"تحقيق الأخوَّة الإنسانية".. هذا هو الهدف الأسمى لكتاب المفكر السوري محمد حبش (1962م)، "إخاء الأديان"، وكذا الوصول إلى فكرة الإخاء الإنسانية بوصفها فكرة عالمية تُحقق الأخوة الإنسانية حتى بين اللا دينيين، من حيث إنهم جزء من النسيج الإنساني العالمي.
يحاول "حبش" في كتابه أن يتجاوز الشقاق اللاهوتي بين الأديان، لا سيما في ما يخص اعتقاد كل أصحاب دين أنهم أفضل من غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى، ليركز على الحالة الاجتماعية للشعوب، لا سيما أنها، رغم خطاب بعض رجال الدين والكهنة الرافض لإخاء الأديان والداعي بشدة لتمايز الأديان ومضادتها بعضها بعضاً، تختلف مع هذا الخطاب الرافض لإخاء الأديان.
رؤى متناقضة
يذهب حبش إلى أنه رغم القبول النفسي للإخاء الديني، فإنه قد يثير مشاعر متناقضة لدى بعض المتدينين، لا سيما بسبب بعض النصوص "القطعية" في معظم الديانات، التي تعتبر الخلاص من شأن الديانة الناجية وحدها -التي يعتبرها كل صاحب ديانة هي ديانته- ومسؤولية أبناء الديانة هي دعوة أصحاب الديانات الأخرى للتخلي عن معتقداتهم والدخول في الديانة الحق حسب كل صاحب ديانة، وفق قوله.
يقول الكاتب إن المجتمعات الإنسانية عامة، ومنها غالبية الدول الإسلامية، تمارس قدراً كبيراً من الإخاء الديني في إطار المعاملات والتواصل الاجتماعي، وبشكل خاص في الدول الديمقراطية التي تفرض قوانينها سلوكيات تؤكد على قبول الآخر واحترامه ومودته؛ لكن ذلك يرتد عند الدخول في حوارات عقيمة حول النصوص التي تُشيطن الآخر.
ويوضح حبش أن الإنسان وعبر قرون عديدة طويلة مضت، نظر بعين الريبة والحذر لأخيه الإنسان يبادله اتهاماً بعد آخر، وأصبحت قصة قابيل وهابيل مصدر إلهام رئيس لهذا الصراع الأبدي على الأرض، فوجدت الحروب المدمرة تبريراً أخلاقياً لها، الأمر الذي انعكس سلباً على أتباع الأديان وحوارهم الذي بدأ تشكيكاً وتسخيفاً، ثم تحول إلى تحقير ولعن وتكفير، أنتج حروباً ضارية، حسب قوله.
ويؤكد الكاتب أنه لا يسعى إلى أي قطيعة معرفية أو مجتمعية أو أخلاقية مع اللا دينيين، بل إنه يهدف من الكتاب إلى الإخاء الإنساني عامة، وغايته الإنسان وليس الأديان فقط، والتركيز على إخاء الأديان لسببين: الأول، أن الأديان تُشكل الوعي الجمعي للغالبية العظمى لسكان العالم، وهي المسؤولة عن نشر المحبة ومواجهة الكراهية وخطاباتها؛ والآخر، نشوء ثقافة الكراهية، تلك التي تنشأ غالباً من مجتمعات الأديان، وتؤسس على بنيان ديني، الأمر الذي يستلزم مواجهة هذه "الثقافة الدينية" عبر النظر والاهتداء بالأنبياء، وإظهار الجانب الإنساني الإيجابي في الأديان وتأكيده.
تعريفات الأديان
يُشير حبش إلى أن الأديان قد صاحبت الإنسان منذ نشأته الأولى وبداية تاريخ وجوده، لأنها فطرة إنسانية؛ ويقدم للدين تعريفات ثلاثة:
- التعريف اللاهوتي: الذي يرى أن الدين اعتقاد وسلوك يقوم على الإيمان بوحي من الغيب، يعتقد المؤمن بصوابه وبطلان غيره.
- التعريف الفلسفي: الذي يرى في الدين تفسيراً للطبيعة والماضي والمستقبل، عبر رؤية تستند إلى "المُطلق" وتتسامى على معايير العقول.
- التعريف الاجتماعي: الذي يرى أن الدين هو كيان اجتماعي، يستند إلى توجيه غيبي ويستند إلى انتماء وممارسة طقوس.
يقول الكاتب إن الدين هو أقوى غرائز المجتمع، وحاضر بقوة في كل المجتمعات، والأديان تسجل حضوراً جديداً وتطرح أساليب إيمانية جديدة كل يوم.
ويجتهد حبش في تقديم تعريفات وافية للمصطلحات التي تُستخدم في الحوار بين أتباع الأديان، أو بشكل عام، ومنها:
- صراع الأديان: الذي يتمثل في نظر أصحاب كل ديانة إلى النصوص التي تميز دينهم من غيرهم، وتجعل له الأفضلية على باقي الديانات الأخرى؛ الأمر الذي يؤدي إلى صراع وتصادم، تعيش عليه وتستغله الحركات الأصولية في جميع الأديان دون استثناء.
- حرب الأديان: ينسب الكاتب هذا المصطلح للمستشرق برنارد لويس، ويتمثل في ظهور نزعة تتنامى بشكل مستمر في "منعطفات الصراع والمواجهة وتغذيها العنصرية والتطرف".
- مقارنة الأديان: تتمثل في الجهد العلمي للتعريف بعدد من الأديان ضمن سياق فكري واحد، والنظر في تفضيل بعضها على بعض.
- حوار الأديان: وهو تبادل المعرفة عن الديانات المختلفة، لكنْ له بُعد تبشيري عند الكاتب؛ إذ يرى أن كل صاحب ديانة يحاول إظهار أجود ما في دينه، وينتقص من الأديان الأخرى.
- وحدة الأديان: وهو مصطلح اشتقه أصحابه ليحاولوا إثبات الأصل الواحد للأديان، التي تعود في أصولها إلى المصدر نفسه، فيبحثون عن المشترك بين الأديان لتأسيس قيم مشتركة وفضائل موحدة.
- توحيد الأديان: وهو جهد يهدف أصحابه إلى استخراج دين جديد يضم جميع الأديان ويتقبل أحسن ما بها.
- إخاء الأديان: يوضح الكاتب أنه اشتق المصطلح لبناء ما وصفه بأنه أجود علاقات الأخوة والمحبة بين أتباع الأديان، يتضمن الاعتراف بالأديان كلها لتأسيس السعادة الإنسانية عبر جهود نبيلة وعظيمة، سواء كان مصدر هذه الأديان أرضياً أو سماوياً، حسب قوله.
إبراهيم والديانات
يوضح حبش أن الإخاء الديني مسألة مُلحة في جميع الأديان، مؤكداً على احترام الإسلام للديانات الأخرى ومؤسسيها مثل عيسى وموسى وإبراهيم، عليهم السلام، الذي يمثل رمزاً للديانات الثلاث، الإسلام والمسيحية واليهودية.
ويحاول الكاتب توضيح الشبه بين إبراهيم وباقي رموز الديانات الأخرى، في إشارة منه إلى أنه مصدر هذه الأديان؛ إذ يرى أن الديانات الصابئة واليارسانية والبهائية تقول صراحة إنها تنتمي لإبراهيم، كما يوجد تشابه بين براهما مؤسس الهندوسية الذي لا يوجد اتفاق عليه، لكن اسمه مرتبط باسم النبي إبراهيم، كما يوجد تشابه واضح بين زرادشت مؤسس الزرادشتية وبين إبراهيم، لا سيما في تشابه القصتين من تعرضهما إلى مقاطعة أسرية ومحاربة أسرة كل منهما له، وإلقائهما في النار دون أن تؤذي النار أحداً منهما، حسب قوله.
يقول الكاتب إن التركيز على دور إبراهيم المحوري لا يعني افتراض ديانة إبراهيمية، ولكن بهدف إيجاد رغبة في إيجاد بناء إنساني مشترك بين الأديان تتشابه في المقاصد والغايات والوسائل، وفقاً لقوله.
القرآن والسنة
يستند الكاتب في تعزيز مصطلح "إخاء الأديان" في الإسلام إلى الاستناد إلى عديد من الآيات القرآنية، مثل الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 46].
ثم يستند إلى عديد من الأدلة على وجوب الإخاء الديني من السنة النبوية؛ مثل توجه النبي بالصلاة إلى بيت المقدس، قبل تحولها إلى المسجد الحرام بمكة، ما يؤكد المؤاخاة بين الإسلام وأهل الكتاب والتقارب في عبادة الله، ومثل حديث "نحن معاشر الأنبياء أبناء علات، أبونا واحد وأمهاتنا شتى"، وغيرها من الأسانيد. ويدرج حبش مبادئ عقلية يرى أنها مؤيدة بنصوص الوحي، وهي مبادئ "الفطرة، والفترة، والعدل الإلهي، ورسالة آدم عليه السلام، ومبدأ عيال الله"، حسب قوله.
ويشير حبش إلى أن خطاب "إخاء الأديان" لا يستهدف رجال الدين والكهنة دون غيرهم؛ بل يستهدف، عبر البحث في أدبيات الأديان، الوصول إلى خطاب التسامح والإخاء والمحبة، للوصول إلى الشعوب العريضة، لا سيما أن بعض رجال الدين والكهنة يحملون خطاباً مضاداً ومغايراً للإخاء الديني، لكنه رغم احترام الشعوب لهم فإن السواد الأعظم من الشعوب يختلف معهم ويحمل فكراً نقدياً ضد مقولاتهم.
وختاماً، فإنه من الهام، كما يقول حبش، مواجهة الخطاب الديني الذي يعترض على إخاء الأديان، لا سيما أن معظم رجال الدين -في جميع الأديان- الذين يعترضون على إخاء الأديان يعتقدون بأهمية الالتزام الحرفي بالأقوال والتفسيرات والأفهام التي فهمها السابقون عليهم للنصوص الدينية وتأويلاتها، فتعاملوا معها بشكل جامد غير عقلي لا يعترف بحقيقة الواقع، وتجاهلوا وجود فرق بين التدين وبين الدين وأصوله التي تمثل القيم العليا والسامية في كل الأديان.