أسماء بارلاس:

منهجية النقد النسوي ضد الرؤية الذكورية                  

مركز حوار الثقافات

03-01-2025

تطرح الباحثة الأمريكية الباكستانية أسماء بارلاس (1950م) إشكالية المرأة في الإسلام وانتشار النظرة الدونية لها، سواء تراثياً أو في العصر الحالي، من خلال رؤية تعتمد على القرآن الكريم، الذي لا يميز خطابه بين الرجل والمرأة، وينادي بالحرية والمساواة والمسؤولية المشتركة والعقل المتساوي بينهما؛ بعكس ما انتشر في التاريخ الإسلامي، الذي تجاهل الطرح القرآني، متأثراً في ذلك بالثقافة القبَلية العُرفية السائدة، التي تدنّي شأن المرأة.

"بارلاس"، التي شغلت مناصب أكاديمية في جامعة إيثاكا بالولايات المتحدة، وجامعة سبينوزا في هولندا، تميزت بمنهج نقدي أدخل تحولاً فرعياً في "النسوية الإسلامية"؛ لتتضمن، إلى جانب الرصد والرفض، النقد العقلي لبناء ساحة للمرأة في الفضاء الديني الإسلامي، واستخدمت المنهج النقدي في رفض سلطة رجال الدين والكهنوتية المنتشرة تراثياً، وعبّرت عن مشروعها الفكري في كتب أصدرتها باللغة الإنجليزية، وتُرجم بعضها، مثل: "النساء المؤمنات في الإسلام.. قراءة غير قراءات التفسيرات الأبوية للقرآن"، و"الإسلام والمسلمون في الولايات المتحدة.. مقالات عن الدين والسياسة"، و"الديمقراطية والقومية والطائفية"، و"مواجهة الأبوية القرآنية".

مساواة قرآنية

تنطلق "بارلاس" في مشروعها الفكري من تقديس القرآن، ولا ترى مشكلة في خطابه ونصوصه، في ذاتها، بل المشكلة في التناول الإنساني له، لكن ما يحدث أن بعض من يتناولون القرآن بالتفسير يحاولون فرض رؤيتهم وتفسيراتهم، سواء في واقعهم المعاش، أو بعد ذلك في مراحل التاريخ المختلفة، بينما القرآن، النص المقدس، يحتمل قراءات كثيرة، حسب قولها.

وتنفي "بارلاس" الاتهام الموجه للإسلام، بأنه "يدعو ويساعد على اضطهاد النساء"، وترى أن القرآن لا يُفرق بين المرأة والرجل، ولا يضع فروقاً بسبب الهوية الجنسية، ولا يفرق في التكليف والعمل بين الجنسين، ولا يقول بأفضلية الخصائص الذكورية على الخصائص الأنثوية، والإسلام يتجاهل أي تمييز بين البشر، باستثناء المعيار السلوكي والأخلاقي، لذا نادت بالمساواة بين الجنسين، وترى أنها من لُب الإسلام، ونُصَّ عليها صراحة في القرآن، حينما أشار إلى خلق البشر من نفس واحدة، دون تمييز للرجال على النساء، فالإسلام يعترف بالخصوصية الجنسية لكل جنس، ولا ينادي بأي تمييز جنسي للرجال على النساء، حسب قولها.

الإسلام والكهنوت

ترى "بارلاس" أن الإسلام لا توجد به سلطة دينية أو كهنوتية، ولا يمكن لأحد احتكار فهم الإسلام وتفسير القرآن لنفسه؛ إذ إن الإسلام دين مفتوح للقراءات المتعددة والمختلفة، ويمكن تفسير القرآن بأكثر من قراءة؛ ومن حق كل مسلم قراءة القرآن وفهمه، وليس العلماء والفقهاء فقط، حسب قولها، بل كل شخص له وعنده إمكانية قراءة القرآن وفهمه، حتى يتصل الإنسان بربه بشكل مباشر دون وساطة، لا سيما أنه لا كهنوت في الإسلام، وفقاً لها.

وحسب "بارلاس"، فإن الإسلام يضع في اعتباره حاجة المجتمعات، وينظر بإيجابية إلى الجنس باعتباره وسيلة لاستمرار البشر، وتحقيق الخلافة في الأرض، وخدمة المشيئة الإلهية في استمرار الخلق، ولم ينظر الإسلام إلى المرأة على أنها أداة أو آلة للجنس؛ وبالتالي، لا ينظر إلى المرأة نظرة دونية، فالقرآن قدم نماذج من الرجال والنساء للاهتداء بها على السواء.

تهميش المرأة

توضح "بارلاس" أن المرأة تعرضت للتهميش في التراث الإسلامي، بسبب القراءات التقليدية الخاطئة للنصوص الدينية، التي أعلت "دون وجه حق" من الحالة الذكورية، فسادت حالة من السيطرة الأبوية على المجتمعات الإسلامية، الأمر الذي يمكن تفسيره بالنظر إلى القراءات المختلفة للإسلام وللنصوص الدينية، حسب قولها.

وتطمح "بارلاس" إلى فك أي ارتباط بين النص الديني بالقراءات التراثية التقليدية، التي ميزت جنسياً بين الرجل والمرأة، وتدعو إلى إيجاد قراءات جديدة للنص الديني ترتكز على السياقات الاجتماعية والثقافية والتاريخية الحالية، وتُمكّن من اكتشاف القراءات التقليدية في التراث، وفقاً لها، وتسعى إلى كسر احتكار العلماء الذكور لقراءة النص الديني والتفسير القرآني، وذلك عبر إلغاء مركزية النص بتطبيق المناهج والعلوم الحديثة، مع تأكيد إيمانها بالنص الديني، لا سيما القرآن الكريم، دون القراءات التي يدعي أصحابها احتكار العمل الديني بشكل عام، والتأويل القرآني بشكل خاص، حسب قولها.

تذهب "بارلاس" إلى أن القرآن يرفض السلطة الأبوية ويناهضها، كما أنه يخلو من خطاب مخصص للرجال دون النساء، ويخلو من أي قول يصف به النساء بالضعف أو الشر، بل إن النص القرآني به أسس لتنظير المساواة الكاملة بين الجنسين ويتعامل بنظرة إيجابية مع المرأة، حسب قولها.

اتهامات الغرب 

ترفض "بارلاس" الاتهامات الغربية للإسلام، التي تدعي أنه دين أبوي كاره للنساء متحيز ضدهن، وتُبين تهافت هذا الاتهام، وبراءة الإسلام منه. ووفقاً لها، فإن السبب في هذه الاتهامات ليس الإسلام، إنما هم المسلمون الذين لم يتمكنوا من قراءة النص الديني وفهمه وتفسير نصوصه، بينما القرآن بريء من هذه الاتهامات.

وتوضح أن سبب الاتهامات الغربية للإسلام هو عدم استيعاب بعض النصوص القرآنية، التي تختلف في خطابها للمرأة عن الرجل، في قضايا مثل دور كل منهما في الأسرة؛ وتؤكد أن الاختلاف لا يعني عدم المساواة، بل يعني فهماً صحيحاً لخصوصية كل نوع، لا سيما وأن الخطاب القرآني يتضمن مبادئ عامة، وعبادات وتكليفات أخلاقية وروحية، وتوجيهات اجتماعية تخاطب الجنسين، دون استثناء، حسب قولها.

منطلق قرآني 

تُبرئ "بارلاس" الإسلام والقرآن من خطاب كراهية النساء وتأييد النظام الأبوي، وترى أن هذه الأمور انتقلت إلى الممارسة والحياة الإسلامية عبر السيطرة العُرفية القبَلية على العقل الإسلامي، أو بما فُهم وفُسر أو وُضع بشكل خاطئ في السُّنة النبوية، ورغم ذلك فإنه يوجد استغلال بشكل متعمد من رجال الدين والجماعات الأبوية، على مدار التاريخ الإسلامي، لهذه الأحاديث، لترسيخ الممارسات المعادية للمرأة التي امتلأت بها التفاسير التراثية والقراءات الدينية التراثية، حسب قولها.

ومن منطلق قرآني، تذهب "بارلاس" إلى أن الحجاب ليس فرضاً على المرأة المسلمة؛ فالخطاب القرآني عن الحجاب اقتصر على زوجات النبي دون غيرهن، حسب قولها، ولم يشترط بشكل صريح ارتداء المرأة الحجاب، وتستشهد على ذلك بالآية: ﴿... وَإِذَا سَأَلۡتُمُوهُنَّ مَتَٰعٗا فَسۡـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٖۚ ذَٰلِكُمۡ أَطۡهَرُ لِقُلُوبِكُمۡ وَقُلُوبِهِنَّۚ وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓاْ أَزۡوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦٓ أَبَداًۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً﴾ [الأحزاب: 53]، حسب قولها.

فرض الحجاب على النساء، بالشكل الذي وُجد في التاريخ الإسلامي وحالياً، حسب "بارلاس"، جاء من رجال الدين وليس من القرآن؛ بل إن الأمر تجاوز الحجاب إلى أحكام كثيرة لا علاقة لها بالقرآن، مثل فرض عقوبة الرجم حتى الموت، بينما لم تُذكر في القرآن، وقتل المرتد عن دينه.

وفي الإطار نفسه، ترفض "بارلاس" تعدد الزوجات في الإسلام، وترى أن من يتزوج من المسلم الذي يتزوج بأكثر من واحدة يخالف تعاليم القرآن التي لا تسمح بتعدد الزوجات، والآيات الواردة في القرآن التي تتحدث عن التعدد كانت مرحلية، حسب قولها؛ فالإسلام ظهر في بيئة ينتشر فيها تعدد الزوجات، فنظم الأمر وقصره على عدد معين من الزوجات، واشترط شروطاً تعجيزية مثل المساواة بين الزوجات، فكان هذا الحكم القرآني مرحلياً، حسب قولها.

وختاماً، تصف "بارلاس" مشروعها الفكري بأنه مشروع عقلي نقدي، يستهدف توضيح المقاربة القرآنية بين النساء والرجال، مع الاعتراف بالاختلافات البيولوجية بينهما، وعدم تضمن القرآن أي تمييز بسبب الهوية الجنسية، وتدعو لطرح ما أحدثه رجال دين وعلماء ومفسرون في التراث الإسلامي، من مزج بين النص المقدس وبين آرائهم الذكورية الأبوية، لإنتاج ما وصفته بـ"المعرفة المقدسة دون توضيح حقيقتها ومنافاتها النص القرآني". 

وتعتمد "بارلاس"، في مشروعها الفكري، على القرآن الذي تصفه بأنه "خطاب إلهي يتفق عليه كل المسلمين"، وترى أن الحديث البشري ليس كذلك، وتقول إن الذين يستخدمون الأحاديث لإصدار أحكام على المرأة تقلل من قيمتها، هم في الأساس "غير راضين عن المساواة القرآنية"، وترصد "اختلافاً بين القرآن والأحاديث"، وتفسر هذا الاختلاف بأن أسبابه مرحلة جمع الأحاديث وتدوينها، التي بدأت بعد فترة ليست بالقصيرة من حياة النبي، وما زالت إشكاليات كثيرة عالقة بمسألة جمعها، وفقاً لقولها.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة