"لا شك أن حضور أسباب النزول في مبحث التفسير القرآني يعكس أشكالاً عديدة من توظيفها، أقرّها المفسرون القدامى في طلبهم معاني آي القرآن الكريم. ومن البدهي أن يتأثر ذاك التوظيف بمعطيات عديدة، أهمها ثقافة المفسر وانتماؤه المذهبي، وطبيعة المشاغل المعرفية والاجتماعية السائدة في عصره".. هكذا، يُقدم الباحث التونسي بسام الجمل لطبعة أولى من كتابه المعنون بـ"أسباب النزول"، الصادرة عام 2005م عن المؤسسة العربية للتحديث الفكري.
كما يستهل الكاتب مؤلَّفه بحكم أن "جُلّ الكتابات العربية الحديثة التي تعرض أصحابها إلى أسباب نزول القرآن الكريم، لم توفَّق في معالجة قضاياه ومسائله معالجة نقدية تُسائل تاريخه وتنظر في الأطوار المعرفية التي تقلّب فيها".
من هنا، يقول الكاتب إن الدارسين العرب المحدثين وقعوا في "موقف تمجيدي"، اكتفوا فيه بترديد آراء القدامى من مفسرين وعلماء قرآن في مبحث أسباب النزول والتسليم بصحتها، لافتاً إلى غياب الحس النقدي في أعمال هؤلاء بناءً على موقفهم التمجيدي هذا.
تأسيس منهجي
يُعرف الباحث أسباب النزول بأنها "ليست سوى السياق الاجتماعي للنصوص"، لافتاً إلى أن هذه الأسباب يمكن الوصول إليها من خارج النص، كما يمكن الوصول إليها من داخله، وقد كانت مشكلة القدماء أنهم لم يستطيعوا امتلاك أدوات للوصول إلى أسباب النزول، إلا الاستناد إلى الواقع الخارجي والترجيح بين المرويّات؛ ولم ينتبهوا -حسب قوله- إلى أن في النص "دوال" يمكن أن يكشف تحليلها عما هو خارج النص، ومن ثَم يمكن اكتشاف أسباب النزول من داخل النص القرآني، كما يمكن اكتشاف دلالة النص بمعرفة سياقه الخارجي.
وقد أفضى البحث في العوامل التي أسهمت في تكوُّن علم أسباب النزول، بالكاتب، إلى تعيين ثلاثة عوامل؛ العامل الثقافي، والعامل المعرفي، ثم العامل الأيديولوجي، وهي عوامل متداخلة تتبادل التأثير، فيما بدا أن العامل الثقافي كان حاسماً في نشأة هذا العلم، تلاه العامل المعرفي ثم الأيديولوجي.
إذ إن تغيراً عميقاً أصاب الوضع الثقافي الإسلامي إثر انقطاع الوحي المحمدي بموت النبي، ففعلت المؤثرات الثقافية فعلها في النص الديني، ثم تجاوز الإسلام حدود الجزيرة العربية؛ وبالتالي، دخلت أجناس عديدة في الدين حملت رصيداً راسخاً ومتنوعاً من الثقافات، حتى تدخلت الفعالية التاريخية في الإسلام فهمَّشت التأثير الثقافي والاجتماعي، الناطق بأوضاع المجتمعات القبلية قبل الإسلام؛ فترتب على هذا التحول رغبة الأجيال الإسلامية الأولى في استعادة تجربة النبي الفذة، أما العامل المعرفي فقد اقترن بتشكيل طبقة من العلماء استأثرت لنفسها بحق معرفة النص الديني وتدبُّر مسائله وتقرير مراميه، دون أن يكون للعامة هذا الحق.
أسباب النزول
يقول بسام الجمل إن مجمل المعاني المستفادة من كلمتَي "أسباب" و"نزول"، استناداً إلى القرآن من ناحية واستئناساً بأصلهما اللغوي وتأويلات المفسرين لهما من ناحية أخرى، سمحت بتمحيص الدلالة الاصطلاحية لأسباب النزول عِلماً من علوم القرآن؛ فمثلما أن السبب يكون وسيلة لتحقيق المطالب، فإن علم أسباب النزول من المعارف التي يسترشد بها المفسِّر لتحديد المعطيات التاريخية لنزول الآيات، مضيفاً: "لذلك قُصِر (النزول) على القرآن دون سواه من الكتب السماوية، لإفادته معنى (النزول على مهل) وفي الأحايين وقتاً بعد وقت".
ويقدم الكاتب استعراضاً سريعاً لكل تفسير من التفاسير الشهيرة، طبقاً لأسباب النزول؛ فيقول مثلاً في تفسير الطبري، إن ملامحه العامة تتضمن منهجاً مخصوصاً؛ إذ تتسع معه مادة الأخبار المتناولة في أسباب النزول، حيث تحتل حيزاً نصياً مهماً، خصوصاً أن الطبري حرص على ذكر كل أخبار أسباب النزول بأسانيدها كاملة، فيما لم يُبدِ الطبري رأياً في أسباب النزول، لكنه حاول التوفيق بين أسباب نزول الآية الواحدة والجمع بينها.
أما في تفسير الطبرسي، فتتعدد مصادر أسباب النزول وتتنوع؛ إذ لم يقتصر الطبرسي، بحسب الجمل، على المصادر الشيعية الإمامية، وإنما عوَّل أيضاً على المصادر السُّنِّية. فيما تفسير الرازي اهتم بمادة أسباب النزول حجماً ومحتوى، ولعل ما يميز أخبار أسباب النزول لديه قلة احتفاء المفسِّر بذكر أسانيدها كاملة، مكتفياً بذكر الراوي الأول للخبر، وقد عدَّ الباحث تفسيرَ الرازي من المصادر المحورية في دراسة أسباب النزول عِلماً من علوم القرآن؛ إذ بلغ البحث الإحصائي لعدد الآيات التي اهتم الرازي بأسباب نزولها "450" آية من القرآن.
أما البخاري، فيقول الباحث إنه راوح في اهتمامه بأسباب النزول بين الاكتفاء برواية واحدة للسبب وبين القول بتعدد الروايات، وقد يصل هذا التعدد إلى "5" روايات؛ والغالب على منهج البخاري في مبحث أسباب النزول، بحسب الباحث، عرض الأخبار دون إبداء رأي صريح بشأنها.
ويُلمح المؤلف إلى كتاب "تاريخ الأمم والملوك" لابن جرير الطبري، الذي اعتمد في تدوينه على مصادر عديدة مباينة للمصادر التي عوَّل عليها في إنشاء تفسيره، لافتاً إلى أن المفسرين القدامى كانوا مدركين تمام الإدراك أن علم أسباب النزول لا يتعلق بآيات المصحف كلها، بل بعدد محدود منها لا يتجاوز في أقصى الحالات "14%"، مؤكداً أنهم لم يجدوا في ذلك حرجاً بما أن أغلب الآيات نزلت في نظرهم ابتداءً.
رواية ابن عباس
يقول الباحث التونسي إنه لا يمكن اعتبار ابن عباس شاهداً حقيقياً على مرحلة الوحي مثلما يزعم الموقف السُّنّي؛ مبرراً ذلك بأن سِنَّه لم تكن، وهو في الثانية عشرة أو نحوها عند وفاة الرسول، تسمح له بأن يكون صحابياً بالمعنى الدقيق للصحبة، أو شاهداً موثوقاً به على أحداث فترة الوحي، متسائلاً ومتعجباً: "مَن يجرؤ في ظل الدولة العباسية على تكذيب جدّ الخلفاء وقتها أو التشكيك في سلامة رأيه، على فرض صحة كل ما يُروى عنه أو بعضه؟!".
ولعل مما يعزز وجاهة هذا الرأي، القائل بعدم موثوقية شهادة ابن عباس على فترة الوحي، بحسب الباحث، أن ابن عباس لم يكن -ولو في مناسبة واحدة- طرفاً فاعلاً في أخبار أسباب النزول، بخلاف غيره من كبار الصحابة، الذين نزلت في شأنهم عديد من الآيات، مثل جابر بن عبد الله والبراء بن عازب، لكن ما استقر في الوجدان الإسلامي من وجهة نظره منذ وقت مبكر، يناقض هذه الحقيقة التاريخية، فابن عباس، على حد قول عبد الله بن عمر "أعلمُ من بقي بما أُنزِل على محمد"، بل لقد أسس هذا الوجدان صورة أسطورية عن ابن عباس، وهذا ما انعكس على ما يرويه من أخبار أسباب النزول؛ إذ يُسنَد إليه القول ونقيضه أو القصة وخلافها في سبب نزول الآية نفسها، من قبيل الخبرين المتّصلين بسبب نزول الآية "114" من سورة البقرة، فيما لم يجد القدامى أزمة في ذلك، بل بحثوا له عن حل تَمثّل في قولهم بتعدد الأسباب.
ويلفت الباحث إلى أن قِسماً كبيراً من أخبار أسباب النزول أُسنِد إلى جيل التابعين، رغم أنه لم يعاين البتّة مرحلة الوحي المحمدي، ولم يكن شاهداً مباشراً عليها؛ والعلة في اهتمامهم بأسباب النزول، بحسب الباحث، أنهم افتقدوا ما توفر للصحابة من معرفة الظروف التاريخية للتنزيل لأنهم كانوا فاعلين فيها؛ لذا، عظمت حاجة التابعين إلى الإلمام بأسباب النزول، حتى يتسنى لهم في ضوئها تفسير نَص المصحف والوقوف على مُراد الله من وحيه، فيما لم يكن بحثهم بمنأى عن ضغوط واقعهم التاريخي وإكراهاته الخفية والمعلنة من ناحية، وعن آفاقهم المعرفية، ونفسيّاتهم وانتماءاتهم الأيديولوجية ونزعتهم المذهبية من ناحية أخرى.
وختاماً، يؤكد الباحث التونسي بسام الجمل أن رواة الأخبار وعلماء القرآن ليسوا مؤرخين بأتم معنى للكلمة؛ لذلك لم يحققوا في مرويات أسباب النزول تحقيقاً نقدياً، بل اقتصر دورهم أو كاد على نقل رصيد مهم من الأخبار المعبّرة عن انتمائهم إلى الإسلام المنتصر تاريخياً وحضارياً؛ مؤكداً أن طرائق تقديم قدامى المفسرين للأحداث التاريخية، وما تخضع له من إخفاء وإقصاء لبعضها وإبراز وتضخيم للبعض الآخر، دالٌّ على ذلك الانتماء.
ويلفت الباحث النظر إلى أن "تسعة أعشار" آيات المصحف ليست لها أسباب نزول، وهذا الاستنتاج يطعن في ما يروّجه بعض الدارسين المعاصرين من اقتران آيات القرآن كلها بأسباب نزول تاريخية، والحاصل برأيه أن جُلَّ مادة أسباب النزول لا تصلح أن تكون معرفة إسلامية موثوقاً بها.