اغتيال العقل:

تقييد سلطة الهوية ونزع سجالية العقل

مركز حوار الثقافات

01-01-2025

في كتابه "اغتيال العقل: محنة الثقافة العربية بين التبعية والسلفية"، يركز المفكر السوري برهان غليون على كيفية تحقيق المشروع الحداثي، الذي بدأ منذ أكثر من قرن دون تقدم حتى الآن؛ ولتحقيق هذه الغاية، يبحث الكتاب عن أسباب اغتيال العقل العربي وأزمته بين الماضي والمعاصر، التي سببها تحول المشروعات الحداثية إلى أيديولوجيا تناطح الأيديولوجيا التقليدية المتمسكة بالعودة التراثية، ما فرغ العقل من قدرته على تحقيق الحداثة وقيّده بالمساجلة الفكرية بين التيارين.

يرصد الكتاب عيوب العقلية العربية الحديثة، التي تمثلت في النزوع إلى الصراع، وتحييد فئات مجتمعية وابتعادها عن المشروعات الحداثية، وحرمتها إمكانية فهم أهمية المشروعات الحداثية، الأمر الذي يستلزم إلى جوار مراجعة التراث، مراجعة الفكر الحداثي ذاته منذ نشأته حتى الآن. ويجعل المؤلف للمراجعة الحداثية أهمية وأولوية على المراجعة التراثية، حتى يمكن تخليص العقل الحداثي من السجالية التي وقع فيها، فحالت بينه وبين مشروع الحداثة.

أزمة النهضة 

يرصد الكاتب في مؤلَّفه أزمة النهضة العربية، التي أظهرها صعود الحضارة الأوروبية وهيمنتها، فحدث تراجع واضح في التراث العربي الذي وصفه بـ"نهاية المدنيات الكلاسيكية"؛ الأمر الذي أدى إلى تحلل البنية الأساسية للتراث، وأدخل المجتمعات العربية في أزمة تاريخية مادية وروحية طويلة.

يقول "غليون" إن المجتمعات العربية عاجزة عن طرح بديل للخروج من أزمتها الحضارية؛ بسبب ما وصفه بـ"النظرات المتعددة لتفسير الأزمة وتحليلها"، وهي نظرات تتسم بـ"غياب الوعي الموضوعي بأبعاد المشكلة الاجتماعية والتاريخية، وغياب الرؤية الواضحة والتصور السليم والتفسير المقنع، الذي يخلق إرادة الفعل ويفتح آفاق العمل"، وفق قوله.

ويطالب المؤلف، في كتابه، بالعمل على الأزمة التاريخية الراهنة للمجتمعات العربية، عبر بدء التفكير من جديد، ودراسة المحاولات النهضوية التي قُدمت في أكثر من قرن، لا سيما وأن المناخ مناسب لهذا العمل، فـ"المجتمع العربي يشهد أكبر مراجعة فكرية". تبرز هذه المراجعة الفكرية في وجود جرأة على طرح موضوعات جديدة، أو على العودة إلى النظر في "المسائل الكبرى" التي طُرحت في بدايات محاولات مشاريع النهضة العربية، إضافة إلى إعادة فحص مفاهيم الفكر العربي، بوصفها خطوة أولى على طريق تأسيس نفسه كفكر فاعل وإيجابي، حسب قوله.

مواقف متباينة 

يرى "غليون"، في جهوده النقدية، أن المشكلة الرئيسية في الثقافة العربية هي التناقض بين الحداثة وبين التقليد، وبين المعاصرة وبين والأصالة، التي تسببت في وجود مواقف متباينة من مسألة الحداثة، تمثّلت في:

- موقف عدائي من التراث والثقافة العربية، ينكر احتواءها على قيم التغير والتقدم، ويدعو إلى تجاوزها وإقصائها عن الواقع المجتمعي كأساس لأي عملية تحديث.

- موقف داعم للتراث والثقافة العربية، يطالب بإحيائها وتدعيم مركزيتها واستعادة نماذجها، فيجعل من التراث والثقافة العربية أساساً للنهضة.

يقول الكاتب إن أصحاب الموقفَين، رغم انطلاقهما من موقف مشترك -وإن اختلفا في المنطلق والمنهج- هو تحقيق النهضة، لكنهما دخلا في صراع انشغلوا به عن محاولات تحقيق النهضة، وقسمهما فريقين؛ الأمر الذي تسبب في شق الوعي العربي وإدخاله في صراع ذاتي داخلي، وقسم المجتمع إلى قسمين متضادين متصارعين، وفقاً لقوله.

طبيعة الصراع الذي حدث منذ محاولات النهضة الأولى في المجتمع العربي، ما زالت موجودة في الحالة الفكرية الراهنة، ما يجعلها مثل المحاولات النهضوية الأولى، غير قادرة على الخروج من آلية التضاد بين القديم والحديث، ولا تتجاوز المقارنة الشكلية بين القيم الثقافية العربية والقيم الثقافية الغربية، حسب قوله.

العقل السجالي

يصف المؤلف العقل السائد في المشاريع الحضارية، والتفاعل معها، وتسبب في انشقاق المجتمع، بأنه عقل "سجالي"، يهدف إلى تأكيد المواقف وتثبيتها، عبر حجب الحقائق وتضييع جوهرها، ما تسبب في إفراغ الممارسة الفكرية النظرية من المحتوى العلمي النقدي، حتى أصبح العقل "السجالي" عقلاً تغييبياً، وهو نفسه مظهر لأزمة الفكر العربي، وفقاً له.

يقول "غليون" إن العقل السجالي، الذي انتشر مع بدايات مشاريع النهضة العربية، واستمر حتى العصر الحالي، له عيوب رئيسية تتمثل في الاختلاط المنهجي، وانغلاق العقل داخل قضايا سابقة، والرؤية التجزيئية للظواهر التي تفشل في النظر إلى كُليتها، والتهرُّب من المسؤولية بطرق شتى، منها الدخول في صراعات أيديولوجية.

وبحسب الكاتب، تعاني الثقافة العربية من تقلص بسبب الجدل الأيديولوجي، الأمر الذي لا يجعلها ثقافة مؤهلة ذاتياً وموضوعياً لكي تكون ثقافة حضارية تستقطب الإبداعات وتساعد على الاكتشافات العقلية والتقنية، وذلك بسبب انتشار الطابع التقليدي في الثقافة الأيديولوجية، حسب "غليون".

ويؤكد بأن الصراع الدائر بين ثقافة العداء للتراث وثقافة إقصائه، تسبب في "تحويل الدين إلى أيديولوجيا معاصرة، وحوّل المعاصرة إلى أيديولوجيا دينية"؛ بينما الثقافة الحداثية يجب أن تكون راسخة ومعبّرة عن الهوية الجماعية، تتطابق صورتها مع الواقع، وتمكن الجماعة الثقافية من مسايرة النُّظم الحضارية، وتتجاوز محاولات التقلص الذي تتعرض له، حسب قوله.

التراث والحداثة

يوضح "غليون" أهمية العمل على أن تفقد الثقافة التراثية العربية قدرتها على التحكم في الواقع والمجتمعات، الأمر الذي يؤدي إلى الحداثة؛ وفي المقابل يقف الاستمرار في المباهاة بالثقافة العربية القديمة، والاعتراف بالتراث بوصفه مصدراً للاحتفاظ بالهوية، وعدم الاعتراف بالأزمة الحضارية، كل ذلك يقف عائقاً أمام الحداثة، حسب قوله.

ويُخضع الكاتب الحداثة للمعايير الاجتماعية عبر ربطه بين الحداثة والنهضة، ويميز بينهما، فيرى أن الحداثة هي "انتقال أنماط الحياة والسلوك والإنتاج الغربية دون تمييز إلى المجتمع العربي"، أما النهضة فهي التي "تُحدد أولويات هذا النقل وتصوغ استراتيجية العمل الجماعي وتختار بين الجوهر والعرَض"، الأمر الذي لن يحدث ما دامت الثقافة السائدة مسيطرة على الواقع والمجتمع بشكل كبير، حسب قوله.

ورغم مرور أكثر من قرن على مشاريع الحداثة، فإن الكاتب يرى أن انقلاباً جرى عليها، فبدلاً من تحقيقها، عادت القضايا التي طُرحت في بداية المشاريع الحداثية إلى الظهور، وما زالت تحتاج إلى إجابات عن أسئلتها التي طرحتها، وتتمثل هذه القضايا في: "التراث والإسلام والعلمانية"، و"تحديث الفكر ونقد العقل"، و"فشل المجتمعات العربية في استيعاب الحداثة"، ويُنسب للمفكرين الحداثيين دور هام في هذا الانقلاب الحداثي العربي؛ لتعاملهم الأيديولوجي مع القضايا السابقة، وفق قوله.

يقول "غليون" إن سبب فشل مشروعات الحداثة العربية هو غياب المشروعات الاجتماعية التي تسمح بالحداثة وتحميها وتضعها في الأمام، إذ: "الحداثة ليست قوة سحرية ذاتية، وقوة كل حداثة مستمدة من سياقها الاجتماعي الحضاري"، حسب قوله.

أزمة العقل

يرى المؤلف في نقده العقلية العربية الحديثة أن أسباب أزمتها تعود إلى:

- بُعد منظومة القيم الثقافية الجديدة عن المجتمع، بسبب صدورها من مفكرين بعيدين بشكل نسبي عن الشعوب التي ما زالت متمسكة بالقيم التقليدية.

- دخول النزعة العقلية إلى المجتمع العربي قبل أن تتطور وتظهر طبقة جديدة منتجة ثقافياً وحضارياً.

- استخدام بعض الفئات النخبوية العقلانية لتأييد سلطتها الاجتماعية، ما سبّب استمرار النظام الاجتماعي القديم.

- دخول الخطاب التجديدي في صراع مع القيم الثقافية الاجتماعية، التي من الممكن أن تُشكل مصدر إجماع.

الأمر الذي تسبب، وفق "غليون"، في خروج فئات كثيرة من المجتمع من الساحة الفكرية والثقافية، وحرمتها من فهم أهمية التحولات الحداثية الجديدة.

عند "غليون"، فإن تحقيق النهضة الحداثية يأتي عبر استمرار الذات وامتلاك الحضارة في الوقت نفسه؛ إذ إن النهضة "مشروع تحقيق الذاتية العربية بما هي هوية حضارية وحضارة ذاتية"، الأمر الذي يستلزم البحث عن الهوية العربية وإعادة اكتشافها مع الاندفاع نحو الحضارة وتأهيلها بما يتناسب والمجتمع العربي، حسب قوله.

أزمة مجتمعية

ويقول الكاتب إن من أهم طُرق تحقيق الحداثة هو نقد الفكر الحداثي، لتحليل المشكلات التي تثيرها الحداثة وتسبب مقاومتها والخروج عنها، حتى يمكن الخروج بنظرية حداثية يمكنها أن تتجاوز العقبات؛ ودون هذه النظرية فإنه لا يمكن تطبيق مشروع حداثة نهضوي، الأمر الذي يجعله يضع نقد الفكر الحداثي في مرتبة سابقة وهامة عن النقد التراثي، لا سيما وأنه يصف نقد التراث بـ"العملية السهلة" بالنسبة لنقد الفكر الحداثي؛ إذ إن الفاصل في حدوث التخلف "ليس استمرار تأثير التراث، إنما هو بقاء هذه الحداثة نفسها غريبة ومغربة"، حسب قوله.

يوضح الكاتب وجود أزمة مجتمعية تتمثل في التمسك بالهوية التراثية، التي فرضت سيطرتها على العالم العربي؛ الأمر الذي يستلزم فقدان هذه الهوية سيطرتها دون فقدان طبيعتها؛ الأمر الذي يستلزم إعادة النظر في مفهوم الهوية العربية حتى تتمكن من استيعاب محاولات التقدم والحداثة، مع الحفاظ على ما يُناسب المجتمعات العربية وما يُمكن الحفاظ عليه من النقاط الإيجابية التراثية الصالحة.

وختاماً، فإن أزمة الهوية التي رصدها الكتاب هي قدرتها على الاستيعاب الحضاري؛ فالعالم العربي يقف تشبُّثُه بالهوية التراثية عائقاً أمام قبول كل ما هو جديد، ويقف حائلاً دون تعدد الاختيارات ومحاولات تغيير التوجه، فلا يجب اختيار جانب بعينه دون جوانب أخرى كخيار مناسب لحل الأزمة الحضارية، بل يجب ملاحظة الجوانب الوجدانية للأزمة المتمثلة في التمسك بالهوية وتفضيل الأيديولوجيا المغيبة للعقل النقدي. 

بل إن الحل يجب أن يكون توافقياً، فأزمة الهوية ليست موجودة في التراث، بل هي أزمة "العلاقة مع التراث"؛ الأمر الذي يجب أن يُعاد فيه النظر، حتى تتسع فكرة الهوية للأفكار الجديدة والحداثية، كما يجب تحرير الذات العربية من الأيديولوجيا حتى يتحرر العقل العربي ويفقد صفته السجالية، وحتى يجد طريقه نحو النهضة الحداثية.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة