الإسلام والاشتراكية:

ضرورة تجديد الفكر الديني والاجتماعي

مركز حوار الثقافات

11-12-2024

تثير العلاقة بين الاشتراكية والإسلام تساؤلاتٍ هامةً حول التجديد والتطوير في الأفكار الدينية والاجتماعية. هذه التساؤلات كانت محلَّ كتاب "التجديد في الإسلام كالتجديد في الاشتراكية.. ضرورة تاريخية في شروط العصر"، للمفكر اللبناني الراحل كريم مروة، الذي يستكشف من خلاله مفهوم التجديد في الإسلام والاشتراكية، للإسهام في فهم أعمق لمفهوم التجديد في الدين والفكر الاجتماعي.

الإسلام والتجديد

يدعو مروة في كتابه، الصادر عن الدار العربية للعلوم، عام 2018، إلى إعادة النظر في القضايا الاجتماعية والدينية في ضوء التحديات الحديثة، عبر تسلسل ممنهج، يقدمه في أقسام الكتاب الأربعة، في رؤية فريدة تربط بين الحاجة إلى التجديد في الاشتراكية والإسلام، واعتبار أن التجديد في الاشتراكية يأتي نتيجة انهيار التجربة الاشتراكية بسبب الخلل البنيوي؛ وبالمثل، يروّج لفكرة أن "انهيار الإسلام جرى بسبب الهيمنة الاستبدادية وتغييب قيم الإنسانية في المؤسسات الدينية"، حسب قوله.

ويقترح الكتاب، الذي يتألف من "137" صفحة، أن التجديد في الإسلام والاشتراكية يشترطان معالجة هذه المشكلات، واستعادة قيم الإنسانية والعدالة، لافتًا إلى محاولات النهضة العربية، وغيرها من الحركات الدينية التي سعت لتحقيق التجديد في الإسلام على مر العصور.

في هذا السياق، يستشهد الكاتب بمقولة النبي محمد عليه الصلاة والسلام عن التجديد، في حديث شريف يشير فيه إلى أن "الله يرسل للمسلمين كل مائة عام شخصًا يجدد لهم دينهم".

وعلاوة على ذلك، يشير الكاتب إلى أن التجديد في الاشتراكية والإسلام قد يؤدي إلى بناء علاقة جديدة بين العلمانيين المرتبطين بقيم الاشتراكية والمجتمعات الإسلامية. ويرى أن "القيمة الإنسانية" سوف تكون المرجعية الأساسية في هذه العلاقة، وهو ما يتماشى مع مفهوم "ماركس"، الذي يعتبر الإنسان قيمة أساسية في الحياة.

ويعرض الكاتب القضية عبر أربعة أقسام أساسية تتناول الدين الإسلامي، أولها عن سيرة أربعة مفكرين مجددين من الشيعة، وثانيها جهود مؤسسة الأزهر – السني - لتجديد الخطاب الديني، ثم الاستشهاد بآيات من القرآن وأحاديث من السُّنة عن السبب والحاجة إلى التجديد في الإسلام، وأخيرًا مساحة للتعبير عن رأيه.

في القسم الأول، يقدم نظرة إلى حياة أربعة من العلماء والمفكرين المسلمين البارزين، ويُسلط الضوء على جهودهم في مجال الاجتهاد والتجديد في الإسلام؛ وأهم هؤلاء، بحسب الكاتب، هم: العلامة السيد محسن الأمين، والفقيه وخبير اللغة الشيخ عبد الله العلايلي، ورئيس المجلس الشيعي الأعلى الإمام موسى الصدر، ورئيس المجلس الشيعي الأعلى الإمام محمد مهدي شمس الدين.

الإصلاح الديني

تعود أهمية اختيار العلامة السيد محسن الأمين (1860-1952م)، إلى دوره البارز في الإصلاح الديني، وتبنيه مسار الإصلاح الذي يتجنب التعصب والطائفية، ورفض الخرافات التي تُلصق بالإسلام. ويتطرق الكاتب إلى نشأة السيد محسن وحركته الإصلاحية في أوائل القرن العشرين، ومَن سبقوه مثل السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده والشيخ عبد الرحمن الكواكبي.

وللسيد محسن الأمين عديدٌ من المؤلفات التي توضح مواقفه في الدين والحياة، من بينها موسوعة «أعيان الشيعة» التي حُرّرت بواسطة المؤرخ حسن الأمين، وتمزج بين الأدب والتاريخ في تسليط الضوء على فصائل الشيعة. وقدّم السيد محسن أيضًا كتابات أخرى تشمل مواقفه الرئيسية في الإصلاح الديني، وقد ألَّف عديدًا من الكتب في مجالات التاريخ والفقه وأصول الدين.. ويوضح الكاتب مدى تأثير سفر الأمين من فلسطين إلى العراق ثم إيران؛ إذ تأثر بالفكر الإصلاحي الإيراني وبدأ تطوير أفكاره الخاصة بالإصلاح الديني.

محاربة الخرافات 

ويسرد الكاتب سيرة المُجدد الثاني، الشيخ عبد الله العلايلي (1914-1996م)، الذي يعتبر واحدًا من الشخصيات المهمة في العالم العربي المعاصر، لتميز سيرته بالموازنة بين العقلانية والديمقراطية في الفكر والحياة الشخصية، وسعيه في مجالات مختلفة، مثل الفقه وعلم اللغة والتاريخ والأدب والسياسة. هذا، فضلًا عن أن الشيخ عبد الله العلايلي كان رجل علم ومعرفة وفكر وجدل، وكان أيضا سياسيا مشاركًا في المعارك السياسية والفكرية والفقهية.

يشير الكاتب إلى جهود العلايلي في محاربة كل أشكال الخرافات والبِدَع، التي تسببت في تشويه الدين بطرق تعسفية، وكان يحمل روح الثورة ومظاهرها، ورفض النظام السلطوي القائم والأفكار القديمة.

ثم يتطرق إلى أصوله، وأوضح روايتين عن حياته وحقيقة قدومه إلى مصر، وصداقته مع نقيب الأشراف في دمياط، وتاريخ عائلته التي تمتد لثمانية قرون، وكتاباته في مجلات، مثل الأديب والطريق، وغيرها، منذ أواخر الأربعينات من القرن العشرين. ويوضح الكاتب كيف تتعامل كتابات العلايلي مع قضايا وأفكار وأحداث سياسية واجتماعية وفكرية متنوعة، مثل كتابه "المعري ذلك المجهول"، و"سمو المعنى في سمو الذات"، و"أشعة من حياة الحسين". 

 حقوق الأقليات

الشخصية الثالثة لرموز التجديد الشيعي هو الإمام موسى الصدر (1928 – 1978م)، أحد أبرز رجال الشيعة في لبنان، ودوره في المجلس الشيعي، وتأسيسه حركة "المحرومين" لحماية حقوق المحرومين من كل الطوائف والمناطق، وليس الشيعة فقط.

ويشرح الكاتب شعار "السلاح زينة الرجال" في سياسة الصدر، ودورها في الصراع الاجتماعي؛ ثم يسرد كواليس لقاء الإمام الصدر وقادة الحزب الشيوعي، فضلًا عن عمقه في البحث في طبيعة الأزمة اللبنانية سياسيًا واجتماعيًا وأسبابها وطرق مواجهتها.

ويستغرق الكاتب في وصف شخصية الصدر وثقافته وانفتاحه السياسي والديني والثقافي، ونشاطه في محاولات منع الحرب الأهلية، في أواخر عام 1974؛ عبر استعراض سيرته الذاتية وتنقلاته، مجيبًا عن عديد من التساؤلات المثيرة للجدل، من بينها سبب إخفاء معمر القذافي، السيد الصدر مع رفيقيه خلال زيارته إلى ليبيا في عام 1978م.

 مكانة الإسلام

وقع اختيار الكاتب على الشخصية الرابعة في سيرة المجددين، وهو الإمام محمد مهدي شمس الدين (1936-2001م)، الذي يصفه الكاتب بأنه من أكثر الشخصيات انفتاحًا في تاريخ لبنان على الأديان الأخرى والأفكار الفلسفية؛ خاصة أن الإمام شمس الدين كان قد تأثر بالأفكار العلمانية، وكان لاجتهاده الديني تأثير كبير في تعامله مع الجوانب الحياتية الدنيوية. 

ويستعرض الكاتب تطور الإمام شمس الدين في الفقه والفكر السياسي، وكيف صارت أفكاره وآراؤه ومواقفه مرجعًا للأفراد ذوي الرأي في التيارات الفكرية والسياسية. ثم، يسلّط الكاتب الضوء على سيرة الإمام شمس الدين الشخصية وحياته في العراق، ثم في لبنان، ويتحدث عن قدرة الإمام شمس الدين على متابعة التطورات والتغيرات في لبنان.

ويكشف الجانب السياسي في سيرته وعدم اعتقاده في ولاية الفقيه، التي يمثلها النظام الإيراني الجديد، وموقفه منها ومعارضته لما تعتبره الشيعة جوهر عقيدتهم. كما يتطرق الكاتب إلى كتابات الإمام شمس الدين، بما في ذلك كتاب "الوصايا"، وكيف عبرت تلك الكتابات عن مواقفه الثابتة التي احتفظ بها حتى النهاية.

الاجتهاد والتجديد

خصص الكاتب القسم الثاني من كتابه عن جهود التجديد في الإسلام لدى السُّنة، عبر إيضاح نتائج مؤتمر الأزهر الشريف، الذي أقامه شيخ الأزهر د. أحمد الطيب، في عام 2017، وقراءات حول الاجتهاد والتجديد فيه.

ويشير الكاتب إلى البنود الصادرة عن المؤتمر، وتشمل عدم التمييز، بالإضافة إلى الموقف من مصطلح "الأقليات" الذي عاد للتفرقة بين دين وآخر ثم للتفرقة بين أبناء الدين الواحد.

ويستشهد، أيضًا، بمقال "مؤتمر الأزهر في القاهرة: الرائحة اللبنانية" للدكتور أنطوان قربان، ويوضح فيه رأيه عن تنظيم جامعة الأزهر المرجع الأعلى للمسلمين السُنَّة بالاشتراك مع مجلس حكماء المسلمين، ويبدي رأيه في المؤتمر والمساحة المستحدثة التي خلقها عن الجماعات والعيش المشترك.

وختامًا، يخصص الكاتب القسم الرابع والأخير من الكتاب، ليعرض فيه رأيه في ثورة أكتوبر الاشتراكية في مئويتها، وقراءاته في التجديد في الاشتراكية، ويستعرض نص مداخلته في الندوة التي عقدت في جامعة منوبة في تونس، في نوفمبر 2017، تحت عنوان "مئوية ثورة أكتوبر والعالم العربي"، وجاءت مشاركته بصفته اشتراكيًا، كقومي عربي ديمقراطي النزعة.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة