إلى إعادة تعريف الأسس الثابتة للإسلام، كالفرق بين الإيمان والإسلام، يدعونا المفكر والباحث السوري الدكتور محمد شحرور في كتابه "الإسلام والإنسان.. من نتائج القراءة المعاصرة"، الصادرة طبعته الأولى عن دار الساقي، في عام 2016م، ببيروت، معتمداً قاعدة "الترتيل" منهجيةً له؛ والترتيل في رأي شحرور هو نظم الموضوعات الواحدة الواردة في آيات مختلفة في نسق واحد.
تعريف "المسلمون"
يقول محمد شحرور إن صفة الإسلام كانت تُطلق قبل البعثة المحمدية بزمن بعيد جداً، ابتداءً من نوح، مروراً بالأنبياء إبراهيم ولوط ويعقوب ويوسف وموسى وعيسى، وصولاً في النهاية إلى سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام؛ فصفة الإسلام، حسب قوله، إذاً، عريقة عراقة إرسال الرُّسل، وكل الرسل جاؤوا بدين واحد، هو دين التوحيد لله خالق كل شيء، وصفة الإسلام تبيّن أن هؤلاء الرسل كلهم كانوا مسلمين، وكل من اتبعهم يُعدُّ مسلماً عند الله عز وجل، حسب شحرور.
ويضيف أن الإسلام "في سياق آيات القرآن هو الإيمان تسليماً بوجود الله وباليوم الآخر، مع اقتران هذا التسليم بالعمل الصالح، وهو القاسم المشترك بين كل الأديان والمِلل التي تلتزم الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح"؛ مؤكداً أن "دين الله واحد، وهو الإسلام، سواء في أتباع سيدنا محمد أو في أتباع أي ديانة أخرى".
ويوضح شحرور أن العمل الصالح مرتبط بفكرة "قيُّومية الإسلام"، التي تكمن في كونه ديناً يوجِّه الإنسان في حياته إلى الصلاح من خلال حثّه على القيم الإنسانية، والتحرر من كل أنواع العبودية، والتوجه إلى الله بكل اختيار بالتزام القيم الإنسانية والتمتُّع بها، وعلى رأسها قيمة الحرية المسؤولة.
الإسلام والإجرام
يقول محمد شحرور إنه عند التعمُّق في البحث في كتاب الله، نجد أن المصطلح المضاد للإسلام هو "الإجرام"، ويقابله؛ ونجد لفظ "مجرمون" ضد وصف "مسلمون"، وقد ورد مصطلح "جرم" بكل مشتقاته 67 مرة في القرآن، ومعناه القطع، ومنه سُمِّيت الأجرام السماوية أجراماً؛ لأنها منفصلة، أي مقطوع بعضها عن بعض.
ويشرح أن المجرم هو الذي يقطع صلته بالله؛ وبالإضافة إلى ذلك يقطع صلته بالقيم الإنسانية، فلا يعترف بها ولا يحترمها ولا يطبّقها في نفسه ولا تجاه مجتمعه، وينطلق على هواه دون مراعاة قوانين أو قيم؛ وأن الكفر بوجود الله، والتكذيب باليوم الآخر، والامتناع عن العمل الصالح، وعدم تقديم المعونة للناس، وعدم ترك الآخرين يساعدونهم، يُخرج الإنسان من دائرة "الإسلام" إلى دائرة "الإجرام"، حسب قوله.
الملَّة المحمدية
يقول شحرور إن المسلم يجب أن يكون حتماً مؤمناً بالله وباليوم الآخر ويعمل صالحاً، مضيفاً: "ولكن لا يُشترط أن يكون تابعاً للملّة المحمدية".
ويوضح ذلك بقوله: "لأنه قد يكون الإنسان من ملّة دينية أخرى؛ لأن الملّة الدينية عبارة عن طريقة ممارسة الشعائر الدينية، وتختلف طريقة كل ملّة عن الأخرى حسب طريقة تأديتها للشعائر الدينية من صوم وصلاة وحجّ وزكاة".
ويتابع أن "المؤمنين هم أتباع سيدنا محمد؛ لأنهم مسلمون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون صالحاً، وهم فوق ذلك مؤمنون لأنهم آمنوا بسيدنا محمد، ويتبعون ملّته في الشعائر، وأن الإسلام هو الحد الأدنى المطلوب من الناس".
ويشرح أن الفرق بين تقوى الإسلام وتقوى الإيمان يكمن في أن المطلوب في تعاليم الإسلام أن تطبّق حق تطبيقها كاملة؛ فالمريض مثلاً مُعفى من الصوم لأنه لا يستطيعه، لكنه غير مُعفى من أن يكون متخلّقاً بالقيم، والحج مربوط أساساً بالاستطاعة المالية، لا الاستطاعة الأخلاقية.
الرسالة والنبوة
يقول شحرور: "جاء في كتاب الله: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا﴾ [الأحزاب: 40]".. وهذه الآية الكريمة تذكر ثلاثة مقامات لسيدنا محمد، يوضحها شحرور على النحو التالي:
أولاً، مقام محمد الإنسان: وهو مقام خاص بحياة النبي الشخصية كإنسان، له سلوكياته الطبيعية التي تدخل في إطار التكوين الطبيعي له، كإنسان عادي ممارس للحياة البشرية بشكل عادي، ولم يكن في هذه الحياة/المقام معصوماً؛ لأنه مقام لا يحتاج إلى عصمة.
ثانياً، مقام محمد النبيّ: ومهمة النبوة موجودة في الغيبيات، أي الأنباء الغيبية التي أُوحيت إليه؛ ومهمة الاجتهاد في السلطة، أي الإمساك بزمام الحكم وتسيير أمور المجتمع، ولم يكن معصوماً في اجتهاداته، وجاءته تعليمات إلهية بتصحيح اجتهاداته ثُبتت في القرآن.
ثالثاً، مقام محمد الرسول: وتمثَّلت وظيفة الرسول في النطق بالذكر لتبيانه للناس، أي بإعلامه لمن حوله وعدم كتمانه عنهم، وهو بمثابة البلاغ، وليس الشرح، وسيدنا محمد معصوم في مقام الرسالة من حيث تبليغ الناس بكتاب الله وكلماته، التي حفظها الله وبلّغها سيدنا محمد دون نقص أو زيادة.
مفهوم السُّنَّة
يقول شحرور إن السُّنَن الإنسانية تتعاقب الواحدة تلو الأخرى، وهذا هو الشأن بالنسبة لكل التشريعات التي اختارها أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية، التي كان يأمل من خلال وضعها إيجاد حلول عملية تساعد في تسيير أمور حياة أفراده، بصرف النظر عن كونها متوافقة مع القيم الإنسانية أو مخالفة لها، فأرسل الله إليهم الرسل والأنبياء لإرشادهم إلى سُنّة الله المبنية على القيم العليا الصحيحة للدفع بهم إلى طريق الرُقي الأخلاقي والعلمي.
ويوضح شحرور أنه نظراً لأن مستويات الوعي للمجتمعات السابقة كان يطغى عليها التجسيدات؛ فرسائل رسلهم ظرفيّة مناسبة لمستوياتهم، ما عدا الرسالة المحمدية التي جاءت مجردة وأبدية لكونها الرسالة الخاتمة، وهي ثابتة في ذاتها ولكنها متغيرة في تطبيقاتها، ما يجعل من التغير والتحول المقصد الجوهري لها في تطبيقاتها المختلفة باختلاف المجتمعات.
ويتابع أن "السُّنَّة الإلهية الأبدية التي لا تتغير ممثلة في ما جاء في كتاب الله، وهي التي تُسمّى السُّنة الرسولية؛ أما الاجتهادات التي اجتهدها سيدنا محمد من مقام النبوة، كقائد أعلى للمجتمع، فتُسمَّى السنَّة النبوية، وهي ليست وحياً من عند الله ولكنها نابعة من اجتهاداته، وهي مرتبطة بظروف مجتمعه ومستوى وعي أفراده وغير صالحة لكل زمان ومكان، بل طاعته فيها كانت لازمة لمن عاصره من أفراد مجتمعه فقط، على عكس السنَّة الرسولية التي تكون طاعته فيها لازمة لكل العصور بعده من أتباعه"، حسب قوله.
وختاماً، يقول شحرور: "لأن الإسلام على اختلاف ملله الدينية يُعبّر عن الفطرة الإنسانية، الممثلة في القيم التي يتعامل بها الناس بينهم دون حرية ودون إجبار، فهو يمثّل الهويّة الحقيقية للإنسان في هذا الكون".
ويضيف أن تلك الهوية الحقيقية لا تخضع للقهر ولا ترضى بالاستعباد في أي زمان ومكان، وستبقى كذلك إلى يوم الدين، وانقياد الإنسان إلى القيم لا يكون إلا عن اختيار ورضا، ورغبة كاملة في التعبير عن إنسانيته المطلقة في تحقيق معنى خلافته لله في هذا العالم، وإنْ كان هناك إكراه فلا يمكن أن يكون من الدين أبداً؛ لأن الإكراه "يُلغي صفة الإنسانية عن الإنسان"، حسب قوله.
ويوضح أن هذه هي خاصية الدين الإسلامي، الذي يقوم على الطوعية والالتزام الإرادي، بما جاء في دين الإسلام من قيم إنسانية متمثلة في تجنب محرمات الله والامتثال لأوامره ونواهيه؛ لأن الطاعة جاءت مقرونة بالاختيار المسؤول والحرية المسؤولة.