى ثبات لا يتناسب مع التغيرات التاريخية والاجتماعية، ويؤدي إلى العودة إلى الماضي وتكرار أنماط التخلف والجمود الفكري والتسلط والاستبداد السياسي، مطالباً بإعادة النظر إلى التراث عبر منهج علمي تحليلي ينظر إليه كظاهرة ثقافية، يُخلص نصوص التراث البشرية من القدسية، الأمر الذي يسهم في تكوين خطاب إسلامي معاصر، قادر على تحرير العقل من قيود النقل، ويستند إلى مقاصد النص ويتجاهل تراكمات الفهم البشري التراثي، وفقاً لقوله.

 وختاماً، يرى كيلة أن الإسلام دين شامل جمع بين المقدس وبين الحركة الاجتماعية المتفاعلة مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التاريخية؛ ولم يشتمل الإسلام على شكل ثابت للدولة ولم ينص عليه، بل كان هناك فصل بين الدين والدولة. وما حدث من ربط الدين بالدولة كان بسبب تأويل الفقه السلطاني للنصوص الدينية بما يُكرس السلطة آنذاك، ويتجاهل الروح التحررية للإسلام، ما وضع الخطاب الإسلامي في ازدواجية بين خطاب تقليدي يُكرس للجمود والتقليد والتسلط والاستبداد السائد آنذاك، وبين خطاب واعٍ احتجاجي، يرفض الخطاب السابق. 

وهو الأمر الذي يوجب قراءة التراث بشكل نقدي تاريخي تحليلي، يُفرق بين المقدس، وبين الفهم البشري بطابعه التاريخي والاجتماعي، ما يُمكن من إعادة بناء الوعي الإسلامي وتحرير الخطاب الديني من الثبات والجمود والتقليد، حتى يُعيد للخطاب الإسلامي روحه التحررية الإنسانية المبنية على العدالة والمساواة.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة