"عَلاقة المسلم بالتراث، كما علاقته بالآخر، لا تزال قلِقة وتبحث عن قيم تستوعب اجتهاد السلف وحكمة الخلَف من المسلمين وغير المسلمين".. هكذا يقدم الكاتب الأردني الدكتور عامر الحافي لكتابه "الإسلام والأديان.. من الحوار إلى الأصولية"، الصادرة طبعته الأولى في عام 2019، عبر دار ورْد الأردنية للنشر والتوزيع، مطالباً بجَسْر الهُوَّة بين العقل والنقل على مستوى الداخل الإسلامي، منذ ابن رُشد، وبناء جسور جديدة تؤسس لنظرة مُعاصرة لعلاقة المسلمين بالأديان الأخرى.
مَطْلب الحِوار
يبتدئ الكاتب بعرضٍ لمعنى كلمة "الحِوار" لغوياً، باعتبارها مطلبه الديني والحياتي، فالكلمة جذورها تعود إلى "الحَوْر" وهو الرجوع عن الشيء وإلى الشيء، والتحاوُر هو التجاوب، مستشهداً بالآية الكريمة: ﴿إِنَّهُۥ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الانشقاق: 14]، بمعنى لن يرجع، لافتاً إلى المعنى الاصطلاحي للحوار وهو عملية التفاعل والمحادثة بين شخصين أو أكثر بُغية الوصول إلى الحقيقة، فيما يتجاوز الحوار عملية عرض الأفكار إلى عملية توليد أفكار جديدة، بأسلوب عقلي أو علمي، يُقنع أطراف الحوار لإحداث تغيير في مواقفهم وأفكارهم.
ويلفت الكاتب إلى أن حدوث الحوار بين البشر يحقق غاية الله من خلق الناس شعوباً وقبائل، فيما هو ضرورة معرفية وجودية وضرورة اجتماعية تمكِّن الناس من التواصل والانخراط معاً في محيطهم، وأشار الكاتب أيضاً إلى أسبقية وجود الحوار على وجود الإنسان، حين استشار الله تعالى ملائكته قبل أن يخلق آدم ليكون خليفة في الأرض، في قوله سبحانه: ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 30].
ويؤكد الكاتب أن الله تعالى كرّم الإنسان في تكوينه، أي قبل أن يبتليه ويتحمل مسؤوليات، بالعقل وحرية الاختيار، فالحرية على هذا الأساس قيمة أساسية من صميم الدين الإسلامي، أو بالأعم هي قيمة أساسية في صميم الوجود الإنساني، لافتاً إلى أن الحرية ليست خطيئة ولا إثماً يتبرأ منه الإنسان ليكون مؤمناً تقياً في دينه، وإنما هي امتداد لمشيئة الله، التي اقتضت أن يُخلق البشر مختلفين تصديقاً لقوله تعالى: ﴿وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ﴾ [هود: 118].
وقد أكد القرآن، بحسب الكاتب، أن حرية الإنسان ومشيئته هي الأساس الأول للتكليف، فهي منطلق الإيمان الذي يصدر من القلب بإرادة حرة، بعيداً عن القهر والإجبار والإكراه: ﴿وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ﴾ [الكهف: 29].
حرية الاعتقاد
يقول الكاتب إن عموم المناهضين لحرية الاعتقاد هم ممَّن يقصرون النجاة على الإيمان بمعتقداتهم، من هنا يعتبرون اختيار غيرهم المعتقد الذي يؤمنون به انتصاراً لديانتهم واعترافاً بأنهم على حق، أما إذا حدث العكس واعتنق أبناؤهم ديناً آخر غير دينهم، فهم يعتبرون ذلك اتباعاً للشيطان وانحرافاً عن الحق المطلق الذي هُم عليه.
بناءً على هذه المعضلة، يرى الكاتب أن مؤيدي قتْل المرتد عن الدين لم يضيفوا شيئاً لحل المشكلة، بقدر ما جعلوها أكثر حِدَّة؛ لذا هم يُعيدون إنتاج المشكلة ويكرسون العنصرية الدينية التي تعطي الحق والحياة للذات وتنفيهما عن الآخر.
ويلفت الكاتب إلى أن فِقدان حرية الاعتقاد يجعل الدين بلا معنى؛ فالحرية، بحسبه، هي التي تعطي الدين قدره ومضمونه الإيجابي؛ أما الإكراه، نقيض الحرية، فهو يُمثل "الخروج الأكبر" عن الدين وقيمه الجوهرية.
ويعتقد كثيرون أن الشك هو طريق الضلال والكُفر، فيما هو، بحسب الكاتب، الطريق الأمثل إلى الهداية والمعرفة؛ ويلفت إلى أنَّ للعقل مسلَّماته التي ينطلق منها ويستدل بها على صحة الأحكام العقلية أو بطلانها، وأن وجود المسلَّمات لا يعني تقويض وظيفة العقل وشرعية أحكامه.
ويشير الكاتب إلى أن العقل البشري بلغ مرتبة سامية في زماننا، فاقت ما كان يحلم به الأسلاف والأجداد، ويؤكد أنه ليس من الدين في شيء أن تبقى اجتهادات السلف ونظرتهم إلى الأمور حاكمة على عقولنا وإبداعاتنا الإنسانية إلى قيام الساعة.
وهنا يستشهد الكاتب بالآية الكريمة التي تقول: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ﴾ [الحج: 8]، لافتاً إلى أن هذه الآية استوعبت وسائل معرفية يمكن للإنسان من خلالها بلوغ معرفة الله؛ الوسيلة الأولى وهي العلم العقلي، وهو المُشار إليه بقوله تعالى "بِغَيۡرِ عِلۡمٖ"، والوسيلة الثانية وهي هداية الفطرة والمشاعر الإنسانية، وهي المُشار إليها بقوله تعالى "وَلَا هُدٗى"، أما الوسيلة الثالثة فهي المعرفة الموحاة، وهي المُشار إليها بقوله تعالى "وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ"، لافتاً إلى أن هذه الوسائل توصلنا إلى الله، فيما لا تناقض ولا تبايُن بينها.
المسلم المعاصر
يعرج الكاتب على نظرة المسلمين المعاصرين إلى أتباع الأديان الأخرى، ويقول إن العولمة أسهمت في تقريب البشر والأمم، وزادت الإحساس والاهتمام بالتعددية الدينية والثقافية، كما فتحت المجال لإعادة التفكير في دين الآخر وثقافته؛ ومن هنا يدعو إلى ضرورة صياغة خطاب إسلامي حضاري مُعاصر تجاه الأديان الأخرى وأتباعها، خطاب يقوم على الرحمة والعدل والمحبة وينسجم مع العقل والوجدان والفطرة السليمة، ويؤسس لمجتمعات مدنية تحترم التعددية وحقوق الإنسان، وتستثمر التنوع وترى فيه فرصة للتعارف والتكامل.
كما يدعو الكاتب إلى ضرورة استيعاب المتغيرات المُعاصرة التي طرأت على المعتقدات الدينية ومذاهبها، وعدم الوقوع تحت طائلة النظرات التراثية القديمة التي كانت لها ظروفها المجتمعية ومعطياتها الخاصة، ومن هذه المتغيرات، بحسب الكاتب، ظهور عديد من الأديان والمذاهب بعد عصر التنزيل، كحال الديانة السيخية والبهائية واليهود القراؤون واليهود الإصلاحية والمذهب البروتستانتي المسيحي، ناهيك بالتطورات الكبيرة التي طرأت على موقف الديانة المسيحية من الإسلام، كما في المجتمع الفاتيكاني الثاني.
ويؤكد الكاتب أن نظرة المسلمين المعاصرين إلى الأديان الأخرى وأتباعها، قد تأثرت بالنزاعات السياسية والعسكرية في البلاد والمجتمعات العربية والإسلامية، وهذا يؤكد -حسب رأيه- أن هذه النظرة ليست نماذج مطلقة، وأنها قابلة للتعديل والتطوير، لافتاً إلى أن نظرة المسلمين إلى الآخر الديني لم تكن تاريخياً بمعزل عن المؤثرات والعوامل الاجتماعية والسياسية، حتى منذ زمن التنزيل، ناهيك بتلك المؤثرات التي لا تزال تعصف بالمجتمعات العربية والإسلامية، وهذا يظهر في الموقف الديني الرسمي، وكذا في الموقف الشعبوي.
الإسلام والتنوع
يقول الكاتب إن الإسلام يؤيد التنوع والتعددية في المجتمعات البشرية، ويحث على فتح الطريق أمام التعارف والتعاون والتقارب بين الشعوب والثقافات، ويستشهد الكاتب بآيات القرآن الدالة على ذلك: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ...﴾ [الحجرات: 13].
والقرآن، بحسب الكاتب، يؤكد أن الاختلافات بين البشر تمثل دافعاً للتعارف، لا مسوغاً للنزاع والصراع، والمشكلة ليست بالطبع في تعدد الثقافات وإنما في الذهنية الصراعية وما يغذّيها، فالصراع قد يحدث بين البشر في جماعة وثقافة واحدة، وأوضح مثال على ذلك ما جرى داخل الحضارة الغربية من صراع، كالحربين العالميتين الأولى والثانية، اللتين راح ضحيتهما أكثر من 60 مليون إنسان، وهو عدد ضخم لم تصل إليه أعداد ضحايا الاستعمار الغربي للبلاد الإسلامية.
وختاماً، يؤكد المؤلف في نهاية كتابه أن على الدول تحقيق الأمن الإنساني لمواطنيها، فتحميهم من البطالة والفقر والأمراض وتساعدهم على التكيف مع البيئة، فضلاً عن السماح لهم بالتعبير عن آرائهم في الحياة العامة، لافتاً إلى أن كل ذلك يحقق الأمن الإنساني، بالإضافة إلى ضرورة إبراز أهمية التكامل الثقافي المعرفي بين الناس دون إقصاء أو تهميش، وهذا التكامل الثقافي المعرفي هو الذي يصحح مسار العولمة، حسب قوله.