أساطير الآخرين:

الإسلام بين التيارات الأصولية ومنتقديها

مركز حوار الثقافات

01-06-2025

تقديم قراءة نقدية عميقة للخطاب الإسلامي المعاصر، والنقد الموجه له، هو الهدف الرئيسي للمفكر السوري ياسين الحاج صالح، من كتابه "أساطير الآخرين: نقد الإسلام المعاصر ونقد نقده"؛ إذ يسعى في هذه القراءة إلى تحرير الفكر الإسلامي المعاصر، والفكر الناقد له، من "الأساطير المؤسِّسة" لدى الطرفين التي تُسبب انغلاق الرؤية وتصورات نمطية خاطئة عن الآخر.

ويجتهد صالح في تخليص الخطاب الإسلامي المعاصر من الأيديولوجيا الشمولية التي يُعاني منها، والتي تحولت إلى نمط معرفي يحكم النظرة الإسلامية، وتسببت في موقف عدائي من الحداثة وقيمها الكونية، رغم أنها قيم متضمنة في الإسلام نفسه؛ وبهذا، يرفض تحول الدين إلى مشروع سياسي بهوية ثقافية مغلقة، كما يرفض استخدامه أداة للصراع مع الآخر أو للانغلاق على الذات، ويطالب بإعادة النزعة الكونية للإسلام وقيمه الإنسانية ومضامينه الروحية ورسالته العالمية. وفي المقابل، فإنه يرفض النظرة السطحية المتعالية من التيارات المعاصرة، التي تنتقد الخطاب الإسلامي المعاصر، ويشدد على أهميته تفكيك هذه التيارات الفكرية للخطاب الإسلامي المعاصر، تفكيكاً عقلياً ونقدياً يراعي البعد الاجتماعي والواقع الحالي وإشكالياته.

قراءة نقدية

يحرص صالح على تقديم قراءة نقدية للخطاب الإسلامي المعاصر، المتعلق بمفاهيم مثل العنف والحداثة والنهضة والإصلاح الديني، إضافة إلى نقد الخطابات الداخلية والخارجية التي قدمت نقداً للخطاب الإسلامي؛ ويهدف بذلك إلى ما وصفه بـ"التحرر من الأساطير المؤسِّسة لدى الاتجاهين"، ويستخدم مصطلح الأسطورة بمعنى أنها "إنتاج رؤية مغلقة وثابتة عن الذات والآخر". لذا، فإنه يسعى إلى تصحيح الرؤى، لا سيما أن الفريقين لديهم تصورات نمطية عن الطرف المقابل وعن أنفسهم. 

ويرى صالح وجود ثلاثة تصورات مغايرة عن الإسلام، هي رؤية الإسلاميين لأنفسهم، ثم رؤية المثقفين العرب، وأخيراً الرؤية الغربية المتمثلة في المستشرقين؛ ويرى أن أصحاب الاتجاهات الثلاثة وقعوا في ثنائية تضر الفكر أكثر مما تفيده، وتنتج الأيديولوجيا وليس المعرفة، وهي ثنائية المتضادات الفكرية، مثل ثنائية الحداثة والتخلف، وثنائية العقل والنقل، وغيرهما.

مفاهيم مسيطرة

يذهب صالح إلى أن الخطاب الإسلامي المعاصر يعتمد على تصورات وأفكار مغلقة وثابتة، تحول الفكر الديني إلى "أيديولوجيا شمولية"، تتغذى على أفكار مثل المطالبة باستعادة فترة النقاء الدينية في الحقبة النبوية، باعتبار أن ما تلاها كان انحرافاً يجب تصحيحه؛ وهي فكرة ترفض تنوع التاريخ الإسلامي. 

كما أن من الأفكار المغلقة، أيضاً، النظرة إلى "الآخر باعتباره عدواً دائماً متآمراً على الإسلام"، ما يعفي الفكر الإسلامي من نقده لذاته، إضافة إلى فكرة النصر الحتمي المنتشرة في الفكر الإسلامي المعاصر، لأنها تتجاهل الواقع وشروط التاريخ وتقضي على الفاعلية، وفكرة ضرورة العودة إلى الشريعة؛ دون تقديم تصور واقعي للشريعة المقصودة، وكيف يمكن أن تطبق في الواقع المعاصر وتعقيداته (؟!).

يقول الكاتب إن الأفكار السابقة، في الفكر الإسلامي المعاصر، تجاوزت كونها أفكاراً خاطئة وأصبحت نظاماً معرفياً وأيديولوجياً يحارب أي محاولة إصلاحية أو نقد، من داخل التيار الإسلامي أو خارجه، حسب قوله.

ويؤكد صالح أن التيارات الإسلامية تلتزم موقفاً عدائياً رافضاً للحداثة، يتمثل في رفضها المفاهيم الحداثية مثل الحرية الإنسانية والمسؤولية والحقوق والفردية والعقلانية، و"الدولة والعلمانية"، متجاهلة أن الحضارة الإسلامية اشتملت على المفاهيم السابقة، التي تحولت فيما بعد إلى "مفاهيم كونية"؛ ويتهم التيارات الإسلامية الأصولية والسلفية بأنها تمارس ما وصفه بـ"الحداثة الرجعية"، فبينما يرفضون المفاهيم الحداثية التي تُعتبر الأساس الحضاري والعقلي لأي حداثة، فإنهم يستخدمون منتجات وأدوات الحداثة وتقنياتها، كالعلوم والتكنولوجيا والاتصالات، ويستخدمونها في رفض المفاهيم الحداثية ومهاجمة الحداثة، كما يسعون عبرها إلى تأسيس مشروع ديني يتناقض مع الحداثة الفكرية والاجتماعية والسياسية.

يوضح الكاتب أن هدف التيارات الإسلامية هو تأسيس دولة، دون أن يقدموا تصوراً لهذه الدولة ولا لنظام الحكم، ولا يتجاوز تصورهم عن الدولة الإسلامية الشعارات الدينية، دون تصور حقيقي، والدولة الإسلامية لدى التيارات الإسلامية لا تتجاوز كونها فكرة مطروحة لم تتحقق في التاريخ الإسلامي، وهي محاولة لإعادة إنتاج السلطة الدينية كنظام شمولي لا يسمح بالحريات والمساواة.

توظيف سياسي

ينتقد صالح استخدام التيارات الإسلامية للجهاد، ويرى أنه توظيف سياسي تهدف منه هذه التيارات إلى إعادة تشكيل المجتمعات العربية، وليس الحفاظ عليها كما كان يهدف الجهاد حينما شُرع في الإسلام، وطُبق بعد ذلك في فترات تاريخية تراثية عديدة؛ فالجهاد الذي تدعو إليه التيارات الإسلامية الحديثة، يختلف عن الجهاد الذي دعا إليه الإسلام، فتحول الجهاد من مفهوم فقهي محدد يهدف إلى الحفاظ على المجتمعات الإسلامية، ليُصبح مشروعاً سياسياً يتسم بالعنف والوحشية، ويهدف إلى التجنيد ويستخدم ضد المجتمعات الإسلامية، حسب قوله.

ويُميز الكاتب بين نوعين من النقد الموجه إلى التيارات الإسلامية؛ الأول، يرى أنه نقد دعائي الهدف منه مواجهة تيارات الإسلام السياسي، باعتبار أنها خصم سياسي يجب مواجهته والقضاء عليه، ويتميز هذا النقد بالدعائية والسطحية؛ والنوع الثاني، هو النقد الليبرالي من مثقفين عرب، ويرى أنه نقد يتسم بالتعالي وتجاهل الظروف المجتمعية والسياقات المحلية في نقدهم لهذه التيارات.

يقول صالح إن النقد الموجه للتيارات الإسلامية نقد يخلو من محاولة تفكيك، اجتماعي أو ثقافي أو فكري أو سياسي، للمنظومة الفكرية لهذه التيارات، فيعجز هذا النقد بنوعيه "الدعائي والاستعلائي" عن إيجاد حل للمشكلة؛ إذ إنه يفتقر إلى أي نقد عقلاني جذري للتيارات الإسلامية، ينظر إليها على أنها ظاهرة اجتماعية وفكرية وثقافية وسياسية قابلة للفهم والتفيكك.

حل علماني

يصف صالح العلاقة بين الإسلام والعلمانية على أنها "علاقة مركبة ومقعدة"، ويعمد إلى تفكيكها، فيرى أن العلمانية مفهوم متشعب متعدد التصورات لا يمكن تحديده في تعريف واحد، وكذلك الإسلام لا يمكن حصره في تصور واحد؛ وهو بذلك لا يرى مبرراً للعداء الحاصل بين العلمانية والإسلام، فالعلاقة بين العلمانية والإسلام ليست علاقة خصومة، فالعلمانية ليست هي المفهوم الشائع بأنها "ضد الدين"، بل هي نظام سياسي واجتماعي ينظم العلاقة بين الدين والدولة، ويضع إمكانيات قبول التعدد والاختلاف المتناغم داخل الدولة، ويمنع العنف والصراعات المذهبية والطائفية؛ إذاً، العلمانية ليست مشكلة بالنسبة للعالم الإسلامي، بل هي الحل، لا سيما في قدرتها على ضمان الحرية الدينية والمساواة بين أطياف المجتمع، حسب قوله.

ويرى الكاتب أن الإسلام لم يعد يُنظر إليه كدين هدفه تحرير الإنسان، بل أصبح يُنظر إليه "كهوية ثقافية"، على عكس حقيقته ورسالته العالمية، فتحول إلى وسيلة لتعريف الذات وأداة تميز عن الآخر، كما أنه أصبح ذريعة للانغلاق على الذات ورفض الآخر؛ مؤكداً أن السبب في ذلك هو النظر إلى الإسلام باعتباره مشروعاً سياسياً، وما يفعله الإسلاميون المعاصرون يُفقد الإسلام نزعته الكونية وقيمه الإنسانية ومضامينه الروحية، ويحوله إلى أداة منغلقة ترفض النقد وتقاوم التحديث وتُستخدم في الصراع مع الآخر.

وختاماً، يشدد المفكر السوري ياسين الحاج صالح، في كتابه، على نقد الخطاب الإسلامي المعاصر، ونقد النقد الموجه له، لِما يعتري الخطابين المتقابلين من أخطاء تؤثر في المجتمع بشكل سلبي، ويدعو إلى إعادة النظر في الخطابين؛ فالخطاب الإسلامي في حاجة إلى إعادة النظر في رؤيته للإسلام، التي تجاهلت قيمه العليا ورسالته العالمية ومضامينه الروحية، واستخدمته وسيلة في صراعها، وتجاهلت كونه غاية روحية إنسانية كونية؛ كما طالب أصحاب الخطاب الليبرالي والعلماني بإعادة النظر إلى الفكر الإسلامي المعاصر، والتيارات الإسلامية، وتفكيكه ونقده بشكل حقيقي ينطلق من المجتمع ويتجاهل الاستعلاء، لا سيما وأنه لا تعارض بين الإسلام والعلمانية.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة