كتاب "الإسلام والإيمان" للمفكر السوري محمد شحرور، الذي صدرت طبعته الأولى عن دار الأهالي في دمشق، عام 1996، يُعتبر من أبرز الكتب التي أثارت جدلاً كبيراً حول الفهم التقليدي للإسلام والمفاهيم المرتبطة به. شحرور، في هذا الكتاب، يسعى إلى تقديم قراءة جديدة تتماشى مع العصر الحديث، وتتواكب معه؛ معتمداً على منهج تأويلي يختلف عن التفسيرات التراثية السائدة. إذ يناقش في الكتاب عدة قضايا أساسية؛ منها العلاقة بين الإسلام والإيمان، والفارق بينهما؛ وكذا دور الإنسان في فهم الدين بشكل يتوافق مع العقل والعلم.
الإسلام والإيمان
ينطلق شحرور في محاولة تعريف كل من الإسلام والإيمان، بناءً على آيات التنزيل الحكيم، من تساؤل أساسي، مؤداه: إذا كانت الشهادة برسالة محمد عليه الصلاة والسلام، والشعائر من أركان الإسلام.. فكيف يصح إسلام فرعون وهو لم يلتقِ إلا بموسى عليه السلام؟ وكيف يصح إسلام الحواريين وهم لم يعرفوا سوى عيسى عليه السلام؟ وهم جميعاً لم يروا الرسول الأعظم، ولم يصوموا رمضان، ولم يحجوا البيت؟
وقد أثار الكاتب هذا التساؤل، عبر محاولة تدبر عديد من الآيات القرآنية.. منها قوله سبحانه: ﴿وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُۥ بَغۡيٗا وَعَدۡواًۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدۡرَكَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [يونس: 90]؛ ومنها قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 52].
وكما هو واضح، فإن مسألة الفصل بين الإسلام والإيمان، هي أول قضية أساسية يتناولها شحرور في هذا الكتاب؛ إذ يرى أن الإسلام شيء والإيمان شيء آخر، وأن الإسلام متقدم على الإيمان سابق له؛ وأن: "الدين عند الله الإسلام، لا يقبل ديناً غيره.. وأنه دين الفطرة الإنسانية التي فطر سبحانه الخلق عليها؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الروم: 30]..."، حسب قوله.
وبحسب شحرور، فالإسلام ليس ديناً بالمعنى الضيق المتعارف عليه، بل هو حالة وجودية تشمل الإنسانية جمعاء؛ ويوضح أن الإسلام هو دين الفطرة، أي التسليم بالوجود الإلهي وإدراك النظام الكوني، من دون أن يرتبط بعقيدة محددة أو شعائر معينة بالضرورة. في المقابل، الإيمان هو تصديق بوجود الله واتباع رسالة محددة، مثل الإسلام بشكله التقليدي؛ وبذلك، يرى شحرور أن الشخص قد يكون مسلماً بالإسلام الوجودي دون أن يكون مؤمناً بشعائر الدين.
منظومة القيم
يُعد القسم الثاني من الكتاب الأكثر أهمية، من حيث الاعتماد على ما جاء في القسم الأول من تبيان لمفهومي الإسلام والإيمان؛ ويعالج شحرور في هذا القسم "منظومة القيم" في الإسلام. ويتناول هذه القيم من خلال محاولة الفصل المفهومي بين العباد والعبيد، والشهادة والشهيد، والأبوين والوالدين، والذنب والسيئة، والفوارق بينها.
فمن جانب العباد والعبيد، ومحاولة التفرقة بينهما، كمثال، يرى شحرور أن العباد والعبيد ليسا مترادفين في النص القرآني، على الرغم من التشابه اللغوي؛ ويستند إلى الآيات القرآنية التي تذكر الكلمتين في سياقات مختلفة لتوضيح الفارق الجوهري بينهما. ومن خلال هذا الفارق، يميز شحرور بين "العباد" و"العبيد" من حيث العلاقة الروحية بين الإنسان وخالقه. فالعباد هم أولئك الذين اختاروا طاعة الله عن وعي وإرادة حرة، ويشير بذلك إلى الذين استجابوا لله واتبعوا منهجه في حياتهم، ما يعني أن العباد هم الذين ارتقوا إلى مستوى الإيمان والالتزام الأخلاقي والديني. ومن هنا، يمكن القول إن كل "عبد" هو جزء من الخلق، ولكن ليس كل "عبد" هو "عبداً صالحاً" أو من "العباد" الذين يميزهم الله بالإيمان والطاعة.
أما من جانب الأبوين والوالدين، ومحاولة التفرقة بينهما، كمثال آخر، يشير شحرور إلى أن "الوالدين" هما الوالد البيولوجي والوالدة البيولوجية، أي الأب والأم اللذان أنجبا الطفل من الناحية الجسدية؛ مؤكداً أن استخدام كلمة "الوالدين" في القرآن يعكس العلاقة الطبيعية بين الآباء وأبنائهم، بناءً على العملية البيولوجية للإنجاب، مثلما ورد في قوله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰناًۚ...﴾ [الإسراء: 23].
في حين يوضح شحرور أن "الأبوين" هو مصطلح يتجاوز مجرد العلاقة البيولوجية؛ ليشمل الرعاية والحنان والتربية التي يقوم بها الأب والأم. فـ"الأبوان" يشيران إلى الأبوين كفئة معنوية واجتماعية تلعب دوراً في تنشئة الطفل وتوجيهه، وليس مجرد الجانب البيولوجي للإنجاب. ويؤكد شحرور أنه "من الناحية البيولوجية، لا بد للوليد من والد ووالدة، ومن ناحية التربية والحماية والرعاية والتنشئة لا بد له من أب وأم"، حسب قوله.
ومن خلال هذه التفرقة بين المفاهيم، يسعى شحرور إلى إبراز أن القرآن يحتوي على معانٍ أكثر عمقاً وتعقيداً مما يظهر في الفهم التقليدي. فالتفرقة بين العباد والعبيد تسلط الضوء على فكرة أن العلاقة بين الإنسان وربه تختلف بحسب مستوى الطاعة والإيمان؛ فالعبد، ككائن مخلوق، قد لا يكون مؤمناً أو ملتزماً بأوامر الله، بينما العباد هم أولئك الذين ارتقوا إلى مستوى الالتزام الروحي.
أما فيما يتعلق بالفارق بين الأبوين والوالدين، فيرى شحرور أن النص القرآني يميز بين الوالدين كعلاقة بيولوجية والأبوين كعلاقة رعاية وتربية، مما يعزز فهماً أوسع لمسؤولية الأبوين في تنشئة الجيل القادم.
الذنب والسيئة
يخصص شحرور جزءاً من دراسته للتمييز بين الذنب والسيئة، مستنداً إلى قراءة دقيقة للآيات القرآنية؛ حيث يرى أن هذين المصطلحين يستخدمان غالباً بشكل مترادف في الخطاب الديني التقليدي، إلا أنهما يحملان دلالات مختلفة ومحددة في النص القرآني. هذه التفرقة تُسهم في توضيح كيفية فهم الذنوب والسيئات من منظور التنزيل الحكيم، وتساعد على إعادة تفسير مفهوم العقاب والغفران.
ويشير إلى أن الذنب في القرآن يتعلق بالمسؤولية الفردية والشخصية للإنسان عن أفعاله؛ فالذنب يرتبط بالفعل الذي يقوم به الإنسان مخالفاً لأوامر الله أو أخلاقيات المجتمع، ولكنه يتعلق بشكل أساسي بالأثر الشخصي لهذا الفعل على الفرد نفسه، وهو بذلك يمثل الخطأ الذي يمكن للإنسان أن يتحمل تبعاته بشكل فردي، التي قد تؤدي إلى استحقاق العقاب الإلهي.
أما السيئة، فيرى شحرور أنها تشير إلى الأثر الاجتماعي أو الضرر الذي يقع على الآخرين نتيجة فعل الإنسان؛ فالسيئة ليست مجرد خطأ فردي، بل هي فعل يضر بالآخرين أو بالمجتمع ككل، ولهذا فإن السيئات قد تكون أوسع تأثيراً وأكثر خطراً على النسيج الاجتماعي. وبالتالي، فإنها تتطلب مواجهة وعقوبة قد تكون أشد من الذنب؛ لأنها لا تؤثر فقط على مرتكبها، بل تمتد آثارها إلى الآخرين.
ويشير شحرور، أيضاً، إلى أن القرآن يقدم طرقاً مختلفة للتوبة عن الذنب والسيئة؛ فالتوبة من الذنب تعتمد على الاستغفار والندم الشخصي والتعهد بعدم العودة إلى الذنب، بينما التوبة عن السيئة تتطلب إصلاح الضرر الذي ألحق بالآخرين، وهو ما يُبرز الفرق الجوهري بين المفهومين في الشريعة الإسلامية.
وختاماً، يقدم محمد شحرور في كتابه "الإسلام والإيمان" محاولة جريئة لإعادة قراءة النصوص الدينية الإسلامية بطريقة عصرية، تعتمد على العقل والمنطق، حيث يسعى إلى تحرير الإسلام من التفسيرات الجامدة التي وضعها الفقهاء في عصور سابقة، ويطالب بفهم جديد يتماشى مع متطلبات العالم الحديث.
رغم ذلك، فإن شحرور لم يستطع قراءة كل آيات التنزيل الحكيم، التي ورد فيها لفظ الإيمان ومشتقاته، وقد ساهم ذلك في "خطأ التعميم" بأن الإيمان يعني "التكليف، وأن المؤمنين هم أتباع محمد عليه الصلاة والسلام"، حسب قوله.. وبالتالي، غاب عنه، رحمه الله، أن نبي الله موسى عليه السلام هو "إمام المؤمنين"، وذلك قياساً إلى قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِي وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكّٗا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقٗاۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الأعراف: 143].