في كتابه "إصلاح الفكر الإسلامي"، الصادرة طبعته الأولى عام 1994، عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي، يحاول المفكر العراقي طه جابر العلواني تقديم تحليل لأزمة الخطاب الإسلامي المعاصر، ودوافع هذه الأزمة، وطريقة فهم عقلية التأزيم، ومحاولة حل الأزمة في إصلاح مناهج الفكر وإسلامية المعرفة.
أزمة الخطاب
يقول العلواني لم يتفق مثقفو الأمة في عصرنا على شيء، مثل اتفاقهم على أن الأمة الإسلامية في سائر شعوبها، وفي مقدمتها الشعب العربي، تعيش أزمة فكرية تتجلَّى في شكل غياب ثقافي، وتخلُّف علمي، وكسوف حضاري، وتتجسَّد في عجز الخطاب الفكري المعاصر عن إيصال مضمون الخطاب الإسلامي السليم ومحتواه، قرآناً وسُنَّةً وشريعةً وأخلاقاً، وإن اختلفوا في تحديد الأسباب ووسائل العلاج.
ويوضح العلواني في مؤلَّفه أن هذا الحس بالتأزم أدى بطبيعة الحال إلى طرح عدد من مشاريع النهوض والإصلاح على العقل المسلم، كما أعيد عرض المشروع الغربي بأساليب متنوعة.
وتابع أن هذه المشاريع تدَّعي أن التأزم إنما جاء بسبب سوء التطبيق، وليس من خطأ المنهج وضلال الفكر ذاته، كما اقترن ذلك بمحاولة التقدم بمشاريع ملفَّقة، تأخذ من المشروع الغربي محتواه، ومن المشاريع الإسلامية جملة من ألوانها وبعض ثيابها، وقد اهتمت معظم المشاريع المعروضة بالنهوض بعالم الأشياء، ولم تُعطِ عالم الأفكار القدر الذي يستحقه، مما أفقدها التخطيط المطلوب والنظرة الموضوعية، والقدرة على التقويم المستمر.
ويشرح العلواني أن الخطاب، الذي انبثق عن المشروع الإسلامي، قد انصرف في جزء كبير منه إلى الكفاح والتعبئة بحكم ظروف الصراع بين الأمة وأعدائها، الناتج عن احتلال أكثر ديار المسلمين في القرنين الماضيين، ما أدى إلى الانشغال بحماية الأمة وتوجيه طاقاتها نحو قضيتين أساسيتين؛ حفظ العقيدة من ناحية، وتعبئة الأمة للمواجهة السياسية والعسكرية من ناحية أخرى، ولم يُعطِ الخطاب الإسلامي الأزمة الفكرية ما تستحق من الدراسة والتحليل، إضافة إلى الخلط بين العقيدة والفكر، والاعتقاد بأن المعرفة لا دين لها، وعالمية الثقافة الغربية المعاصرة.
ويرى العلواني أن أمراض الأمة المختلفة، من غياب الرؤية الواضحة، وانعدام الأصالة الثقافية، واضطراب المفاهيم، وازدواجية التعليم، وانهيار الأنظمة والمؤسسات، سببها اضطراب البناء الفكري للأمة، وجمود الحركة المعرفية داخل هذا البناء، والعجز عن التجديد.
عقلية التأزيم
يقول العلواني، في "إصلاح الفكر الإسلامي"، إن جمْع السُّنة النبوية المطهرة وتدوينها ووضع قواعد علوم الحديث مفخرةٌ من مفاخر هذه الأمة ولا شك، ولكن ما حدث بعد ذلك في عصور الانحطاط أنه قد ساد جدل في الشكليات والحرفيات المتعلقة بتلك الجهود، أسهم في تغييب المقاصد، وتفاقمت ظاهرة التناصر للمذاهب، وتجاوز مصالح المجتمع، وتعزيز نزاعات التقليد، ومحاربة محاولات الاجتهاد الضرورية، وطار كل مذهب بأجزاء من السُّنة يعتمدها لموافقتها ما يذهب إليه، وتجاوز غيرها من السُّنن، وإهمال الكتاب.
ويوضح أن الجهود لو سارت متوازية متعاضدة بين أهل الفقه والفهم، وبين أهل الرواية، لأعطت تلك الجهود المشتركة الثمار المرجوة منها، ولم تفترق كلمة الأمة حول السُّنة.
تأزيم آخر يتحدث عنه العلواني، حدث عن طريق توهُّم الدفاع عن العقيدة، وبتشجيع من السلطة السياسية؛ حيث كانت تُعقد المناظرات بين العلماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم، كما كانت تُعقد المناظرات الفقهية للأغراض نفسها، وقد تطرّق المتناظرون إلى قضايا، لم يكن لهم وفق مقاصد الإسلام وغاياته التعرض لها، وشقَّقوا منها تفريعات وجدلاً لا غاية منه إلا الجدال والمغالبة والتناحر والفرقة.
ويؤكد العلواني أنه إلى عهد قريب كان الخطاب المتعلق بإصلاح مناهج الفكر الإسلامي يقابَل باستنكار شديد، أو يُعامَل بغفلة تامة تتناسى وجوده، رغبة في إدخاله دهاليز التآكل والنسيان، إما لجهل بمحتواه، أو عن ضعف إدراك لمضمونه، أو عمى عن أهدافه وغاياته، أو تربص بأصواته ومنابره، أو مكر به وبالمستجيبين له.
ويشرح أن الشخصية المسلمة اليوم قد افتقدت كثيراً من منهجيتها وصوابها، فأصبح موقعها خارج السياق التاريخي والواقع المشهود والمستقبل المنشود، بسبب العجز عن حسن التعامل مع منظومة القيم الإسلامية، وتسخيرها الإنتاج الفكري الرابط بينها وبين أهدافها؛ وأنه حتى يواصل خطاب الفكر الإسلامي المعاصر صموده المتنامي، عليه أن يجعل من قضية إصلاح مناهج الفكر وإسلامية المعرفة قضيته الرئيسية.
مشروع إصلاحي
يقول العلواني، في كتابه، إن أساس المشروع ومصدره المنشئ الكتاب الكريم، والسُّنة مصدره المبين، ولقد نبّه القرآن الكريم على كثير من أخطاء الفكر وهفوات المنطق، كما نبَّه رسول الله عليه الصلاة والسلام واشتد إنكاره للخلط بين أمرين، أمر الغيب الذي اختص الخالق به نفسه، وأمر الشهادة والغيب الموجه نحونا، والمتكشَّف عبر اختلاف العصور والإمكانات المعرفية.
ويوضح أنه في إطار التوعية بأهمية توسيع دائرة المباح لتمكين الإنسان من العمل والاجتهاد، يمكن فهم نهي رسول الله عن كثرة السؤال وتحذيره من التنطع والقيل والقال، باعتبارها من الأمور المؤدية إلى الاختلاف والتضييق على تقديم الآراء ودوائر المباح.
ويشرح بأن المشروع "تجديد لفكر الحركة وتنشيط لحركة الفكر"، وأن المبادئ العامة هي: التوحيد، ووحدة الخلق، ووحدة الحقيقة، ووحدة الحياة والإنسانية، وتكامل الوحي والعقل، وشمولية المنهج والوسائل؛ إذ لا تعارض ولا تفاوت بين حقائق الوحي، وحقائق الواقع واستخلاف الإنسان في الأرض.
وإن الهدف هو إيجاد العقل المسلم المستنير، القادر على ممارسة دوره في الاجتهاد والتجديد والعمران الإنساني، وذلك عن طريق إعادة قراءة تراثنا الإسلامي وفهمه، وقراءته قراءة نقدية تحليلية معرفية، تُخرجنا من الدوائر الثلاث التي تحكم أساليب تعاملنا مع تراثنا؛ دائرة الرفض المطلق، ودائرة القبول المطلق، ودائرة التلفيق الانتقائي العشوائي، ثم بناء منهج للتعامل مع التراث الإنساني المعاصر.
ويحدد العلواني أن "إسلامية المعرفة" مستمدة من مصدري المعرفة، الوحي والكون معاً؛ والجمع بين القراءتين، قراءة الوحي وقراءة الوجود، ما يجعل من المعارف كلها معارف محترمة، أنعم الله بها على الإنسان، ولا يجب أن تحوّل هذه المعارف إلى ثنائيات متصارعة، فأسلمة المعرفة لا تنشغل بإثارة الخلاف في مباحث علمية معينة، ولكنها تحاول أن تستوعب المعارف كلها بصياغة منهجية معرفية، تتناول بها المعارف والقوانين ومناهج البحث، تناولاً معرفياً صادراً عن منهجية القراءة الجامعة.
ويوضح أننا نحتاج إلى دراسة، أو عدة دراسات، تشكِّل خطاباً يصل إلى أفراد الأمة كافة، من خلال ثلاثة أمور:
- إثارة اهتمام مثقفي الأمة به.
- تربية وإعداد كوادر كفؤة قادرة على الإنجاز فيه.
- تقديم مادة معرفية ثقافية تستطيع الأمة أن تتناولها من خلال الوسائل التعليمية والإعلامية المقروءة والسمعية والبصرية.
وختاماً، فإن إصلاح مناهج الفكر وإسلامية المعرفة، حسب طه جابر العلواني، خطاب إلى الأمة لا يغفل أسس العقيدة وقواعدها، بل ينظر إليها على أنها القاعدة الفكرية، والأصل الذي يقوم عليه عالم الأفكار كله؛ فالوحي مصدر للمعرفة والثقافة والحضارة، ومن العقيدة ننطلق في تصورنا للوجود ووظائفه وعلاقاته وطبيعة حضارته وعمرانه، وهي الأصل الذي تجتمع عليه الأمة فيوجِد هويتها وتوجهاتها، وينمّي وعيها بكل عناصره ومستوياته، سواء كان وعيها الذاتي، أم وعيها بالغير، أم وعيها بالموقف؛ كما أنها تعني، وتمثِّل بالضرورة، القدرات والإنجازات العلمية والحضارية، بعد أن تمحّصها وتزنها بميزان الإسلام وشمولية قيمه وتوجيهاته وغاياته، في سبيل تكوين عقلية علمية منهجية تستثمر الإمكانات ومعطيات الوحي وقدرة العقل في سدّ حاجة الأمة.