أوهام النخبة:

تفكيك أسطورة المثقف في العالم العربي

مركز حوار الثقافات

02-09-2025

في كتابه "أوهام النخبة أو نقد المثقف"، يحاول المفكر اللبناني علي حرب (1941م)، نقد دور المثقفين والنخب الفكرية في العالم العربي، وكشف الأوهام التي تحيط بهم؛ فيما يسعى إلى تحليل دور المثقف وتأثيره في المجتمع، ويوضح من خلاله وجود حاجة ماسة وملحة إلى سياسة فكرية جديدة، تتجاوز الأُطر الفكرية التقليدية، وتسعى إلى نقد وتفكيك المفاهيم السائدة حول المثقف والنُخب العربية، لإعادة تقييم أدوارهم في السياق العربي الثقافي والاجتماعي.

دور المثقف

يؤكد حرب أهمية تبني سياسة فكرية جديدة تتجاوز الأطر التقليدية التي اعتمد عليها المثقفون، ويرفض "النهج القديم الذي يعتمد على أيديولوجيات جامدة"، ويدعو إلى فكر مرن يتفاعل مع الواقع المتغير، لأن التغيير في الفكر ضرورة لمواكبة التحديات المعاصرة. ويدعو إلى ممارسة التجديد المستمر والنقد الذاتي، مُشدداً على أهمية النقد كأداة للتغيير والتطوير؛ وأن النقد لا يجب أن يكون هجوماً عشوائياً، بل عملية بناءة تهدف إلى تصحيح المسارات الفكرية وتحسين الواقع. كما يؤكد على ضرورة أن يكون النقد منهجياً وموضوعياً، بعيداً عن الشخصنة، ليكون فعالاً في تحقيق أهدافه.

يقول الكاتب، إنه من الضرورة الانتباه لأهمية النقد العلمي، الذي يعتمد على التحليل بدلاً من الانفعال، خصوصاً وأن النقد العلمي يُمثل "عملية حيوية لتطوير الفكر والمجتمع"، ما يُسهم في تفكيك الأوهام وتصحيح الأخطاء.

وينتقد المؤلف المثقفين في المجتمعات العربية، ويتهمهم بالانفصال عن الواقع الاجتماعي وارتكانهم إلى "أبراج عاجية" يعيشون فيها فكرياً؛ ويرفض اعتمادهم على النظريات الغربية، واستنساخها في المجتمعات العربية دون تهيئتها للسياق المحلي، لأن ما يصلح للغرب قد لا يصلح للعالم العربي، لاختلاف طبيعة المجتمع وتكوينه الفكري والنفسي والاجتماعي. ويرى أن المثقفين العرب لا يمارسون دوراً فعالاً في المجتمعات العربية، ولا يتمكنون من مواجهة التحديات الاجتماعية المعاصرة وكذلك التحديات الثقافية والفكرية. 

لذلك يطالب بشدة بأهمية إعادة تعريف دور المثقف في المجتمعات العربية والعالم العربي، حتى يصبح أكثر فاعلية وارتباطاً بالمجتمعات العربية؛ فالمثقفون العرب –وفقاً له- لديهم تناقض بين "الفكر النظري" و"الممارسة الفكرية" التطبيقية، وانعزال المثقفين والنخب الفكرية يضعف قدرتهم على تقديم حلول عملية. ويشدد على أن استيراد الأفكار من العالم الغربي لتطبيقها في المجتمعات العربية دون تعديل، يعكس افتقاراً للإبداع الفكري، ويدعو إلى فكر متجذر في الواقع المحلي يعكس رؤية عملية لتفعيل دور المثقف والنخب العربية.

أوهام النُّخب

يتناول حرب ما يصفه بـ"الأوهام التي تعيشها النُّخب الفكرية"، ويضرب مثلاً لها اعتقاد المثقفين والنخب الفكرية "امتلاك الحقيقة المطلقة وقدرتها الفريدة على قيادة المجتمع"، ويرفض هذا الأمر ويصفه بأنه "توهم"، مُطالباً النخب الفكرية بالاعتراف بالتعددية الفكرية والخلاف، وانتهاج الحوار كأُسس فكرية سليمة؛ وضرورة "التواضع الفكري"، حيث يرى أن هناك "فجوة بين ادعاءات النخب الفكرية والمثقفين، وبين واقعها". ويؤكد أن اعتقاد النخب الفكرية والمثقفين بالسيطرة الفكرية يؤدي إلى إعاقة التقدم، ويوقف عملية التجديد والاستجابة للتحديات العصرية. 

كما يشدد على ضرورة أن يلتزم المثقفون والنخب الفكرية نهجاً يقبل التنوع ويتجنب التعصب، ساعياً بذلك إلى تقديم "رؤية نقدية تهدف إلى تحرير الفكر العربي ونخبه الفكريه ومثقفيه، من الادعاءات المبالغ فيها"، التي تؤدي إلى نتيجة عكسية غير النتيجة المرجوة من المثقفين العرب والنخب الفكرية العربية.

وينتقد الكاتب مفهوم الإنسان التقدمي كصفة يصف بها المثقفون والنخب الفكرية أنفسهم؛ ويُعرِّف "التقدمي" بأنه مفهوم يعكس الاعتقاد بأن الإنسان يسير في مسار خطِّي ومستمر نحو التحسن، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي؛ ووفقاً لهذا المفهوم فإن الإنسان التقدمي كائن قادر على التطور بفضل العلم والتكنولوجيا والتنوير، ما يؤدي إلى بناء مجتمع أكثر عدالة وحرية، وهو مفهوم يرتبط بالنخب الفكرية التي ترى نفسها "قائدة للتقدم وحاملة لمشعل التغيير الاجتماعي"، ويصف مفهوم الإنسان التقدمي بأنه "أسطورة مبنية على رؤية مثالية وغير واقعية". 

ويرفض حرب فكرة التقدم الخطِّي –ويعني به استمرار التقدم بشكل ثابت ومستمر في اتجاه الأمام- فلا يعني التقدم في مجال التقدم في مجالات أخرى، مثلما أن التقدم التكنولوجي لا يعني التقدم الأخلاقي أو تقدم العلاقات الاجتماعية. كما أنه يرى أن مفهوم "الإنسان التقدمي" يتجاهل الانتكاسات والتحديات التي تواجه البشر، ويرفض بشدة ما يؤدي إلى استخدام المفهوم في تبرير شعور النخب الفكرية بالتفوق، ومحاولة من المثقفين لفرض الهيمنة على الخطاب العام، ما يؤدي إلى انفصال النخب الفكرية والمثقفين عن الواقع المجتمعي والجماهيري.

تفكيك الأسطورة

ينادي حرب بأهمية تفكيك "أسطورة الإنسان التقدمي"، وذلك حتى يمكن فهم الطبيعة البشرية بشكل أكثر واقعية، خصوصاً فهم "القدرة البشرية على التقدم والتراجع"، ما يؤسس لرؤية نقدية فكرية تعترف بتعقيدات الواقع، وتسعى لحلول عملية بدلاً من التمسك بأوهام التقدم المثالي؛ لا سيما أن مفهوم "الإنسان التقدمي" يعكس أوهام النخب أكثر مما يعبر عن حقيقة الإنسان والمجتمع؛ فالتقدم لا يسير في شكل خطِّي أو خطى ثابتة إلى الإمام، إنما من السهل أن يحدث تراجع، ما يجعله يشدد على أهمية إعادة تقييم هذا المفهوم، لأنه تحول إلى حائل وعائق يُكرس عزلة المثقف والنخب الفكرية عن المجتمع والجماهير.

ويشدد المؤلف على ضرورة إعادة تقييم دور المثقف في المجتمع العربي، ويجتهد في تحليل ونقد التصورات التقليدية لهذا الدور، مُطالباً المثقفين والنخب الفكرية بنموذج جديد يجعلهم أكثر فاعلية وتأثيراً في المجتمع، وفي مواجهة التحديات الفكرية والاجتماعية المعاصرة. وينادي بأن يكون المثقف "وسيطاً فاعلاً" يربط بين الفكر النظري والتطبيق العملي، ويكون حلقة وصل بينهما؛ حتى يصبح المثقف قادراً على "ترجمة المعرفة إلى أفعال تخدم المجتمع". 

ويدعو إلى ربط المثقف بالمجتمع الذي يعيش فيه، وبأن يكون جزءاً منه بدلاً من الوجود في هامشه، وبأن يكون على دراية كاملة باحتياجات الناس والمجتمع والتحديات التي تواجههم؛ فالارتباط بالمجتمع والجماهير يُمكِّن المثقف من تقديم حلول عملية تناسب السياق المحلي المجتمعي.

جسر الأفكار

يدعو حرب المثقفين والنُّخب العربية إلى تجاوز دور "المثقف المنعزل"، ويطالب بالتحول إلى "الوسيط الفاعل"، لأنه يرى أن الفكر يجب أن يكون في خدمة المجتمع ويجب أن يكون "مهنة من أجل المجتمع". وفي رأيه، يجب على المثقف التخلي عن انعزاله المجتمعي والفكري، حتى يصبح جزءاً من الواقع؛ فالانعزال يضعف تأثير المثقف وتأثير الفكر، ويجب أن يتجاوز المثقف دوره في دراسة الأفكار وإنتاجها، إلى أن يصبح "جسراً بين الأفكار والمجتمع". 

كما يؤكد على أهمية النظر في منطق الفكر وتصنيفاته، ويطالب بأن يكون الفكر العربي مرناً قابلاً للتطور، ويرفض التصنيفات الفكرية الثابتة التي تقف عائقاً أمام التحديات الفكرية والاجتماعية والثقافية المختلفة، وهي تصنيفات تتحول إلى أيديولوجيات، يجب تجاوزها عبر ممارسة التفكير النقدي المزدوج للفكر وإنتاجاته الفكرية والمعرفية، ما يؤدي إلى تحرير الفكر من القيود التقليدية، ويتجاوز الإشكاليات التي يعاني منها المثقفون والنُّخب العربية في تعاملاتهم مع المجتمعات العربية.

وختاماً، يقدم المفكر اللبناني علي حرب، في كتابه "أوهام النخبة أو نقد المثقف"، نقداً لدور المثقفين والنخب العربية في العالم العربي، يهدف من خلاله إلى تفكيك الأوهام التي تتسبب في عجز المثقفين والنخب العربية عن ممارسة دورهم في المجتمعات العربية. ويدعو إلى تفكيك الأيديولوجيات الجامدة، مع التركيز على إيجاد فكر نقدي مرن يعيد تعريف المثقف، ويحوله من حالة الانعزال إلى "وسيط فاعل" مرتبط بالواقع، وقادر على إيجاد حلول فكرية يمكن تطبيقها على إشكاليات المجتمعات العربية.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة