في كتابها "إسلام المصلحين"، الذي صدر ضمن سلسلة "إسلام واحد ومتعدد"، التي أشرف عليها المفكر التونسي عبد المجيد الشرفي، تُعيد الباحثة التونسية جيهان عامر قراءة مشروعات الإصلاح الديني في العالم العربي، التي تزامنت مع الصدمة الحضارية التي سببها الاستعمار، في الفترة التي وصفتها بأنها "بدايات عصر النهضة العربي"، وتسعى إلى تفكيك الخطاب الإصلاحي الذي تميز فيه بين الإصلاح كفكرة، أو الإصلاح كمشروع، وترى فروقاً كبيرة بين "الخطاب الإصلاحي" وبين واقعه؛ وهو الأمر الذي تكشف عبر ممارسة النقد الداخلي للأفكار والمشروعات الإصلاحية.
وتركز الكاتبة على تحليل الظروف التي صاحبت، أو سبقت، الأفكار والمشروعات الإصلاحية، وترصد الظروف الاجتماعية والفكرية والسياسية السائدة آنذاك، مثل تراجع سلطة النظام العثماني وتفككه، وتصاعد الاستعمار الغربي وانتشاره في العالم العربي، وظهور حالة من الانبهار بالمظاهر الحضارية والعلمية الغربية، وهي الخلفية التي ظهرت فيها الأفكار والمشروعات الإصلاحية في ذلك العهد.
عبده والأفغاني
توضح عامر أن المشروعات والأفكار الإصلاحية في بدايات، وفي أثناء، عصر النهضة العربي، انشغلت بالأزمة الحضارية التي يعاني منها العالم العربي؛ إذ عانى من تأخره حضارياً بينما تقدمت الحضارة الغربية وحققت حداثتها، كما أن المشروعات الإصلاحية كان لها هدف مشترك وهو المواءمة بين الإسلام والحداثة ومفاهيمها دون تجاهل أي من الأصول الإسلامية، الأمر الذي أوقع عديداً منهم في تناقضات فكرية ومنهجية بسبب الحفاظ على المرجعية الإسلامية التقليدية وبين الحداثة ومناهجها العقلية.
وترى الكاتبة أن جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده مفكران رائدان في النهضة والإصلاح الديني في العالم الإسلامي، لا سيما جمال الدين الأفغاني الذي يُعد أحد أهم رموز الإصلاح الحديث الذي أثر في خطاب النهضة والإصلاح الديني؛ وفي الوقت نفسه، فهو شخصية جدلية تتسم بضبابية الشخصية وغموضها، لا سيما في المواقف السياسية؛ كما أنه لم يترك إرثاً فكرياً مكتوباً، بل إن معظم أفكاره كانت شفاهة في بعض خطبه أو مقالاته، أو كردود فعل على مواقف بعينها، وتمثلت في أن إمكانية تحقيق النهضة الإسلامية عبر العقل والعلم، وأن الإسلام لا يتناقض مع العلوم الحديثة، ودعا إلى الاجتهاد الفكري لتجاوز التبعية الفكرية والسياسية، كما كان رافضاً للتقليد والجمود، وانتقد نزوع الحضارة الغربية للمادية.
ثم تنتقل عامر إلى محمد عبده، الذي تصفه بأنه الرائد الثاني في حركة الإصلاح الديني الإسلامية، كما أنه يتصف بأنه "تلميذ الأفغاني"، وترى أنه رغم تأثره بجمال الدين الأفغاني، فإنه سلك اتجاهاً مختلفاً في مشروعه الإصلاحي؛ إذ ركز على الإصلاح الديني والمجتمعي والتربوي، على عكس الأفغاني الذي كان يركز على المواجهة السياسية.
مشروع فكري
وترى أن المشروع الفكري عند عبده ارتكز على ثلاث قضايا، هي:
- تحرير العقل المسلم: بالعودة إلى روح الإسلام ورفض التقليد، إضافة إلى قراءة النصوص الدينية قراءة عقلانية، واستخدام المنهج العقلي في إيجاد تفسير جديد للعقيدة الإسلامية.
- إصلاح التعليم: إذ يرى عبده أن إصلاح التعليم قادر على تحقيق النهضة، كما أن أي إصلاح ديني لا يمكن حدوثه إلا عبر إصلاح التعليم وإضافة العلوم الحديثة، لا سيما في التعليم الديني، لإحداث توازن بين العلوم الدينية والعلوم الحديثة.
- الحوار الحضاري: على عكس الأفغاني، الذي كان يتخذ موقفاً صدامياً مع الغرب، رأى عبده إمكانية الحوار مع الغرب والاستفادة من التقدم العلمي والأدوات المعرفية، دون تبني القيم الثقافية والاجتماعية الغربية التي تتعارض مع القيم الدينية الإسلامية.
تقول الكاتبة إن عبده رأى أن الإسلام دين عقلاني لا يتعارض مع الحداثة، وأن المشكلة التي يعاني منها العالم الإسلامي سببها الفهم الخاطئ والجامد للنصوص الدينية، كما أكد أن التخلف سببه التقليد الأعمى وتعطيل العقل، رافضاً الرأي السائد آنذاك بأن مؤامرات خارجية سبب تراجع العالم الإسلامي.
كما أنه كان قد تبنى وجهة نظر فريدة ظهر تأثيرها واضحاً بعد ذلك عند الشيخ الأزهري علي عبد الرازق، صاحب المؤلف الشهير "الإسلام وأصول الحكم"، ركز فيها على إمكانية إصلاح المجتمعات العربية ضمن الدول القُطرية وحدودها دون وجود خلافة جامعة، عكس ما كان سائداً آنذاك.
وتنتقل عامر إلى تجربة إصلاحية تتمثل في مجلة "العروة الوثقى"، التي جاءت نتاجاً مشتركاً بين جمال الأفغاني ومحمد عبده، عام 1884م، وهدفت إلى الإصلاح ونشر الوعي وتجديد الخطاب الديني، إضافة إلى الدعوة للتحرر من الاستعمار؛ إلا أنها تنتقدها بأنها، رغم أهدافها، لم تعتمد على مشروع فكري وعمل مؤسسي واقتصرت على الشعارات والخطابات الحماسية، حسب قولها.
رضا والكواكبي
وتقدم الكاتبة لعبد الرحمن الكواكبي وخطابه النهوضي، الذي ارتكز على العلاقة بين الدين والسلطة، وركز على الاستبداد السياسي آنذاك باعتباره أساس كل فساد، ومارس النقد العقلي في مسار إصلاحي يبحث في طبيعة العلاقة بين الدين والسلطة السياسية آنذاك، وركز على إصلاح السلطة السياسية أكثر من تقديم خطاب إصلاحي ديني.
ثم تنتقل إلى محمد رشيد رضا الذي تتلمذ على يد محمد عبده وانقلب على نزعة محمد عبده الإصلاحية والعقلية، وتراجع عنها ليتبنَّى الفكر السلفي ويصبح أحد رواده في العالم الإسلامي، ما اعتبرته ردة على عقلانية "عبده".
وتصف المؤلفة الشيخ الأزهري علي عبد الرازق، بأنه كان أول ممثل حقيقي للتيار الليبرالي في الفكر الإصلاحي؛ إذ دعا إلى فصل الدين عن السياسة بشكل واضح في مؤلَّفه الرئيس الذي اعتبر فيه أن الخلافة الإسلامية مؤسسة بشرية غير دينية لا علاقة لها بالإسلام، ما أثار ضجة ومعارك شديدة وصلت إلى حد فصله من الأزهر وتكفيره من البعض.
أيضاً، تبحث عامر في قضية المرأة في خطاب الإصلاح الديني لدى المفكرين الإصلاحيين؛ وترى أنه رغم دفاع الخطاب الإصلاحي عن المرأة وحقوقها، فإن هذا الدفاع لم يتجاوز ما فرضه الفكر التقليدي من قيود على المرأة، وكان دفاع الفكر الإصلاحي وخطابه عن المرأة دفاعاً مشروطاً، "لم يخرج عن السيطرة الأبوية ولم يتمكن من تجاوزها أو يسعى لذلك"، حسب قولها.
تطور ليبرالي
يتناول الكتاب التطور الذي حدث في الحركة الإصلاحية في القرن العشرين، عبر رصدها التيار الليبرالي، الذي انقسم إلى:
- الليبرالية العلمانية: التي دعت إلى الفصل الكامل بين الدين والسياسة، أو بين الدين والدولة.
- الليبرالية الإسلامية: التي حاولت التوفيق بين المفاهيم الليبرالية وبين المبادئ الإسلامية.
وتقول الكاتبة إن التيار الليبرالي، بشقيه، اشترك في سمات واضحة، مثل حرية الرأي والتعبير وإعادة قراءة النصوص الدينية والتراث قراءة عقلية نقدية، وتأكيد مدنية الدولة.
وختاماً، تؤكد الباحثة التونسية جيهان عامر أن مشروعات النهضة والإصلاح في العالم العربي، منذ القرن التاسع عشر وحتى الآن لم تكتمل، رغم ما قدمته من أفكار واجتهادات إصلاحية، كما أن التناقضات الفكرية والمعوقات أمام مشروع النهضة ما زالت قائمة، كما تؤكد أن النهضة العربية حتى تتحقق يجب أن يحدث تجاوز للثنائيات المتناقضة، مثل التراث ضد الحداثة، والنقل ضد العقل، والدين ضد الدولة، كما يجب إعداد مشروع إصلاحي قادر على استيعاب التعدد والاختلاف يدمج بين الأصالة والتحديث، ويتمتع بنقد عقلي دائم ومستمر ومصحح لمساره.