يُعد كتاب "الإسلام في الفكر الأوروبي" للمفكر البريطاني اللبناني ألبرت حوراني (1915-1993م)، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1962م، باللغة الإنجليزية، وصدرت لها ترجمات لاحقة بالعربية والفرنسية ولغات أخرى، دراسة محورية هامة في سياق العلاقة الفكرية والتاريخية المعقدة بين الشرق والغرب؛ خصوصاً دراسة كيفية تشكل وتطور الصورة النمطية عن الإسلام وحضارته، ضمن الأوساط الفكرية الأوروبية ونقد المنهج الاستشراقي.
أوروبا والإسلام
يرصد حوراني الإطار العام الذي تشكلت ضمنه دراسة الإسلام في الفضاء الأوروبي، ويرصد المراحل التاريخية التي مر بها الفكر الأوروبي في تعامله مع الإسلام، ويرى أن العلاقة بدأت بتصورات مؤسسة على الجهل والعداوة في العصور الوسطى؛ إذ كان الإسلام يُنظر إليه كـ"هرطقة"، أو كـ"تهديد عسكري مباشر". لكنْ ثمة تحول تدريجي حدث في هذه النظرة، بدءاً من عصر النهضة والاستكشافات الجغرافية، وظهور فئة من الدارسين أطلق عليهم في ما بعد "المستشرقون".
وظلت الرؤية الأوروبية إلى الشرق والعالم الإسلامي محكومة بثنائية "الأنا والآخر"، وسيطرت ثلاثة نماذج رئيسة على الفكر الأوروبي تجاه الإسلام: النموذج "اللاهوتي/العدائي"، الذي يرى الإسلام كدين مزيف أو منافس للمسيحية؛ والنموذج "الرومانسي/الحنيني"، الذي ينظر إلى الشرق كفضاء مثالي للقيم الروحية المفقودة في الغرب المادي؛ والنموذج "الإمبريالي/الاستعماري"، الذي ينظر إلى الشرق كـ"موضوع للدراسة والسيطرة".
يقول الكاتب، إن التغيرات التي حدثت في الفكر الأوروبي نفسه، مثل ظهور العلمانية وحركة التنوير أثرت في طريقة مقاربة الإسلام، وبعد أن كان الإسلام يُدرس لإثبات خطئه، أصبح يُدرس لفهمه كظاهرة تاريخية؛ بل إن جهود بعض المفكرين الأوروبيين تجاوز القوالب النمطية عن الإسلام والعالم الإسلامي.
ومن ثَم، يؤكد المؤلف أن الكتابات الأوروبية عن الإسلام تحولت، وأصبحت تراه كحضارة متكاملة، وتجاوزت النظر إليه على أنه ديانة؛ فعدد من المؤرخين الأوروبيين ركزوا على التاريخ الاجتماعي والاقتصادي، بدلاً من الاقتصار على اللاهوت، رغم أن هذه الرؤية، وفقاً لقوله، يشوبها الميل إلى رؤية هذه الحضارة على أنها "كيان جامد"، أو "تاريخ منقطع" عن الحداثة الأوروبية. ثم ينتقل إلى المفكرين الأوروبيين الذين أسسوا لثورة منهجية في دراسة الإسلام، مثل الأمريكي مارشال هودجسن (1922-1968م)، الذي ركز في كتابه الرئيس "مغامرة الإسلام"، على التاريخ الحضاري العالمي للإسلام، واجتهد في تجاوز المركزية الأوروبية عبر كتابه "التاريخ الإسلامي".
يقول حوراني، إن هودجسن قدم نموذجاً بديلاً يرفض مفهوم الاستشراق التقليدي، واعتمد في دراسته عن الإسلام على المنظورة العالمي ورؤية الإسلام كشبكة حضارية واسعة، وحاول فهم الإسلام من المنظور الإسلامي الذاتي الداخلي، وليس كرد فعل على الغرب، كما استخدم الدراسات المقارنة، حيث قارن بين تطور الحضارة الإسلامية بنظيرتها في الصين والهند، وتجاوز المقارنة المعتادة مع أوروبا.
إشكاليات التصنيف
يرصد الكاتب إشكاليات تصنيف التاريخ الأكاديمي، وتأثيرها في دراسة الإسلام والشرق الأوسط، ويرى أن الإشكالية الرئيسة تتمثل في تقسيم التاريخ الإسلامي؛ فغالباً ما يُفصل هذا التاريخ عن سياقه التاريخي العالمي، ويُقسم إلى "عصور وسطى إسلامية" تتوقف عند القرن السابع عشر، أو يُدمج قسراً في تصنيف تاريخ الشرق الأوسط، الذي هو "تصنيف حديث نسبياً يخضع لاعتبارات سياسية أكثر من كونها حضارية".
فدراسة تاريخ الشرق الأوسط، استجابةً للحاجة السياسية الأوروبية، لفهم المنطقة بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية، وهي دراسة ركزت على كل من: ردود الفعل الإسلامية على الغرب، وكيف "تأخر" الشرق الأوسط، وكيف حاول "اللحاق" بالنموذج الأوروبي؛ وأيضاً، ظواهر الحداثة، كظهور القومية وحركة التحديث السياسي والاجتماعي التي ظهرت في الشرق الأوسط، في أوائل النصف الثاني من القرن العشرين.
يقول حوراني، إن التركيز المفرط على التاريخ الحديث للشرق الأوسط يهدد بتسطيح العمق الحضاري الإسلامي، ويربطه بالصراع مع الغرب. ولذلك، من المهم الفصل بين التاريخ الإسلامي كحضارة وتاريخ الشرق الأوسط كإقليم سياسي.
وضمن ذات الإشكاليات، إشكاليات التصنيف، يقدم المؤلف مقاربة بين شخصيتين غربيتين وصفهما بالتناقض فيما بينها، هما: توماس إدوارد لورنس (1888-1935م)، الشهير بـ"لورانس العرب"، ولويس ماسينيون (1883-1962م)، فهما نموذجان للمثقف الغربي المتعمق في الشرق، لكنهما يمثلان مسارين مختلفين للتفاعل:
- توماس إدوارد لورنس: جندي ومستشكف وكاتب، يمثل الشخصية التي تغلغلت في الشرق لأهداف "سياسية/عسكرية"، ينصب اهتمامه الفكري في القومية العربية والحرب في الصحراء، ويمثل نموذج "التداخل السياسي".
- لويس ماسينيون: مستشرق فرنسي، يمثل الشخصية التي تغلغلت في الشرق لأهداف "روحية/أكاديمية"، ينصب اهتمامه الفكري في التصوف الإسلامي، خصوصاً الحلاج والحوار المسيحي الإسلامي، ويمثل نموذج "التداخل الروحي".
ثم ينتقل حوراني إلى المستشرق الفرنسي جاك بيرك (1910 : 1995م)، الذي وصفه بأنه ينتمي إلى جيل ما بعد الاستعمار، وانصب اهتمامه الفكري في التحول الاجتماعي والأنثروبولوجيا في المغرب العربي، وربط الماضي بالحاضر؛ وعلى عكس لورانس وماسينيون، لم يهتم بالسياسة ولا بالتصوف، بل اهتم بالواقع الاجتماعي الحي، وتميز منهجه بـ"التعاطف النقدي"، وركز على اللغة اليومية والعادات والتحولات الزراعية والمدنية في المغرب العربي، وكان يحمل نظرة حنينية إلى الماضي العربي الإسلامي المجيد، فسعى إلى تجاوز المركزية الغربية عبر الاندماج في التجربة الاجتماعية.
التجديد الداخلي
يرفض الكاتب الأطروحة التي ترى انحدار الحضارة الإسلامية وتوقفها عن التطور بعد العصور الوسطي، ومقارنة تلك الفترة بالصعود الأوروبي وعصر النهضة، ويرى أن القرن الثامن عشر شهد حركات تجديد داخلي غير مرتبطة بالرد على الغرب.
ويضرب أمثلة على ذلك:
- التجديد الديني: ظهور حركات إصلاحية ودعوية في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، هدفها تنقية الممارسات الدينية.
- التوسع التجاري الداخلي: استمرار نمو المدن، وتطور شبكات التجارة الطويلة واستمرار الحيوية الاقتصادية.
- الاستقلال الإقليمي: تزايد وجود "القوى المحلية" المستقلة عن الإمبراطورية العثمانية، وتحول في بنية السلطة آنذاك وليس انهيارها.
فالتغيير في الشرق الأوسط لم يكن دائماً "رد فعل"، والشرق الأوسط "شهد إعادة تأهيل في القرن الثامن عشر، كفترة نشطة وحيوية في التاريخ الإسلامي، تكمن قوته في التركيز على التحولات الداخلية"، حسب قوله.
دائرة المعارف
يتناول المؤلف شخصية المفكر اللبناني بطرس البستاني (1819-1883م)، الذي وضع دائرة المعارف كأول موسوعة شاملة باللغة العربية، هدفها تجميع المعارف الغربية الحديثة والتقليدية العربية، ويصفها بأنها "تجسيد لحركة النهضة"، في القرن التاسع عشر، هدفها الرئيس التعريف بالمعارف الحديثة وتطوير اللغة العربية، لتكون قادرة على استيعاب المصطلحات العلمية والفلسفية الأوروبية؛ هذا، فضلاً عن بحثه في مفهوم الوطن الذي اجتهد بطرس البستاني في تدشينه والعمل عليه لبناء هوية عربية تجمع بين الوفاء للتراث والانفتاح على الحداثة.
وينتقل إلى سليمان البستاني (1856-1925م)، وترجمته ملحمة الإلياذة الشعرية لهوميروس، ويرى أن عمله في الإلياذة تجاوز الترجمة لتصبح "مقارنة حضارية"، سعى من خلالها إلى إثبات قدرة اللغة العربية، وإعادة اكتشاف الذات، والاستفادة السياسية؛ إذ اعتبر أن الإلياذة مصدر للحكم الأخلاقي والسياسي.
وختاماً، إن كتاب "الإسلام في الفكر الأوروبي" لألبرت حوراني يمثل دراسة منهجية وبحثية معمقة، حول التحولات المعرفية والمنهجية التي شكلت النظرة الأوروبية للإسلام والشرق الأوسط؛ فهو يستعرض الصورة الأوروبية النمطية اللاهوتية والسياسية عن الإسلام، ويرصد محاولات النقد الذاتي والتحرر المنهجي الأوروبي في نظرته للإسلام والشرق الأوسط، ويبرز المقارنة المزدوجة بين النظرة الأوروبية للشرق عبر لورانس العرب ولويس ماسينيون، ويرصد وجهة النظر الثالثة التي مثلها جاك بيرك وتعمقه الاجتماعي، ويحلل العلاقة بين الفكر العربي النهضوي والتحدي الأوروبي.